جوزى حكايات رومانى مكرم 2

خرجتُ من العمارة وأنا أحمل مريم على كتفي وأمسك يد أحمد، وكريم يركض خلفي في الشارع كالمجنون: “سارة! رايحة فين في وقت زي ده؟ سارة ردي عليا!”

لم ألتفت خلفي. استوقفتُ سيارة أجرة وطلبت من السائق التوجه إلى بيت والدي القديم، البيت الذي ورثته عنه في منطقة هادئة بعيداً عن صخب الزحام، والذي كنتُ قد أجرته لسنوات لأسرة رحلت منذ شهر واحد فقط.

وصلتُ هناك، وضعتُ العيال في الغرفة الوحيدة التي كانت تحوي بعض الأثاث البسيط. صمتٌ رهيب ساد المكان، لكنه كان صمتاً مريحاً. لأول مرة منذ شهور، لا أشم رائحة القرف في عيني كريم، ولا أسمع صوت أمي وهي تلومني على “إهمالي”.

فتحتُ حقيبتي، أخرجتُ هاتفي.. وجدتُ عشرات المكالمات من كريم ومن أمي. قمتُ بحظر رقم كريم فوراً، أما أمي.. فأرسلتُ لها رسالة واحدة:

> “يا ماما، اللي بيحب حد بجد بيسنده، مش بيعرّيه قدام اللي بيظلمه. أنا مش زعلانه منك، أنا مكسورة من اللي عملتيه.. ارتاحي، أنا والعيال بخير.”

>

قضيتُ ليلتي وأنا أفكر. هل سأستسلم؟ هل سأعود لكريم لمجرد أن “الخيانة كانت غلطة”؟ لا. الوجع لم يكن في الست الأخرى، الوجع كان في الوسيلة التي اختارها ليداري بها عيبه. اختار “أنوثتي” ليطعنني فيها.

في الصباح، فوجئتُ بجرس الباب يَرن. قلبي دقّ بسرعة.. هل هو كريم؟

فتحتُ الباب، لكنها لم تكن هو. كانت “هبة” صديقتي، ومعها محامٍ شاب.

قالت هبة وهي تضمّني: “أنا عارفة إنك هنا.. ده بيت أبوكي وملاذك الوحيد. سارة، كريم مش هيسكت، والست دي مش هتسيب حقها في الذهب والفلوس اللي دفعتهم.”

المحامي قال لي جملة جعلت الدماء تتجمد في عروقي: “يا مدام سارة، كريم مش بس كان بيتدفع لها فلوس.. كريم مضى لها على وصلات أمانة بمبالغ كبيرة جداً عشان تستر عليه، والوصلات دي دلوقت بقت في إيد شخص تاني خالص.”

سألتُ بذهول: “مين الشخص ده؟”

رد المحامي: “أخو الست دي.. وهو شخص سوابق، وبدأ يهدد كريم إنه يا إما يدفع مبالغ خيالية، يا إما هيسجنه.. كريم دلوقت مهدد بالسجن، وده السبب الحقيقي إنه راح اشتكى لوالدتك، كان عايزها تبيع نصيبها في البيت أو تديله فلوس بحجة إنه هيتجوز عليكي عشان ‘ينضف’ نفسه من الفضيحة اللي هو فيها.”

ضحكتُ بهستيريا.. يا للهول! كل تلك الدراما عن نضافتي الشخصية واستحمامي، كانت مجرد مقدمة لطلب “فلوس” من أمي لإنقاذه من السجن!

قلت للمحامي بصوت جامد: “يعني هو كان بيبيع كرامتي لأمي بالقطعة عشان يلم ثمن غلطته؟”

في تلك اللحظة، رنّ جرس الباب مرة أخرى، لكن المرة دي كان الخبط عنيفاً.. وصوت صراخ كريم من الخارج: “افتحي يا سارة! البيت محاصر! هما هيقتلونني لو ما دفعتش!”

نظرتُ من العين السحرية، ورأيتُ خلف كريم ثلاثة رجال وجوههم لا تبشر بالخير..

**يتبع…**

تراجعتُ عن الباب وأنا أشعر برعشة في أوصالي، ليس خوفاً على كريم، بل خوفاً على طفليّ اللذين استيقظا على صوت الخبط العنيف. كريم كان يصرخ في الخارج بكلمات غير مفهومة، والرجال خلفه يطالبونه بفتح الباب والدخول “للتفاهم”.

نظرتُ للمحامي وهبة، كان المحامي هادئاً بشكل غريب. قال لي بصوت منخفض: “ماتفتحيش يا مدام سارة.. أنا طلبت الشرطة من أول ما شفتهم في مراية العربية وأنا داخل.”

فجأة، سكت صوت كريم، وحلّ محله صوت اشتباك وعراك في الممر. لم أحتمل، نظرتُ من العين السحرية مرة أخرى.. رأيت كريم ملقى على الأرض وأحد الرجال يمسكه من قميصه ويقول له: “بقيت بتستخبى في بيت النسوان يا كريم؟ فين الوصلات؟ فين الفلوس اللي وعدت بيها؟”

فتحتُ الباب فجأة. صرخت هبة: “إنتي بتعملي إيه يا سارة؟”

وقفتُ على أعتاب الباب والقوة التي سكنتني ليلة أمس عادت تشتعل. قلت للرجل الذي يمسك بكريم: “سيبه.. سيبه وارحل من هنا قبل ما البوليس يوصل.”

ضحك الرجل بسخرية: “وإنتي مين يا ست الحسن؟ المدام اللي ريحتها قالبه الدنيا؟” ثم نظر لكريم وضحك: “بصراحة يا كريم، طلعت بتعرف تألف قصص.. دي زي الفل أهي، أومال كنت بتقول لأمها إنك قرفان منها ليه؟ عشان تدينا الفلوس من وراها؟”

نظرتُ لكريم، كان ينظر للأرض بخزي لا يوصف. في هذه اللحظة، ظهرت سيارة الشرطة في أول الشارع. ارتبك الرجال وفروا هاربين عبر السلم الجانبي قبل أن تصل القوات.

بقي كريم ملقى على الأرض، يحاول التقاط أنفاسه. تقدمتُ منه، لم أمد يدي لأساعده، بل وقفت فوق رأسه وقلت له: “سمعت بودني أهو.. كنت بتألف قصص عن نضافتي عشان تبتز أمي وتاخد فلوسها وتدفعها لتمن قذارتك؟”

بكى كريم كالأطفال: “كنت غرقان يا سارة.. الست دي وأخوها كانوا هيدمروا مستقبلي، كنت فاكر إن أمك معاها قرشين شايلهم للزمن، قلت أخليها تخاف عليكي وتدفعهم عشان أستر على نفسي وعليكي.”

قلت له بصوت يملؤه الاحتقار: “تستر على نفسك بإنك تفضحني؟ تستر على نفسك بإنك تخليني أعيش ٤ شهور فاكرة إني مش ست؟”

في تلك اللحظة، وصلت أمي. كانت تنهج بشدة، وجهها شاحب. نظرت لكريم الملقى على الأرض ثم نظرت لي. قالت وهي تبكي: “سامحيني يا بنتي.. أنا كنت فاكرة إني بحمي بيتك، هو قالي إن الفلوس دي عشان يفتح مشروع ويأمن مستقبلك ومستقبل العيال، وقالي إنه اشتكى مني عشان تروحي تقعدي عندي فترة لحد ما يخلص ‘المشروع’ ده.”

نظرت لأمي وقلت لها بمرارة: “المشروع كان خيانة يا أمي.. والفلوس كانت تمن سكوت.”

التفتُّ للمحامي وقلت له: “أنا عايزة أرفع قضية طلاق.. دلوقت حالاً.”

كريم انتفض من مكانه: “طلاق إيه يا سارة؟ والعيال؟ والديون اللي عليا؟ والوصلات؟”

قلت له ببرود قتل كل ما تبقى له من أمل: “الديون دي إنت اللي عملتها وإنت اللي تسدها.. أما العيال، فأنضف حاجة في حياتي هي إني هبعدهم عنك.”

وبينما كان المحامي يبدأ في تدوين البيانات، رن هاتف كريم الذي كان ملقى على الأرض.. كان رقم الست “إياها”. سحبتُ الهاتف، فتحت الخط، وقلت لها جملة واحدة: “الوصلات اللي معاكي.. بلّيها واشربي ميتها، لأن كريم دلوقت مابقاش حيلته مليم، ولا حتى بيت يلمّه.”

لكن الرد الذي جاءني من الطرف الآخر جعلني أتراجع خطوة للخلف.. الرد لم يكن تهديداً، بل كان حقيقة جديدة لم تكن في الحسبان.

**يتبع…**

## الجزء الثامن والأخير

ساد صمتٌ ثقيل في الردهة بينما كان رجال الشرطة يقتادون أخا تلك المرأة، الذي كان يصرخ بالوعيد والتهديد. وقف كريم محطمًا، ينظر إلى الوصلات التي في يد المحامي، ثم ينظر إليّ. كانت نظراته تتوسل غفرانًا لم يعد له مكان في قلبي.

وقعتُ أنا وكريم على الأوراق التي أعدها المحامي؛ تنازلٌ كامل عن الشقة، وإقرارٌ بحضانتي للأبناء، والتزامٌ بنفقة شهرية تضمن حياة كريمة لأحمد ومريم. في المقابل، تسلم كريم وصلات الأمانة التي كانت ستقلب حياته جحيمًا خلف القضبان.

قبل أن يخرج من باب البيت، التفت إليّ وقال بصوت مكسور: “هتقدري تسامحيني يا سارة؟ أنا عملت كل ده عشان أحافظ على بيتنا، حتى لو بطريقة غلط.”

نظرتُ إليه بهدوء، لم يعد هناك غضب، بل مجرد مسافة شاسعة وبرود يشبه الذي كان يعاملني به: “البيت اللي يتبني على كسر كرامة الست وذلها قدام أهلها عشان خاطر ‘ستر’ الراجل، مبيبقاش بيت يا كريم.. بيبقى سجن. إنت كنت خايف من سجن الحديد، بس إنت حبستني ٤ شهور في سجن الشك والقهر. روح يا كريم.. أنا مش محتاجة أسامحك، أنا محتاجة أنساك.”

خرج كريم، وأغلق الباب خلفه.. وشعرتُ كأن جبلًا انزاح عن صدري.

التفتُّ إلى أمي، كانت لا تزال جالسة تبكي بحرقة. اقتربتُ منها، جلستُ عند قدميها وأمسكتُ يدها. قالت وهي تشهق: “سامحيني يا بنتي.. أنا صدقته لما قالي إنك مهملة، وقلت في بالي لازم أقرص ودنك عشان الراجل ميبصش بره.. مكنتش أعرف إن ‘بره’ ده هو اللي سحبه.”

قلت لها برفق: “يا ماما، الست لما تتعب وتتبهدل مع عيالها، بتبقى محطة محتاجة راحة، مش محتاجة حد يهدمها. كان المفروض تسأليني: ‘تعبانة ليه؟’ مش تقول لي: ‘إنتي ريحتك وحشة’. الكلمة بتبني والكلمة بتهد.. وإنتي يا أمي، بكلامك ده، كنتي بتساعديه يهدني.”

ضمتني أمي إليها واعتذرت مرارًا، وفي تلك اللحظة، خرج أحمد ومريم وركضا نحو أحضاني.

**بعد مرور عام..**

أقف الآن أمام مرآتي، رائحة المسك تملأ الغرفة، وشعري مرتب، وهدومي نظيفة.. ليس لأنني أخشى “نظرة قرف” من أحد، بل لأنني أصبحتُ أحبُّ نفسي. افتتحتُ مشروعي الصغير من شقتي، وبدأتُ أعتمد على نفسي ماديًا، وأمي أصبحت هي السند الحقيقي الذي يساعدني في رعاية الصغار.

كريم يحاول التواصل من وقت لآخر لرؤية العيال، وأنا لا أمنعه، فهم ليس لهم ذنب، لكنه يظل بالنسبة لي ذكرى لدرسٍ قاسٍ تعلمتُ منه أنَّ النظافة الحقيقية هي نظافة القلب من الكذب، وأنَّ كرامة المرأة لا تُباع ولا تُشترى، حتى ولو كان الثمن “سترًا” كاذبًا.

دخلت مريم الغرفة وهي تضحك وتطلب “شوكولاتة”، حضنتها بقوة وأنا أبتسم.. لقد انتهت الحكاية، وبدأت حياتي أنا.

**تمت.**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *