كيس حكايات رومانى مكرم 1
خرجت من منزل اهل جوزى وأنا مكسوره مفيش في إيدي حاجة خالص.. وفجاة حمـايا نادى عليا، قالى خدى كيس الزباله ده في إيدك وأنتي ماشية ارميه في طريقك”….
لكن لما فتحت الكيس عند البوابة.. إيدي بدأت تترعش من الصدمة….
أنا وحسن اتطلقنا بعد خمس سنين جواز… لا عيل ولا عيلة، ولا شقة باسمي، ولا حتى كلمة واحدة تطيب خاطري زي “خليكي” أو “ما تزعليش يا بختك”.
البيت اللي كنت بأحاول أعتبره بيتي وعيلتي، كان بيت عيلة كبير ومكركب في حارة من حارات السيدة زينب القديمة…
سيبت أهلي وناسي في الصعيد وجيت وراه عشان نبني حياتنا سوا ونفتح بيت، وفي الآخر؟ خرجت بشنطة إيدي الهدوم اللي عليا بس!
يوم ما خرجت من باب الشارع الحديد، شمس أغسطس كانت بتلسع وتكوي الإسفلت، كأنها بتكوي كل يوم حلو عشته في البيت ده. بس من جوايا؟ كنت حاسة بثلج ورعشة بين ضلوعي.
حماتي.. “الست هانم” زي ما كانت بتحب الكل يناديها، كانت واقفة في البلكونة ومربعة إيديها، بتبص لي بنظرة شماتة وتشفى.. نظرة واحدة أخيراً ارتاحت ونضّفت بيتها من حد مكانتش طيقاه ولا هاضماه من أول يوم دخلت فيه.
وجنبها بنتها، سلفتي “سمر”، بابتسامتها الصفراء المسمومة اللي ما بتفارقهاش وهي شايفاني مكسورة الخاطر.
زعقت بصوت عالٍ عشان تظرفني قلم أخير وتسمع الحارة كلها:
— “يا ريت تقفلي باب الشارع وراكي كويس.. كفاية عطلة لحد كدة، خلينا نشوف مصالحنا!”
أما حسن.. طليقي.. فما ظهرش خالص!
ما طلعش حتى يرمي عليا يمين السلام أو يقول كلمة وداع. يمكن كان مستخبي جوه الأوضة.. يمكن هرب عشان مالهوش عين يواجه.. بس بصراحة، ما بقتش تفرق، كل شيء انتهى خلاص.
ما حاربتش عشان آخد حق ولا باطل.. لا عملت خناقة، ولا طالبت بعفش ولا شَبكة، ولا حتى نزلت دمعة واحدة قدامهم.. كرامتي كانت أغلى عندي من أي قرش.
وطيت راسي بهدوء وقلت بصوت مخنوق:
— “أنا ماشية.. مع السلامة.”
محدش رد.. لفيت ضهري ومشيت ناحية البوابة، ولسه بحط إيدي على الترباس، سمعت صوت خشن وناشف بينادي من ورايا:
— “يا مريـم…!”
وقفت مكاني.. ده كان حماي، “عم الحاج إبراهيم”.
طول الخمس سنين، كان أكتر واحد ساكت وهادي في البيت ده. ما بيلقحش كلام، وقليل الكلام جداً.. أغلب وقته كان بيقضيه على الكرسي الخشب القش بتاعه في الحوش، يقرأ جرنان الأهرام ولا يسقي القصرية الزرع بتاعته، وكأن كل القسوة والافترا اللي بيحصل في البيت ده في كوكب تاني.
ساعات كنت بسأل نفسي: هو مش حاسس باللي بيجرى لي من مراته وبنته؟ ولا أنا مش فارقة معاه زي الغريبة؟
بصيت ورايا.. كان واقف جنب صندوق الزبالة ومسحوب في إيده كيس أسود كبير.. بص لي ثانية وقال ببطء وصوت واطي:
— “بما إنك خارجة ومارّة.. خدي الكيس ده في إيدك ارميه في باسكت الزبالة اللي على أول الحارة.. معلش هعطلك.”
استغربت جداً من الطلب.. في اللحظة دي بالذات؟
بس هزيت راسي بأدب كالعادة: “حاضر يا عمي.”
قربت وأخدته منه.. كان خفيف بشكل مش طبيعي، كأنه فاضي!
هز راسه لي هزة وداع أخيرة من غير ولا كلمة زيادة، ودخل وقفل الباب من سكات.
بوابة الحديد اتقفلت ورايا برزعة قوية هزت قلبي ورجت الحارة. كانت هي دي نقطة النهاية لخمس سنين من المحايلة والمناهتة عشان “أعيش وأحافظ على بيتي”.
مشيت في الشارع.. عديت على المحلات، على القهوة اللي في الوش، على صوت أم كلثوم طالع من راديو دكان عم محمد البقال.. الدنيا ماشية ومستمرة ولا فارق مع حد، والشخص الوحيد اللي خسر خمس سنين من عمره وشبابه هو “أنا”.
قلت لنفسي مش هبص ورايا ثاني.. مش هفكر في العيش والملح اللي اتهان.. ولا في القسوة اللي شفتها.
بس بعد كام خطوة على أول الشارع، قلبي انقبض.
حسيت بحاجة غريبة.. الكيس ده مش طبيعي خالص.
وقفت على جنب وبصيت له.. خفيف زيادة عن اللزوم وما فيهوش أي ريحة ولا تقل.
الهوا كان بيطير طرطوفة طرقتي، والشارع كان هادي.. وفجأة، ومن غير ما أفكر، فتحت العقدة بتاعة الكيس.
اتسمرت مكاني والرصف لف بيا!
مفيش زبالة.. مفيش زبالة بيوت ولا أكل ولا ورق قديم!
كان فيه “ظرف بني كبير”، قديم ومتبهدل، ومغلف بشنطة بلاستيك شفافة مربوطة بعناية عشان تحميه من المية أو التراب.
إيدي بدأت تترعش وأنا بسحبه.. ودقات قلبي بقت طالعة في وداني زي الطبل!
#الكاتب_رومانى_مكرم_
فتحت البلاستيك.. وبعدين فتحت الظرف البني..
وأول ما عيني وقعت على الورق اللي جواه.. الدنيا كلها دارت بيا وأغمى عليا من المفاجأة!
الراجل الطيب الساكت اللي كنت فاكرة إنه مغلوب على أمره وضعيف طول السنين دي، سلمني “القنبلة” اللي هتهد البيت ده فوق دماغ حسن وأمه وسمر sister-in-law!
أفقتُ في عيادة صغيرة على أول شارع السد.. كانت رائحة المطهر النفاذة تملأ المكان، وطبيبة شابة تقف فوق رأسي وبيدها زجاجة نشادر. أول شيء تفقدته مجرد أن استرددتُ وعيي هو يديا.. كان الظرف البني ما زال ملقى بجانبي على السرير، تشد عليه أصابعي برعشة لم تفارقني.
استأذنتُ من الطبيبة وخرجتُ أجرّ قدمي جراً، لكن هوان العودة لم يعد كدمار الخروج. لم أكن أصدق ما قرأته بعيني قبل أن أغيب عن الوعي. الورق الذي تسلمته من “عم الحاج إبراهيم” داخل كيس الزبالة لم يكن مجرد أوراق قديمة.. كان “حكم الإعدام” النهائي على مملكة الظلم والتجبر التي بنيت في ذلك البيت.
كانت الأوراق عبارة عن عقود بيع وشراء رسمية، مضافة إليها عقود تنازل موثقة في الشهر العقاري وبصمة ونشيد حاسم: بيت العيلة الكبير.. العمارة ذات الطوابق الأربعة بكل محلاتها ومنافعها في قلب السيدة زينب، البيت الذي طالما تباهت به “الست هانم” حماتي، واعتبرته ورثاً محجوزاً لابنها “حسن” وابنتها “سمر” ليحكموا به الحارة.. لم يكن ملكاً لحسن، ولا ملكاً لحماتي أساساً!
البيت بأكمله، ومحل العطارة الكبير بالأسفل، وأرض أُخرى في ضواحي الجيزة، ثبت وفق العقود الموثقة أنها ملكٌ خالص لـ “إبراهيم إبراهيم الدسوقي” وحده، أشتراها بعرقه وجهده الخاص قبل أن يتزوج حماتي عقوداً طويلة، وكان يكتبها ويكتم أمورها، وفوق كل ذلك.. كان هناك “عقد بيع نهائي وشامل” صادراً بتاريخ الأسبوع الماضي فقط، يتنازل فيه عم الحاج إبراهيم عن نصف البيت ونصف المحل لي أنا.. “مريم عبد الرؤوف”!
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد.. بل كان داخل الظرف ورقة كشكول مصفّرة، مكتوبة بخط يده الرقعة الثقيل والمشهور به، ورقة وجهها لي خصيصاً ليجيب عن كل الأسئلة التي كانت تحرق صدري طوال خمس سنوات:
> *”ابنتي العزيزة مريم..*
> *إذا كنتِ تقرئين هذه السطور الآن، فهذا يعني أنكِ خرجتِ من الباب الكبير مظلومة ومكسورة الخاطر كما توقعتُ تماماً. أعلم أنكِ طوال سنوات جلوسكِ معنا كنتِ ترينني رجلاً ضعيفاً، صامتاً، أهرب من المشاكل بقراءة الجرائد وسقي زرع الحوش، بينما زوجتي وابنتي وابني يذيقونكِ المُرّ ألواناً.*
> *يا ابنتي.. الصمت لم يكن يوماً ضعفاً، بل كان انتظاراً للحظة الحق. أنا رجل قادني حسني ظني وزواجي المتأخر من أم حسن إلى أن أرى طمعها بعيني، ورأيت كيف ربّت ابنها على الاتكالية والغدر، وكيف غرسا في سمر الجشع والمكر. حاربتُ كثيراً لأصلح حسن، لكنه كان يزداد انسياقاً وراء أمه، وحين دخلتِ أنتِ بيتنا بأصلكِ الطيب وأخلاق الصعيد التي لا تهون، عرفتُ أنكِ النبتة الصالحة الوحيدة في هذا الركام.*
> *شهدتُ بعيني كيف كنتِ تخدمينهم بقلب صافٍ، وكيف تحملتِ الإهانة والتعيير بأنكِ بلا ظهر ولا سند لمجرد أن أهلكِ بعيدون عن القاهرة. شهدتُ تنازلكِ عن حقوقكِ، وصبركِ على عقم ابن طالح لم يصنكِ.*
> *حسن لا يستحقكِ، وأمه لا تستحق هذا البيت. كنتُ أعلم أنهم يخططون لطردكِ بمجرد أن يضمنوا أوراق البيت التي يظنون أنني فقدتها أو نسيتُ مكانها. لذلك تركتهم يلعبون لعبتهم القذرة حتى النهاية، تركتهم يظنون أنهم انتصروا وطردوكِ بالهدوم التي عليكِ.*
> *هذه العقود التي بين يديكِ هي حقكِ الشرعي والقانوني. أنا سجلتُ نصف البيت والمحلات باسمكِ بعقد بيع وشراء لا يطعن فيه إنس ولا جان، ومثبت فيه أنكِ دفعتِ ثمنه من مالكِ الخاص (مقابل سنوات خدمتكِ وعنائكِ وحقكِ المغصوب). والأهم من ذلك.. ستجدين مع العقود إعلاموراثة قديم وتنازلات إخوتي، وصوراً من توكيلات رسمية تتيح لكِ التصرف والبيع والإيجار بدءاً من هذه اللحظة.*
> *اذهبي الآن يا مريم إلى المحامي الأستاذ/ رفعت القاضي (عنوانه مدون خلف الورقة).. هو يعلم كل شيء وينتظركِ. ارجعي يا ابنتي ولكن ليس كزوجة مكسورة.. ارجعي بصفتكِ المالك الحقيقي والأصيل لهذه العمارة.*
> *افعلي ما يمليه عليكِ عدل الله، ولا تأخذكِ بهم رحمة، فالظالم لا يتعلم إلا حين يداس كبرياؤه تحت أقدام من ظلمهم.*
> *والدكِ المخلص.. إبراهيم.”*
>
جلستُ على كرسي في الشارع، وأنا أقرأ الرسالة مرة ومرتين وثلاثاً. الدموع التي حبستُها طوال خمس سنوات تفجرت أخيراً، ولكنها لم تكن دموع حزن أو كسرة.. كانت دموع ذهول وقوة تسري في جسدي كالنار!
الرجل الذي ظنوا جميعاً أنه “بركة البيت” العاجز الذي لا يه Need شيئاً ولا يفهم ما يدور حوله، كان ينسج شباكه بهدوء قاتل. كان يراقب كل إهانة، كل نظرة تشفٍّ من حماتي، كل ابتسامة مسمومة من “سمر”، وكل هروب وجبن من “حسن”.. وكان يسجل كل ذلك في دفتر حسابه، حتى حانت لحظة السداد!
لم أضيع ثانية واحدة. اتجهتُ مباشرة إلى عنوان المحامي الأستاذ “رفعت القاضي” في حي السيدة زينب. كان الرجل في انتظار بالفعل، واستقبلني بترحاب شديد وكأنه يعرفني منذ سنوات.
قال لي الأستاذ رفعت وهو يضع أمامي ملفاً ضخماً:
— “أهلاً يا ست مريم.. عم الحاج إبراهيم جاءني منذ شهر كامل، وأنهى كل الإجراءات بنفسه. العقود موثقة ومسجلة في السجل العقاري، والتنازلات نافذة بقوة القانون. أنتِ الآن تصبحين الشريكة بالنصف في العقار، وبما أن عم الحاج إبراهيم منحكِ توكيلاً بإدارة النصف الخاص به أيضاً.. فهذا يعني قانونياً وعملياً أنكِ صاحبة القول والقرار المطلق في هذه العمارة بالكامل!”
سألته ونبرة صوتي بدأت تتغير من الضعف إلى الثبات:
— “وما هي الخطوة التالية يا أستاذ رفعت؟”
ابتسم المحامي ابتسامة معبرة وقال:
— “الخطوة التالية هي تطبيق القانون فوراً. عمكِ الحاج إبراهيم اشترط في العقود أن يتم إنذار الشاغلين (حسن وأمه) بإخلائهم للشقة التي يقيمون فيها إذا لم يدفعوا إيجاراً قيمته بالسعر السوقي الحالي بصفتهما غير مالكين، أو يتم إنذارهم بإنهاء الاستضافة! بالإضافة إلى توقيع محضر رسمي بتمكينكِ من المحل التجاري بالأسفل لتسلم مفاتيحه.. هل أنتِ جاهزة لتردي الصاع صاعين؟”
وقفتُ من على الكرسي، وعدلتُ طرحتي، ونظرتُ إلى نفسي في المرآة الموضوعة بمكتب المحامي.. لم أعد مريم الصعيدية الضعيفة التي تلملم خيبتها وتغادر في شمس أغسطس المحرقة. لقد ولت تلك المرأة إلى غير رجعة.
قلتُ بصوت قاطع وثابت:
— “جاهزة يا أستاذ رفعت.. نزل المحضر ونزل محضر الشرطة، وعايزة قرار التمكين يتبلغ لهم في قلب البيت وعلى عينك يا تاجر قدام الحارة كلها!”
في تمام الساعة الخامسة عصراً.. وفي الوقت الذي كانت فيه “الست هانم” حماتي تجلس في بلكونتها وتشرب الشاي بنعناع وتتبادل الضحكات مع ابنتها سمر احتفالاً بالتخلص مني، وحسن يخرج متسللاً من أوضته يظن أن الجو قد خلا له..
سمعت الحارة كلها صوت المحضر وهو يطرق باب العمارة الحديدي بقوة زلزلت الأرجاء، ومعه محضر شرطة واثنان من أمناء الشرطة، ومعهم الأستاذ رفعت المحامي.. وأنا أقف في مقدمتهم بجلبابي الأسود ورأسي مرفوع لأعلى نقطة في السماء.
خرجت حماتي تتطلع من البلكونة بذهول، وخرج حسن مرعوباً يركض على السلالم، لتفتح سمر الباب وهي تصيح:
— “خير يا حضرة الضابط؟ في إيه؟ مين دول؟”
تقدم الأستاذ رفعت ونادى بصوت جهوري هز أركان الحارة التي تجمع أهلها على الفور لي شاهدوا الفصل الأخير:
— “نحن هنا لتسليم إعلان رسمي وإشعار إخلاء وتمكين للست مريم عبد الرؤوف.. المالك الحقيقي والشرعي لنصف العمارة والمحلات، والوكيل الرسمي والمطلق عن الحاج إبراهيم الدسوقي المالك للنصف الآخر!”
سقطت كوباية الشاي من يد حماتي في البلكونة ل تتناثر على الإسفلت، ووقف حسن مبهوتاً يتنقل بنظراته بيني وبين أوراق المحكمة الملوحة في يد الضابط، بينما صرخت سمر بصوت هستيري:
— “عمارة إيه وملك مين؟! البيت ده بيت أبونا وورثنا! أنتِ أختي بتخرفي ولا جايبة ورق مزور؟!”
اقتربتُ منها بخطوات بطيئة واثقة، ووقفتُ على أعتاب الباب الذي طردتُ منه منذ ساعات فقط.. نظرتُ في عينيها بثبات وقسوة لم يعهدوها مني قط، وقلتُ بصوت سمعته الحارة بأكملها:
— “الورق مش مزور يا سمر.. أبوي وأبوكم الحاج إبراهيم هو اللي سلمني حق الخمس سنين دول بنفسه.. في كيس الزبالة اللي أمه رمتني بيه! ودلوقتي.. البيت ده بيتي، والمحل محلي.. واللي مش عاجبه، يتفضل يلم هدومه في كيس زبالة ويطلع بره بابه!”