في جنازة بنتي2

نهض المحامي جاسم فورًا وأغلق حقيبته وهو ينظر إليّ بصرامة وأمل:

— أم مريم… الأدلة اكتملت، والآن لم تعد القض/ية مجرد تزوير أو حضانة… حيدر ينحدر بسرعة نحو حبل المشنقة. أريدكِ أن تأخذي مريم وتذهبي إلى بيتي، زوجتي بانتظاركم هناك والأمان تام.

أمسكتُ بيد مريم ووقفت بثبات. لم أعد أرى أمامي صورة حزن أو انكسار، بل رأيت وجه ابنتي زهراء وهي تبتسم لي من بعيد.

وقبل أن نغادر قاعة العزاء التي شهدت بداية السقوط، التفتُّ نحو المحامي وقلت:

— أستاذ جاسم… أريد أن أكون حاضرة في القاعة يوم يُنطق بالحكم… أريد أن يشاهدني حيدر وأنا أضع هذا المفتاح في صندوق ابنتي، وأسترجع حقها كاملاً أمام عينيه.

في اليوم المحدد لجلسة النطق بالحكم أمام محكمة الجنايات الكبرى في بغداد، كانت السماء رمادية وثقيلة، تتساقط منها قطرات مطر خفيفة تُعيد إلى الذهن تفاصيل تلك الليلة الشؤم. استيقظتُ في الصباح الباكر، أعددتُ لمريم فستانها الأبيض الصغير الذي كانت زهراء قد اشترته لها قبل وفاتها بأيام، ومشطتُ شعرها الذهبى بحنان. رفعت الصغيرة عينيها الصافيتين ونظرت إليّ وقالت:

— ستي… اليوم سيعود حق ماما كما وعدتِني؟

ابتسمتُ لها ابتسامة مدعومة باليقين، وضممتها إلى صدري وأنا أقول:

— نعم يا روح ستي… اليوم تُغلق الدفاتِر، وتنام أمكِ مرتاحة في مكانها.

عندما وصلنا إلى مبنى المحكمة، كانت قاعة الجلسات تغصّ بالمعزين السابقين، والأقارب، ووسائل الإعلام التي تابعت قضي/ة مق/تل المهندسة زهراء الساعدي بشغف واهتمام. اتخذتُ موقعي في الصف الأول، وجلستُ بثبات وأنا أحمل حقيبة يد حويتُ فيها صندوق أمانات ابنتي الذي فتحناه قبل أيام بحضور النيابة العامة. كان الصندوق يحوي ليس فقط الوثائق المالية المتبقية، بل دفتر مذكرات صغيراً كتبت فيه زهراء كل تفاصيل الأيام الأخيرة، مفندةً كل كذبة حاول حيدر غرسها.

فُتح الباب الجانبي للقاعة، ودخل الحراس يقتادون حيدر الجبوري وأمل الكرخي.

كان المشهد كفيلاً بأثر الحكمة العدلية؛ حيدر الذي كان يتأنق بالبدلات السوداء ويقف بصلف في العزاء متظاهراً بالقوة والسيطرة، كان اليوم يرتدي بدلة السجن البدائية، مطأطأ الرأس، ذابلاً، وشاحباً كالجثث، وقد غارت عيناه وانكسرت كبرياؤه. أما أمل، فقد كانت تبكي بحرقة وتفرك معصمها العاري الذي غاب عنه السوار الذهبي إلى الأبد بعد أن أُعيد إلى ملكية التركة وحضانة مريم. لم تنظر أمل إلى حيدر، ولم ينظر هو إليها؛ فالغدر الذي جمعهما في الباطل تفرق في أول موئل للعدالة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *