خطيبي حكايات رومانى مكرم 3
## الجزء الثامن
وقفت قدام باب المخزن القديم وقلبي بيدق في رجلي مش في صدري. المكان كان ضلمة ومقطوع، وصوت الهوا وهو بيخبط في الصاج المصدي كان بيعمل مزيكا مرعبة. أخدت نفس عميق وفتحت الباب ببطء..
“سارة؟ أنا جيت.. اطلعي وورينا آخرتها معاكي إيه.”
فجأة، النور اشتغل.. نور ضعيف ومهزوز كأنه طالع من لمبة بتموت. لقيت سارة قاعدة على كرسي خشب في نص المكان، وماسكة في إيدها شنطة سودة صغيرة، والشر في عينيها كان أوضح من أي وقت فات.
ضحكت ببرود وقالت:
“جيتي يا عروسة؟ جيتي عشان تنقذي بطلك اللي ضحى بنفسه عشاني؟ كنت عارفة إنك هتيجي.. الحب بيخلي الناس غبية.”
قلت لها وأنا بقرب منها خطوة بخطوة:
“إنتي اللي غبية يا سارة.. بتدمري أخوكي اللي شال عنك الحمل؟ بتدمري الإنسان الوحيد اللي ستر عليكي؟ الوصلات دي لو اتقدمت، إنتي أول واحدة هتتسحبي على القسم لأنك صاحبة الدين الأصلي، وأحمد معاه ورق يثبت إن الفلوس دي دخلت حساب مشروعك إنتي!”
سارة وقفت فجأة وصرخت في وشي:
“مش مهم! المهم إنه ميبقاش ليكي! المهم إنه يفضل ملكي أنا وبس.. أحمد ده سندي، مش هسمح لواحدة زيك تاخده وتخرجه من البيت وتخليه ينسى أخته.”
في اللحظة دي، سمعت صوت حركة ورايا.. لفيت بسرعة لقيت شخص ضخم واقف وسادد الباب، وكان ماسك في إيده عصاية تقيلة. سارة قالت بضحكة انتصار:
“ده “سيد”، واحد من اللي ليهم فلوس عند أحمد.. أو بالأصح، واحد أنا اتفقت معاه يمثل الدور ده عشان ياخد الوصلات ويحبس أحمد، مقابل إنه ياخد مبلغ محترم من دهب أمي اللي أنا خدته قبل ما أمشي!”
اتصدمت.. سارة سرقت دهب أمها عشان تحبس أخوها! البنت دي فعلاً محتاجة تتعالج.
سيد بدأ يقرب مني وهو بيقول:
“هاتي الموبايل اللي في إيدك ده يا شاطرة، مش عايزين شوشرة لحد ما نخلص المصلحة.”
حاولت أرجع لورا وأنا بصوت عالي: “أحمد بره والمكان كله متراقب!”
لكن سارة قالت بلؤم: “أحمد لسه بيدور عليا في مدافن العيلة زي ما بعتله في الورقة.. إنتي هنا لوحدك.”
سيد مد إيده عشان يشد الشنطة مني، وفجأة.. الباب الصاج اتفتح بقوة رهيبة، ودخل منه أحمد ومعاه اتنين من عيال عمه!
الذهول شل سارة، وأحمد كان وشه ميطمنش.. عينه كانت بطلع شرار. بص لسارة وقال بصوت هادي ومرعب:
“كنتي فاكرة إن اللوكيشن اللي بعتيه لخطيبتي مش متراقب؟ أنا مأمن تليفونها ببرنامج تتبع من أول ما بدأتي ألاعيبك يا سارة.”
سيد أول ما شاف المنظر، رمى العصاية وجري من الباب الخلفي، وفضلت سارة لوحدها في المواجهة. أحمد قرب من الشنطة السودة اللي كانت في إيدها وشدها بقوة.. فتحها ولقى فيها الوصلات، ومعاها دهب أمه فعلاً.
أحمد بص للوصلات وقطعها مية حتة قدام عينيها، وقال وهو بيرمي الورق في وشها:
“الدين ده خلص يا سارة.. والوصلات اتقطعت. بس الرباط اللي بيني وبينك اتقطع هو كمان مع الورق ده.”
سارة وقعت على الأرض ونهارت في العياط: “أنا كنت خايفة تسبني يا أحمد.. أنا مليش غيرك.”
أحمد بص لها بقرف وقال: “إنتي اللي اخترتي تضيعي نفسك وتضيعيني معاكي.”
خدني من إيدي وخرجنا من المكان، وعيال عمه خدوا سارة عشان يرجعوها البيت. طول الطريق أحمد كان ساكت، وأنا كنت حاسة إن الحكاية لسه فيها فصل أخير ومؤلم..
أول ما وصلنا البيت، لقينا حماتي قاعدة في الصالة، ووشها كان باين عليه إنها عرفت كل حاجة.. بس المفاجأة إنها مكنتش بتعيط. كانت ماسكة شنطة هدوم سارة وحطاها قدام الباب، وقالت جملة واحدة خلت الكل يتجمد:
“أحمد.. جهز العربية، إحنا هنودي سارة المكان اللي كان لازم تروحه من زمان.”
**يتبع..**
**حكايات رومانى مكرم**
## الجزء التاسع
الكل وقف مذهول من ملامح حماتي اللي تحولت لجمود تام، كأن الحزن اللي جواها اتبخر وطلع مكانه جبروت أم اتكسرت من أقرب الناس ليها. سارة كانت واقفة ورا عمامها، بتترعش ومنهارة، مش قادرة تبص في عين أمها.
أحمد قرب من مامته وقال بصوت هادي:
“يا أمي، اهدي بس.. سارة غلطت وغلطها كبير، بس إحنا سترنا الموضوع والوصلات اتقطعت والدهب رجع.”
حماتي بصت له بنظرة حادة وقالت:
“الدهب والورق يتصلحوا يا أحمد.. لكن القلب اللي سكنه الغل والشر ده مبيتصلحش بكلمتين. أختك مش مريضة غيرة بس، أختك مريضة نفسياً ومحتاجة علاج بجد، ومحتاجة تبعد عننا وعن البيت ده لحد ما تعرف قيمة النعمة اللي كانت فيها.”
بصت لسارة وقالت بقسوة:
“إنتي هتروحي تقعدي في بيت عمتك في الأرياف.. هناك مفيش موبايلات، مفيش خروج، ومفيش حد يدلعك. وهتتابعي مع دكتور نفسي هناك، وده آخر كلام عندي. ولو فكرتي تهربي أو تعملي أي حركة تانية، أنا اللي هبلغ عنك بجد المرة دي يا سارة.”
سارة صرخت وقعدت على ركبها:
“يا ماما لا! عمتي هتموتني هناك، دي ست شديدة.. والنبي يا أحمد اتوسطلي، أنا تبت والله!”
أحمد غمض عينه بوجع، بس المرة دي مقدرش يتكلم.. هو نفسه كان تعب، وكرامته وكرامة خطيبته وأهلي كانت على المحك. سكت، وده كان أصعب رد ممكن سارة تتخيله من أخوها اللي كان بيفديها بروحه.
حماتي بصت لي أنا وأهلي وقالت بكسرة نفس:
“حقكم عليا يا جماعة.. أنا ربيت، بس الظاهر إن الدنيا غلبتني في سارة. بيتكم ومكانتكم فوق راسي، وبنتي “العروسة” هتفضل غالية ومكرمة.”
أبويا، رغم كل اللي حصل، طبطب على كتف أحمد وقال:
“إحنا شُفنا رجولتك يا ابني، وشُفنا إنك متمسك ببنتنا رغم كل الظروف. والشدائد هي اللي بتبين معادن الرجال.. وإحنا شاريينك.”
اليوم ده خلص وسارة سافرت فعلاً مع عمها تحت حراسة مشددة كأنها في مهمة رسمية. والبيت هدي، بس كان هدوء حزين.. هدوء بعد العاصفة اللي سابت وراها جروح محتاجة وقت عشان تلم.
بعد أسبوعين، بدأت الأمور ترجع لمجاريها. أحمد بدأ يجهز في الشقة بجدية أكتر، وحماتي كانت بتعاملني كأني بنتها اللي مخلفاها، وكأنها بتعوضني عن كل اللي شفته.
وفي يوم، وأنا قاعدة مع أحمد بنختار ألوان الدهانات، جاله تليفون..
وشه اتغير تماماً، وساب الكتالوج من إيده وقال بذهول:
“إنتي بتقولي إيه؟ إزاي ده حصل؟”
قفلت السكة وبص لي وهو مش عارف ينطق، قلت له بقلق:
“في إيه يا أحمد؟ سارة حصل لها حاجة؟”
أحمد رد وهو بيبلع ريقه بصعوبة:
“سارة هربت من بيت عمتي.. بس مش ده الموضوع.. المصيبة إنها هربت مع “سيد”، الشخص اللي كان عايز يحبسي بالوصلات! وعمتي بتقول إنها شافتهم وهما بياخدوا شنطة كبيرة كانت سارة مخبياها تحت السرير.. شنطة فيها أوراق تانية خالص غير اللي كانت معانا!”
وقفت من مكاني واللون هرب من وشي..
“أوراق إيه يا أحمد؟ إحنا مش قطعنا كل حاجة؟”
أحمد بص لي بخوف حقيقي وقال:
“الظاهر إن سارة كانت بتلعب علينا كلنا.. والوصلات اللي قطعناها كانت مجرد “صور” طبق الأصل، والوصلات الحقيقية لسه معاها.. ومع سيد!”
في اللحظة دي، جالي إشعار على الموبايل.. صورة مبعوتة من رقم سارة، فيها صورة لعقد “بيع” لبيتنا إحنا! البيت اللي أنا وأهلي عايشين فيه!
وتحتها رسالة:
“أنا مابخسرش يا [اسمك].. وبيتكم ده بقى ملكي أنا وسيد، وهتخرجوا منه بالهدوم اللي عليكم.”
**يتبع..**
**حكايات رومانى مكرم**
## الجزء الأخير
الرسالة نزلت عليا زي الصاعقة.. بيت أهلي؟ البيت اللي عشنا فيه طول عمرنا بقى ملك سارة وسيد؟ مكنتش فاهمة إزاي، لحد ما شفت صورة العقد بتركيز. سارة استغلت توكيل قديم جداً كان والدي عامله لأحمد في مصلحة قديمة تخص الأرض اللي البيت مبني عليها، وبطريقة ما، وبالتزوير ومساعدة سيد اللي طلع خبير في الأعمال المشبوهة، قدروا ينقلوا الملكية!
أحمد لما شاف العقد صرخ بصوت هز جدران الشقة: “دي مش بني آدمة، دي شيطانة!”
لكن المرة دي، الحزن والتردد انتهوا تماماً. أحمد بص لي وقال: “يا [اسمك]، اللي بيخاف من العفريت بيطلع له، وإحنا خفنا على سارة وسكتنا كتير لحد ما استقوت علينا. دلوقتي مفيش ستر.. دلوقتي فيه قانون.”
أحمد اتصل بمحامي العيلة، وراح قدم بلاغ رسمي بالتزوير والسرقة، وحكى كل اللي حصل من البداية للنهاية. في نفس الوقت، كانت سارة وسيد فاكرين إنهم انتصروا، وجم فعلاً قدام بيتنا ببلطجية عشان يخرجونا.
المنطقة كلها اتلمت، وأبويا وقف قدام الباب بوقار وثبات، وقال لسيد وسارة: “البيت ده بيت ربنا قبل ما يكون بيتي، والظلم ليلته قصيرة يا ولاد.”
سارة كانت واقفة بتضحك بجنون وتقول: “اخرجوا بالذوق بدل ما تخرجوا بالقوة، العقد أهو والتوقيع أهو!”
وفجأة، البوكس وصل، والمباحث نزلت في نص الشارع. سيد أول ما شاف الشرطة حاول يهرب، بس أحمد كان واقف له بالمرصاد هو وشباب المنطقة. اتقبض عليهم هما الاتنين بتهمة التزوير والنصب، والمفاجأة إن “سيد” أول ما اتضيق عليه في الكلام، اعترف على سارة بكل حاجة، وقال إنها هي اللي حرضته وهي اللي سرقت الأوراق الرسمية من مكتب أحمد.
حماتي وقفت قدام بنتها وهي بتركب العربة، وبصت لها بدموع ونظرة أخيرة وقالت: “يا خسارة تعبي فيكي يا سارة.. السجن هو المكان الوحيد اللي هيحمي الناس من شرك.”
بعد شهور من المحاكم، العقد المزور اتلغى، ورجع حقنا لينا. سارة خدت حكم بالسجن، وسيد خد جزاءه. أحمد أصر إن الجواز يتم في هدوء وبدون فرح صاخب، احتراماً للحزن اللي سكن قلب والدته، لكنه وعدني إن حياتنا اللي جاية كلها هتكون فرح.
يوم كتب الكتاب، وأنا بمضي على القسيمة، بصيت لأحمد وقلت له: “تفتكر كنا هنوصل لهنا لو كنا فضلنا ساكتين على غلط سارة من الأول؟”
رد عليا وهو بيبوس إيدي: “السكوت عن الحق هو اللي بيكبّر الظلم.. والحمد لله إننا فوقنا قبل ما نغرق كلنا.”
### **الحكمة من القصة**
1. **الحق لا يضيع وراءه مُطالب:** مهما بلغت قوة الظالم وتفننه في الخديعة، يظل الباطل هشاً وينهار أمام الحقيقة والقانون.
2. **مخاطر “الطبطبة” على الخطأ:** التستر على أخطاء المقربين بدافع “القرابة” أو “الستر” قد يؤدي إلى كوارث أكبر. المواجهة الحاسمة في البداية تحمي الجميع من عواقب وخيمة.
3. **الغيرة القاتلة:** الغيرة إذا تجاوزت حدودها تتحول إلى مرض نفسي يدمر صاحبه قبل أن يدمر الآخرين.
4. **اختيار الشريك:** المعدن الحقيقي للرجل يظهر في الأزمات؛ فأحمد لم يتخلَّ عن خطيبته رغم ضغوط أخته، ودافع عن الحق حتى النهاية.
5. **دعوة المظلوم:** “اتقِ دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب”، ففي اللحظة التي ظنت فيها سارة أنها ملكت كل شيء، خسرت حريتها وأهلها للأبد.
**تمت..**
**حكايات رومانى مكرم**
