حكايات رومانى مكرم 2
عادت منى إلى البيت، لكنها لم تكن منى التي غادرته في الصباح. كانت تمشي كأنها جثة تتحرك، دخلت غرفة النوم، ونظرت إلى تلك “المخدة” اللعينة التي توسطت السرير لـ 18 سنة. أمسكت بها ومزقتها بيديها، والريش يتطاير حولها مثل رماد ذكرياتها المحترقة.
دخل سيد البيت بعدها بساعة، كان منكسراً، لكن كبرياءه كان لا يزال يحاول النجاة. وجدها جالسة وسط الريش، تمسك بجراب دبلتها القديمة التي لم تلبسها منذ ذلك اليوم المشؤوم.
نظر إليها ببرود مصطنع وقال:
— “هتعملي فيها ضحية؟ نسيتي إنك روحتي الفندق؟ نسيتي إنك قلعتي دبلتي بإيديكي؟ أنا داريت عجزي.. بس أنتِ داريتي وساختك.”
رفعت منى رأسها، وكانت عيناها جافتين تماماً من الدموع، وقالت بهدوء مخيف:
— “أنا مانسيتش يا سيد. أنا مذنبة، وعشت 18 سنة ببوس رجلك عشان تسامحني. بس الفرق بيني وبينك، إني لما غلطت كنتِ بني آدمة ضعيفة، لكن أنت لما انتقمت كنت شيطان.”
تابعت وهي تقف وتواجهه:
— “أنت ما كنتش بتعاقبني عشان بتحبني ومجروح.. أنت كنت بتستخدمني ‘شماعة’. كنت بتشوفني بتذلل لك كل يوم وأنت بتكبر في نظر نفسك وتلبس ثوب الواعظ الشريف، وأنت من جواك عارف إنك كداب. أنت قتلتني بالحيا عشان خايف من نظرة الناس لو عرفوا إنك ‘عاجز’.”
سيد صرخ فيها:
— “أنا سترت عليكي! كان ممكن أفضحك في المنطقة كلها، كان ممكن أخلي سيرتك على كل لسان!”
ضحكت منى ضحكة مريرة وقالت:
— “لا يا سيد، أنت سترت على نفسك. لو كنت طلقتني أو فضحتني، كنت هتضطر تتجوز غيري، وساعتها السر كان هيكشف. أنت لقت فيا ‘الكنز’.. الست اللي مكسورة عينها، اللي مش هتطلب حقها الشرعي، اللي هتفضل تخدمك وهي حاسة إنها مديونة لك بعمرها.”
اقتربت منه حتى لفتت أنفاسها وجهه وقالت:
— “عارف إيه اللي بيوجع أكتر من الخيانة؟ إنك خلتني أفتكر إن ‘القرف’ هو اللي منعك عني، في حين إنك كنت بتموت عشان تلمسني بس مش قادر. الـ 18 سنة اللي عشناهم، أنا كنت بدفع تمن غلطة يوم.. لكن أنت كنت بتغلط في حقي كل ثانية.”
سيد تراجع للخلف، شعر لأول مرة أن القوة التي كان يستمدها من “ذنبها” قد تلاشت. لم تعد منى تخاف منه، ولم تعد تراه ذلك العملاق الطاهر.
قالت وهي تلم غياراتها في شنطة قديمة:
— “أنا ماشية يا سيد. مش عشان رامي، رامي ده كان وهم وخلص من زمان. أنا ماشية عشان مش قادرة أبص في وشك وأشوف ‘المخدة’ اللي كانت بتداري وراها حقيقتك.”
سيد وقف مذهولاً وسألها:
— “هتقولي للناس إيه؟ هتقولي لعيالك إيه؟”
التفتت له عند باب الشقة وقالت بابتسامة باهتة:
— “هقولهم إننا كنا عايشين في كدبة كبيرة.. أنت بطلها، وأنا كنت فيها الكومبارس اللي صدق الدور بزيادة.”
**#الكاتب_رومانى_مكرم**
نزلت منى السلم وهي شايلة شنطة هدومها، وكل خطوة كانت بتحس إن جبل كان فوق كتافها وبيقع. لكن سيد ما سكتش، جري وراها على السلم وهو بيزعق بصوت عالي عشان الجيران تسمع، رجع يلعب لعبته القديمة، لعبة “الرجل الشريف” اللي مراته بتسيبه.
— “رايحة فين يا منى؟ بتسيبيني وأنا عيان؟ بعد كل اللي عملته عشانك؟ الناس تقول عليكي إيه؟”
منى وقفت في نص المدخل، والجيران بدأت تفتح الأبواب وتتفرج. سيد كان فاكر إنها هتخاف من الفضيحة زي كل مرة وتدخل جوه، لكن منى لفتت له وبصت له نظرة خلت ريقه ينشف. وقالت بصوت مسموع للكل:
— “الناس تقول اللي تقوله يا سيد.. أنا عشت 18 سنة خايفة من كلام الناس، وخايفة من نظرة عينيك، وخايفة من ربنا. بس النهارده اكتشفت إنك كنت بتخوفني ببعبع ملوش وجود عشان تداري نقصك.”
سيد ارتبك وبدأ يوشوشها:
— “ادخلي جوه يا ولية هتفضحينا.. الورقة اللي في التأمينات دي أنا هفهمك قصتها، الدكتور فاهم غلط.”
منى ضحكت بصوت عالي، ضحكة فيها وجع وسخرية:
— “الدكتور فاهم غلط؟ والـ 18 سنة مخدة بيننا كانت غلط؟ والذل اللي كنت بتذلهولي كل ليلة وأنا بترجاك تسامحني وأنت بتمثل دور القرفان كان غلط؟”
في اللحظة دي، طلع ابنهم الكبير “أحمد” من الشقة، كان واقف بيسمع الحوار وعينيه مليانة حيرة. بص لأبوه اللي كان دايماً قدوته في الشرف والأدب، وبص لأمه اللي كانت دايماً مطأطأة راسها.
سيد حاول يلم الموضوع بسرعة:
— “أحمد.. تعالى خد أمك دخلها جوه، دي اتجننت وبتقول كلام ملوش لزمة.”
لكن منى طلعت ورقة من الشنطة، كانت صورة من تقرير المعاش اللي قدرت تخطفها وهي خارجة من المستشفى، ورمتها في إيد ابنها وقالت له:
— “اقرأ يا أحمد.. اقرأ وشوف أبوك اللي كان بيحسسني إني مش بني آدمة عشان خنت تفكيري في يوم.. كان بيعمل كده ليه. أبوك كان عاجز من قبل ما الحكاية تبدأ، واستخدم غلطتي عشان يغطي على عيبه ويضمن إني أفضل تحت رجله لآخر العمر.”
أحمد بدأ يقرأ، وملامح وشه بتتغير من الصدمة للذهول. سيد حاول يشد الورقة منه، لكن أحمد زقه بإيده وهو مش مصدق. وبص لأبوه وقال بنبرة غريبة:
— “يعني كل اللي كنت بتقولهولنا عن كرامة الراجل، وعن إن الست لازم تدفع ثمن غلطها.. كان تمثيل؟ أنت كنت سايب أمي تموت قدامنا من القهر وأنت عارف إن العيب فيك أنت؟”
سيد انهار وقعد على السلم، مابقاش فيه قوة يدافع بيها عن كدبته اللي عاشت 18 سنة.
منى بصت لسيد نظرة أخيرة وقالت له:
— “أنا مش هفضحك يا سيد، مش عشان خاطرك، عشان خاطر العيال اللي مالهمش ذنب. أنا هروح بيت أبويا، والورقة دي هتفضل معايا.. مش عشان أذلك بيها، لكن عشان لو فكرت في يوم تبص لي بنظرة ‘القرف’ اللي كنت بتمثلها، أطلعها لك وأفكرك إننا كلنا في الآخر.. بني آدمين ناقصين.”
مشيت منى وسابت البيت، لكن وهي ماشية في الشارع، شافت “رامي” بالصدفة واقف على أول الشارع، كأنه القدر بيمتحنها تاني. رامي شافها بشنطتها، وقرب منها بابتسامته الصفراء وقال:
— “منى؟ مالك يا ست الستات؟ إيه الشنطة دي؟ قولتلك من زمان سيد ده مش وش نعمة.. تعالي معايا وأنا أعوضك.”
منى وقفت، وبصت لرامي، وبعدين بصت للسما.. وخدت قرار غير كل التوقعات.
**#الكاتب_رومانى_مكرم**