عشرين سنة، حكايات رومانى مكرم 2
لفيت المفتاح في القفل الحديدي، الباب عمل صوت تزييق عالي، وفتح ببطء..
طلعت من الورشة ريحة تراب وورق قديم مخلوطة بريحة شحم ناشف بقاله سنين. أول ما خطيت رجلي جوه، لقيت المكان واسع جدًا، أكبر بكتير من الورشة اللي شغال فيها في شبرا. المكن كله متغطي بمشمع أبيض كبير، وجوه في الآخر مكتب خشب عليه تراب تقيل.
التفتّ ورايا عشان أشوف مين اللي كان واقف، لقيت شاب صغير في العشرينات، لابس بنطلون جينز مقطع وتيشرت أسود، ملامحه غريبة ومش من المنطقة، وواقف ساند ضهره على العربية المركونة قدام الورشة وبيبتسم ابتسامة باردة.
قلتله بنبرة حادة وريقي ناشف:
— أنت مين؟ وعايز إيه؟
قرب مني خطوتين، حط إيده في جيبه وطلع سيجارة ولعها، ونفخ الدخان في الهوا وهو بيبص للمكان من جوه وقال:
— مبروك الورشة يا أسطى ممدوح.. بس الفرحة مش بتكمل.. الحج عبد الستار الله يرحمه سابلك الورق والفلوس.. بس نسي يسيبلك “السر” اللي بسببه هرب من المحلة وعاش عندك عشرين سنة عامل نفسه شحات.
دمي حِسيت إنه هرب من عروقي، قربت منه ومسكت قميصه بعصبية:
— سر إيه يا جدع أنت؟ انطق.. الحج عبد الستار كان راجل طيب ومالوش في المشاكل.
ضحك بسخرية وشال إيدي من عليه بهدوء:
— طيب؟ ماشي.. سيبك من طيبته دلوقتي.. الفلوس والـ١٢ مليون جنيه اللي في البنك دول مش مكسب شهادات يا أسطى.. الحج عبد الستار كان هربان، والفلوس دي وراها ناس لو عرفوا إنها ظهرت باسمك في البنك، مش هيسيبوا فيك حتة سليمة.. عماد إبن الحج ماكانش بيدور على ورث.. عماد عارف السر، وهو اللي باعتني ليك.
سابني ومشى خطوتين، وبعدين التفت وقال:
— قدامك ٢٤ ساعة.. تروح البنك تسحب الفلوس وتسلمها لعماد.. وإلا الـ١٢ مليون دول هيبقوا تمن كفنك أنت وعيالك وأميرة.. فكر كويس يا أسطى، العمر غالي.. ومش كل ورث بيجيب غنى.. ساعات بيجيب الموت.
رِكب ورا واحد صاحبه كان مستنيه على مكنة صيني، وطاروا في وسط زحمة شبرا.
وقفت في نص الورشة والترعشة ماسكة جسمي كله. بصيت للمكن المتغطي، وحسيت إن الحيطان بتضيق عليا.. دخلت جوه عند المكتب الخشب، وبدأت أدور في الدرج.. لقيت دفتر صغير متداري ورا علبة صاج قديمة.. فتحته..
كان خط الحج عبد الستار.. بس المرة دي ماكانش جواب طيبة وحنية.. كانت مذكرات مكتوبة بخوف.. وأول صفحة فيها كان مكتوب:
“الدم مش بيموت يا ممدوح.. والسر اللي هربت بيه زمان، هيفضل يطاردني لحد ما يلاقوني.. لو أنا مت.. خلي بالك من أميرة.. لأنهم مش هيسيبوها”.
قعدت على الكرسي والتراب ملى هدومي، التليفون في جيبي رن.. بصيت للشاشة لقيتها أميرة.. صوتها كان مرعوب وبتصرخ وبتعيط:
— الحقني يا ممدوح.. الحقني يا حبيبي.. العيال.. العيال مشلاقياهم!
#الكاتب_رومانى_مكرم
الدنيا لفت بيا، والتليفون بغبائه سقط من إيدي على أرض الورشة المتطربة.. صوت صريخ أميرة كان لسه بيرن في وداني وزي ما يكون خنجر غرز في نص قلبي.
لميت التليفون وجريت في الشارع زي المجنون، مكنتش شايف قدامي، ميكروباصات شبرا بتزمرلي وأنا بعدي الطريق من غير ما أبص، وفي دماغي فكرة واحدة.. عيالي! الاتنين اللي طلعت بيهم من الدنيا، يضيعوا مني أول ما أشوف الفلوس؟
وصلت البيت، لقيت باب الشقة مفتوح على آخره، وأميرة قاعدة في الصالة، ركابها مش شايلاها، وشعرها منكوش وبتلطم على وشها. أول ما شافتني جريت عليا ومسكت في هدومي:
— العيال يا ممدوح! نزلوا يشتروا فطار من أول الشارع ومارجعوش.. وتليفون أحمد مقفول.. عماد وإخواته هما اللي خدوهم يا ممدوح.. عماد كلمني وقال لي قولي لجوزك الميكانيكي يجهز الفلوس وإلا مش هتشوفوا ضفر عيل فيهم!
مسكتها من كتافها وهزيتها جامد عشان تفوق:
— امسكي نفسك يا أميرة! مفيش وقت للبكاء.. أبوكي ساب مصيبة.. أبوكي ماكانش هربان من ولاده بس، أبوكي كان هربان من دم!
طلعت الدفتر الصغير اللي لسه في جيبي، وفتحت الصفحات اللي بعد كدة وأنا إيدي بترتعش.. بدأت أقرا السطور المكتوبة بسرعة والخط المرتعش بيحكي كابوس:
“أخويا الكبير.. عم ممدوح وعماد.. اتق*تل من عشرين سنة في المحلة بسبب قطعة أرض.. والقاتل كان من عيلة كبيرة هناك.. أنا مابعتش الأرض.. أنا خدت دية أخويا سبعة مليون جنيه عشان أقفل الق*ضية وأهرب بأولادي.. عماد كان رافض الدية وكان عايز الدم، ولما هربت بالفلوس، حلف يفهمني إن الفلوس دي حقي وحق إخواته.. لكن الحقيقة إن عيلة القاتل في المحلة عرفوا طريقي، وعماد اتفق معاهم يسلمهم رقبتي ورقبة اللي يتشددلي مقابل الفلوس كلها.. أنا عشت عندك يا ممدوح عشان أستخبى في فقرك.. محدش هيدور على المليونير في بيت ميكانيكي غلبان في شبرا.. بس عماد عرف.. وعماد مش هيسيب الفلوس.. ولا هما هيسيبوا طارهم”.
قفلت الدفتر وأنا حاسس بصدمة شلت تفكيري.. الحج عبد الستار عاش عندي عشرين سنة مش بيختبرني.. ده كان بيحتمي فيا! كان واخدني أنا وعيالي درع حماية ضد ناس مابترحمِش!
وفجأة.. تليفوني رن تاني.. رقم غريب.
فتحت الخط ودموعي سبقت كلامي:
— ولادي فين يا ولاد الكلب؟
جالي صوت عماد، بس ماكانش لوحده.. كان فيه صوت دوشة وعربيات نقل تقيلة وراه، وصوت ضحكة خبيثة:
— ولادك في الحفظ والصون يا جوز أختي.. بس الأمانة لازم ترجع.. الساعة ٦ المغرب.. تكون في المحلة.. عند الساقية القديمة اللي في أول مدخل البلد.. معاك شيك مقبول الدفع بكل مليم في البنك، ومعاك عقود الورشة والتنازلات.. تيجي لوحدك.. لو لمحت ضل بوليس، أو فكرت تستهبل.. اقرأ الفاتحة على عيالك.. وقول لأميرة تروح تشتري كفن ليهم ولقطعة الأرض اللي أبوها خاننا عشانها.
الخط قفل..
بصيت في الساعة.. كانت واحدة الضهر.. قدامي خمس ساعات بس.. مشوار المحلة بالقطر أو العربية هياخد وقت، ولازم أروح البنك الأول..
بصيت لأميرة وقلت لها بنبرة مفيهاش تراجع:
— اقفلي الباب عليكي وماتفتحيش لمخلوق.. أنا رايح البنك.. وهجيب عيالي وأرجع.. يا إما مش هلمح الشمس تاني.
نزلت جري على البنك الأهلي اللي الحج عبد الستار كان شايل الفلوس فيه.. المحامي كان مسهلي الإجراءات وكاتب كل حاجة باسمي وجاهزة للتوقيع.. دخلت لمدير الفرع وأنا كلي شحم وتراب وعرق، وشكلي زي المجانين..
قلتله بصوت مكتوم:
— عايز أعمل شيك مقبول الدفع بكل المبالغ اللي في الحساب ده.. وحالًا!
المدير بصلي باستغراب وبدأ يراجع الأوراق، وطلب إمضائي وبصمتي.. والوقت كان بيمر زي الس*كينة اللي بتقطع في رقبتي.. عقرب الساعات بيجري.. ٢.. ٣.. ٤.. وأنا لسه واقف مستني الشيك.
أخيرًا استلمت الشيك والعقود، وطلعت جري.. أخدت عربية مخصوص للمحلة.. طول الطريق وأنا ببص للشيك اللي في إيدي.. ١٢ مليون جنيه.. الورقة دي هي اللي هتحدد مين هيعيش ومين هيموت.
وصلت المحلة والدنيا بدأت تليل.. الجو كان ساقعة غريبة.. والشمس بتغيب وبتسيب وراها ضلمة كئيبة.. العربية نزلتني قبل الساقية القديمة بمسافة..
مشيت على رجلي في طريق ترابي وسط الغيطان.. السكوت كان مرعب.. مفيش غير صوت الساقية القديمة وهي بتلف وبتنز مياه بصوت حزين..
وفجأة.. ظهرت من وسط الضلمة كشافات عربية جيب كبيرة.. نورت في عيني وعمتني..
نزلت العربية.. ونزل منها عماد.. ومعاه تلات رجالة تانين، لابطين جلاليب وصعايدة بملامح تخوف، وفي إيديهم سلاح آلي..
عماد قرب مني ووشه كله غل، ومد إيده:
— الورق والشيك يا ممدوح.. وخلصني.
قلتله وأنا بنهج ونبضات قلبي واصلة لوداني:
— عيالي فين الأول؟ أشوف عيالي وأنت تاخد كل حاجة.
عماد شاور لواحد من الرجالة، الراجل فتح شنطة العربية الجيب.. وطلّع أحمد ومصطفى.. عيالي متكتفين وحاطين بلاستر على بوقهم.. وعيونهم مليانة رعب.
أول ما شوفتهم دموعي نزلت، طلعت الشيك والعقود من جيب الجاكيت:
— أهو.. الشيك والعقود والتنازلات.. سيب العيال.
عماد سحب الورق من إيدي بلهفة، وطلع كشاف صغير وبدأ يراجع الأرقام والأسماء.. وعينه بتلمع بالطمع.. التفت للرجالة اللي معاه وهز راسه: “الورق تمام والفلوس كاملة”.
التفتّ عشان أجري على عيالي أفكهم.. لكن لقيت واحد من الرجالة المسلحين قرب مني، ورفع السلاح في وشي.. وعماد واقف بيبصلي ببرود..
قلت بصوت مرعوب:
— أنت هتعمل إيه يا عماد؟ أنت خدت كل حاجة!
عماد ضحك بسخرية وقال:
— أنا خدت فلوسي.. بس الجماعة دول لسه ماخدوش طارهم.. وأبويا مات وفلت من إيديهم.. يبقا مين اللي يخلص الحساب؟ أنت وعيالك يا ممدوح.. الدم مابيتغسلش بالفلوس.
الراجل شد أجزاء السلاح وصوبه على دماغي.. وفي اللحظة دي..
#الكاتب_رومانى_مكرم