منعتني حكايات رومانى مكرم 2
بعد ما خرجت من القاعة وأنا سانده إيدي في إيد أحمد، كان الجو ورايا مشحون بطريقة مش طبيعية. طارق العريس مكنش لسه فاق من صدمته، وبدأ يوجه كلامه لحماتي ولشيرين بنبرة عتاب شديدة:
— يعني الباشمهندسة ولاء تبقى من بقية عيلتكم وفي بيوتكم، ومحدش فيكم يعرفني؟! ده أنا لو كنت أعرف، كنت جيت لحد عندكم من زمان عشان أنال شرف معرفتها!
شيرين في اللحظة دي كانت حاسة إن كل العيون بتنهش فيها. نظرات المعازيم وقرايب طارق كانت مليانة همس وتلقيح كلام، والمظهر اللي عاشت طول عمرها تبنيه في ثانية واحدة اتهد فوق دماغها. حاولت تداري كسفتها وقربت من طارق وهي بتترعش وتقول بصوت مخنوق:
— يا طارق يا حبيبي.. إحنا بس مكنَّاش نعرف تفاصيل شغلها، وهي بطبعها هادية ومبتتكلمش.. يلا عشان البوفيه هيفتح والناس مستنية.
طارق بص لها ببرود وقال:
— مكنتوش تعرفوا؟ ولا أنتِ اللي كنتِ شيفاها بطريقة معينة؟ عموماً يا شيرين، الإنسان اللي مبيحترمش الناجحين واللي ليهم قيمة، بيبقى عنده مشكلة كبيرة في نظرة للأمور.
مرت ليلة الخطوبة تقيلة ومملة على شيرين، وتاني يوم الصبح، البيت اتقلب تماماً.
حماتي مكلفتش نفسها حتى تصبح على شيرين، وأول حاجة عملتها إنها لبست عبايتها ونزلت وجت لحد شقتي. خبطت ودخلت، وعينيها كانت مليانة كسوف وندم. قعدت جمبي على الكنبة ومسكت إيدي وقالت بصوت واطي:
— سامحيني يا بنتي.. أنا اتمشيت ورا كلام شيرين الغايب ومظاهرها الكدابة، وعمري ما كنت أتخيل إنك بالقامة دي وقافلة على نفسك وساكتة. أنتِ شرفتينا وقدام عيلة العريس كبرتِ من نظرنا كلنا.
رديت عليها بابتسامة صافية:
— يا ماما أنا عمري ما زعلت منك، أنتِ مقامك على راسي. أنا بس كنت بضايق من تقليل شيرين المستمر، والحمد لله إن الحقيقة ظهرت من غير ما أنا أقول ولا أتباهى بفلوسي.
وفي وسط الكلام، الباب خبط، ودخل أحمد ومعاه طارق وشيرين!
شيرين كانت داخلة وعلت وشها في الأرض، ملامح الكبر والغرور اتمحت تماماً وبقت زي العيلة الصغيرة اللي عملت مصيبة ومستنية العقاب. طارق دخل وسلم على أحمد وعليا بكل أدب، وقال:
— أنا أسف يا باشمهندسة إني جيت من غير ميعاد رسمي، بس شيرين كان لازم تيجي وتعتذر لك قدامنا كلنا على كل كلمة ضايقتك بيها، وده شرطي عشان الخطوبة دي تكمل.. لأن اللي ملوش خير في أهله وملوش كبر، ملوش خير في حد.
شيرين بلعت ريقها بصعوبة، وبصتلي والدموع في عينيها وقالت بصوت هادي لأول مرة في حياتي أسمعه منها:
— أنا أسفة يا ولاء.. أنا كنت غبية وعميتني المظاهر، وعرفت إنك أحسن مني بكتير.. سامحيني.
بصيت لها وقولت:
— المسامح كريم يا شيرين.. وأنا مسامحاكي عشان خاطر أحمد وماما، بس ياريت الدرس ده يفضل معاكي العمر كله: قيمتنا الحقيقية مش بفلوسنا ولا إحنا منين، قيمتنا بأصلنا وأسلوبنا مع الناس.
طارق ابتسم بارتياح وبص لأحمد وقال:
— كده النفوس صفت.. ودلوقتي بقى يا باشمهندسة، أنا جاهز بالورق ودراسة الجدوى عشان مشروع العمر، وأتمنى تقبلي الشراكة معايا!
طارق طلع الملفات من شنطته وبدأ يعرض عليا دراسة الجدوى والخرائط الهندسية للمشروع الجديد. قعدنا أنا وهو وأحمد على ترابيزة السفرة، وشيرين وحماتي كانوا قاعدين بعيد، باصين علينا بذهول، ومش مستوعبين إن “ولاء الفلاحية” هي اللي بتمضي وتمشي شروطها على مهندس كبير زي طارق.
أنا قريت الورق بتمعن، وبنظرة هندسية سريعة طلعت ثغرتين في التصميم كانوا ممكن يكلفوا المشروع ملايين. طارق بص للعديلات اللي عملتها وعينيه لمعت بإعجاب شديد وقال:
— الله ينور عليكي يا باشمهندسة! بجد دماغ ألماظ.. أنا كده اتأكدت إن الشراكة دي هتنجح نجاح ملوش مثيل.
اتفقنا على المبادئ الإنسانية قبل الشغل، ومضيت معاه مبدئياً على بروتوكول التعاون. طارق استأذن وخد شيرين ونزلوا، وطوال الوقت ده شيرين مكنتش قادرة تنطق بكلمة واحدة، كانت بتبصلي بنظرات ممزوجة بالخوف والاحترام المبالغ فيه، كأنها خايفة أقول كلمة لطارق أخليه يفسخ الخطوبة.
بعد ما مشيوا، حماتي قعدت معايا وقالتلي بنبرة كلها رجاء:
— يا بنتي، شيرين اتعلمت الأدب، والكسرة اللي اتكسرتها في القاعة وقدام خطيبها كفاية عليها.. ياريت متقسيش عليها وتساعديها تعدي الصالونات دي على خير.
هزيت راسي وقولتلها:
— متقلقيش يا ماما، أنا أصلي طيب وعمري ما هكون سبب في خراب بيت حد، وربنا يتمم لها على خير.
مرت الأيام، وبدأنا نجهز لفرش شقة شيرين. طارق كان متمسك إن مكتب “الولاء للديكور” هو اللي يشرف على تشطيب وفرش شقته مع شيرين بالكامل. وطبعاً، شيرين اللي كانت زمان بتقلل من ذوقي ومن لبسي، بقت واقفة زي التلميذة، مستنية إشارتي ورأيي في كل قطعة عفش وكل لون دهان. مبقتش تقدر تختار ستارة واحدة من غير ما تقولي: “إيه رأيك يا باشمهندسة؟ ذوقك طبعاً لا يعلى عليه”.
أنا كنت بتعامل معاها بكل هدوء ومهنية، مكنتش بكسر بخاطرها، بس في نفس الوقت كنت حاطة حدود صارمة تمنعها إنها تتخطى حدودها معايا تاني أو ترجع لطبعها القديم.
أحمد جوزي كان بيراقب كل ده وهو طاير من الفرحة، حاسس إن كرامته وكرامة مراته رجعت وفوقها بوسة. وفي ليلة، وأنا قاعدة براجع تصاميم شقة شيرين، أحمد دخل عليا وقعد جمبي ومسك إيدي وقال بنبرة مليانة حب وفخر:
— أنا مش عارف أشكرك إزاي يا ولاء.. صليتي العيلة كلها، ورفعتِ راسي، واديتِ أختي درس في الأخلاق والأصل عمرها ما هتنساه.. بس أنا عندي ليكي مفاجأة كبيرة بخصوص شيرين وطارق، مكنتش حابب أقولهالك غير لما تتأكد بنفسها بكرة في الفرح!
أحمد بصلي وابتسامته واصلة لقلبه وقال:
— طارق كلمني النهاردة الصبح، وطلب مني نغير عقد الشراكة القديم.. طارق قرر يتنازل عن 10% من نسبته في أرباح المشروع الجديد، ويكتبها باسمك أنتِ يا ولاء كهدية فرح منه، واعتذار رسمي من عيلته لشخصك ولقيمتك. وشيرين لما عرفت باللي طارق عمله، وافقت وهي فرحانة، لأنها عرفت إن رضاكي عنها هو اللي هينجح جوزها ويكبره في السوق!
ابتسمت بحب وبصيت لأحمد وقولتله:
— ربنا يخليك ليا يا أحمد، أنت السند اللي قويت بيه بعد ربنا، والفلوس والمشاريع بتروح وتيجي، بس الأهم إن النفوس صفت، وكل واحد عرف مقامه الحقيقي.
### ليلة العمر.. الدرس الأخير
وجاء يوم الفرح، القاعة كانت منورة والكل لابس ومتبهرج، بس المرة دي الوضع كان مختلف تماماً عن ليلة الخطوبة. أول ما دخلت الفرح مع أحمد، شيرين سابت الكوشة وطارق في إيدها، ونزلت وفستانها الأبيض يجر وراها لحد ما وصلت عندي.
قدام المعازيم كلهم، شيرين حطت إيدها في إيدي وبستني على راسي وقالت بصوت مسموع:
— نورتي فرحك يا باشمهندسة.. نورتي بيتك ومكانك. سامحيني يا أختي على كل يوم ضايقتك فيه.
حماتي كانت واقفة وعينيها مليانة دموع الفرحة والرضا، وطارق انحنى باحترام وهو بيقول: “منورة يا سيادة الباشمهندسة”. في اللحظة دي، أنا محستش بالانتصار عشان الفلوس ولا عشان المظاهر، أنا حسيت بالانتصار لأن الأصول والتربية اللي اتربيت عليها في الأرياف هي اللي كسبت في النهاية.
قعدت في الفرح وأنا مرفوعة الراس، مش بالذهب ولا بالألماظ، ولكن بأدبي، وعلمي، وشقايا اللي عملت بيه اسم يهز السوق.
### الحكمة من الحكاية
> **الذهب بيقاس بالعيار.. والبني آدم بيقاس بالأصل والعمل.**
> المظاهر والفلوس والنسب ممكن يتغيروا في ثانية، والزمن دوار مبيثبتش على حال. اللي تفتكره النهاردة ضعيف ومكسور عشان بسيط وهادي، بكرة الدنيا تلف وتلاقيه فوق وأنت اللي محتاج لرضاه.
> “بنت الأرياف” اللي كانت في نظرهم عيبة، طلعت هي السند والشرف والوجاهة الحقيقية للبيت كله. خليك ديماً زي الأرض الطيبة.. هادي وساكت، بس خيرك مغرق الكل، وعمرك ما تقلل من حد، لإن ربك هو اللي بيعز وبيذل، والأصل الطيب ديماً غلاب.
>
#الكاتب_رومانى_مكرم
