ماما حكايات رومانى مكرم 3
بعد ما قفلت السكة في وش إبراهيم، اتنفست براحة عمري ما حسيت بيها قبل كده. البلوك ده ما كانش مجرد حركة في التليفون، ده كان خط أحمر بيني وبين الماضي الأسود اللي عشته.
مرت شهرين على يوم الطلاق.. شهرين وأنا وأمي عايشين في هدوء ونظافة بال. أمي رجعت لضحكتها القديمة اللي كانت غايبة عنها، وأنا بدأت أفتح كتاب جديد في حياتي. أخدت كورسات في إدارة الأعمال والتسويق الإلكتروني، وبدأت أساعد أمي في إدارة ورثها والأراضي اللي أخدتها عن جدي، وحسيت إن الشغف والحيوية رجعوا لروحي من جديد.
في يوم من الأيام، وأنا قاعدة براجع أوراق ومستندات تخص قطعة أرض ملك لأمي، التليفون رن برقم غريب مش متسجل عندي.
رديت بهدوء:
– ألو.. مين معايا؟
جالي صوت راجل وقور ورزين، النبرة فيها احترام وهيبة، وقال:
– السلام عليكم.. الآنسة نور معايا؟
– أيوة أنا.. خير يا فندم؟
– أنا المهندس طارق، مستأجر قطعة الأرض التجارية الخاصة بالحاجة والدتك. أنا اتصلت أبلغكم إن عقود الإيجار السنوية جاهزة للتجديد، وكنت حابب أستأذنكم في ميعاد أقابل فيه والدتك أو حضرتِك علشان أسلّمكم مستحقاتكم ونوقع العقود الجديدة.
كلمت أمي، واتفقنا إن الميعاد يكون في مكتبي الصغير اللي أنشأته قريب لإدارة شغلي.
وفي الميعاد المحدد، خبط الباب ودخل المهندس طارق. كان راجل في أواخر الثلاثينات، ملامحه هادية، ويتكلم بأدب شديد ويرفع عينه عني بمهابة. قعد معنا ساعتين، اتكلم في الشغل بكل أمانة ووضوح، وأمي كانت مبسوطة جداً من أسلوبه وطريقته المحترمة.
قبل ما يمشي، طارق بص لأمي وقال بصدق:
– يا أمي.. أنا بقى لي سنتين بتعامل مع أوراق الأرض دي، وعارف أد إيه أنتم ناس طيبين وأصحاب فضل، وكنت أسمع عن اللي حصل مع نور من المعارف.. وربنا شاهد إن بنت الأصول اللي تصون أمها وتتحدى الظلم ما تترفضش ابداً، بل تشتريها بالغالى.
أمي ابتسمت له، وأنا وشي احمرّ وسكتت.
مرت الأيام، وتكررت الاتصالات بين طارق وبيننا بخصوص الشغل، وفي كل مرة كان بيثبت إنه راجل بكل ما تحمله الكلمة من معنى، راجل يعرف يعني إيه أصول، ويعني إيه قدر الست، ويعني إيه بر الوالدين.
وبعد أربع شهور، طارق طلب يقابل أمي لوحدها.. وقدم لها طلبه بكل صراحة:
– يا أمي.. أنا طالب إيد نور على سنة الله ورسوله. أنا مطلق من ثلاث سنين ومعنديش ولاد، ومستعد أعمل كل اللي يرضيها ويرضيكي، ونور مش هتكون مجرد زوجة، دي هتكون شريكة عمري وتاج راسي، وأنتِ هتكوني في مقام أمي بالظبط، بيتي مفتوح لكِ في أي وقت وفي أي ثانية.
أمي لما حكت لي، دموعها نزلت من الفرحة وقالت لي:
– يا نور يا بنتي.. ربنا مش بيبتلي البني آدم إلا علشان يعوضه. طارق راجل يشيلك في عينيه، ورؤيته لبرك بيا هي اللي خلت قيمتك تزيد عنده.
وفي الناحية الثانية، كان إبراهيم وعيلته عايشين في جحيم!
بعد ما دفع كل حقوقي الشرعية والقائمة بالقانون، حالته المادية اتدهورت جداً. أمه طردت كل سلفاتي من الخدمة، فالبيت اتحول لساحة حرب يومية، وإبراهيم اكتشف إن أمه اللي كانت بتسخنه عليا دمرت حياته وهدت بيته عشان غيرتها الفاضية. بقى يمشي في الشارع مكسور ومطأطأ الراس، والناس كلها بتبص له بنظرة الراجل اللي ضيع مراته وباعها عشان كلام أمه.
وفي ليلة خطوبتي على طارق، عملنا حتة حفلة صغيرة في البيت، الشقة كانت منورة بالأنوار وريحة الورد مليانة المكان، وأمي طايرة من الفرحة وبتوزع شربات على الجيران.
وفي وسط الفرحة دي كلها، التليفون رن برقم غريب.. أمي فتحت السبيكر وهي فاكرة حد بيبارك، لكن الصدمة لما جيلنا صوت إبراهيم وهو بيبكي بمنتهى الحرقة والصوت المكسور:
– الحقيني يا أم نور.. أنا بره تحت العمارة.. شفت الأنوار وشفت الناس.. ارجوكم ما تعملوش فيا كده! أنا بضيع من بعدك يا نور!
طارق كان قاعد جنبنا وسامع كل حاجة.. وقام وقف بثبات وبص لأمي وليه!
#الكاتب_رومانى_مكرم_
طارق قام وقف بثبات، وبص لـ أمي وليه بقمة النضج والعقل. أخد التليفون من إيد أمي بهدوء شديد، وحط المايك على ودنه وقال بصوت هادي، بس يوزن بلد ومفيش فيه نقطة خوف أو تردد:
– الأستاذ إبراهيم؟ أنا المهندس طارق.. خطيب نور. أتمنى تشيل إيدك من على الجرس، وتتحرك من تحت العمارة بالمعروف وبأدب، لأن الست اللي تحت عمارة بيتها دي بقت في حمايتي وحماية ربنا قبل أي حاجة.. ونور قفلت كتابك من زمان، ورزقك مع غيرها، فبلاش تصغّر نفسك أكتر من كده قدام الناس والشارع.
إبراهيم سكت على الناحية التانية لثواني، الصدمة كانت كفيلة تلجم لسانه.. صوت راجل تاني، راجل حقيقي بيحميني وبيقف وقفة فرسان، صوت كان كفيل يخليه يستوعب إن “نور” خلاص خرجت من دنيته للعيشة اللي تستاهل قدرها. سمعنا صوت أنفاسه المكسورة، وقفل السكة ومن غير ما ينطق بحرف، ولمحته من ورا الستارة وهو بيمشي في الشارع يجر أذيال الخيبة والندم، وشه للحيطة وجسمه مكسور.
طارق بص لـ أمي وابتسم ابتسامة حنية وقال لها:
– يا أمي.. افرحي ببنتك، وما تخليش أي حاجة في الدنيا تعكر صفو الليلة دي.. نور دي في عيني، وبيتكم ده هو بيتي الثاني.
أمي دموع الفرحة نزلت من عينيها، وحضنت طارق وقالت له:
– ربنا يسعدك ويجبر بخاطرك زي ما جبرت خاطرنا وصنت كرامة بنتي.. أنت الراجل اللي كنت بدعي ربنا بيه لنور في كل سجدة.
مرت الأيام والشهور زي السحاب، وبدأنا نجهز لبيت الزوجية الجديد. طارق ما سابش حاجة إلا وعملها بأعلى وأحسن ذوق، وكان في كل خطوة يصر إن أمي تكون معانا، يشتري رأيها وياخد ذوقها في كل تفصيلة في الشقة، من أول لون الدهانات لحد أثاث الصالون والمطبخ. كان دايماً يقول لي: “أمك دي بركة حياتنا، والرأي اللي تقوله يمشي على راسي”.
وفي يوم كتب الكتاب والزفاف، كانت الليلة زي ألف ليلة وليلة. الشقة الجديدة كانت مليانة بذكر الله والبهجة، وأمي كانت لابس أبهى ثيابها، وشها منور بالفرحة والرضا. لما المأذون قال جملته الشهيرة: “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”، طارق مسك إيدي وباسها، وبعدها راح على أمي وباس إيدها وراسها قدام كل المعازيم وقال بصوت مسموع:
– أوعدك يا أمي أمام ربنا والحاضرين، إن نور هتفضل تاج راسي، وإنك هتدخلي بيتنا في أي وقت معززة مكرمة، وكأنك صاحبة البيت وأكتر!
أما في الناحية التانية، فبيت إبراهيم كان بيمر بأحلك أيام حياته.
الخبر لما وصل لـ حماتي إن نور اتجوزت راجل مهندس وأفضل من ابنها بمراحل، وأن أمها عايشة في عز وراحة، جرى لها هبوط حاد ونقلوها المستشفى من كثرة الغل والغيرة اللي أكلت قلبها. وإبراهيم بقى عايش في البيت زي الأشباح، لا بيطيق كلام أمه اللي خربت بيته، ولا طايق بيته المهجور اللي غابت عنه البركة واللقمة الطيبة. أدرك بعد فوات الأوان إن طاعة الأم مش معناها ظلم بنت الناس، وإن اللي يبيع أصل حنيته وزوجته عشان إرضاء غرور باطل، ربنا بياخد منه كل حاجة في لحظة.
عدّت سنة كاملة على جوازي من طارق.. سنة كانت كلها عوض وحب واحترام، حسيت فيها يعني إيه بيت قائم على المودة والرحمة، يعني إيه راجل يصون زوجته ويحترم أهلها. وأمي كانت بتجيلي وتزورني في أي وقت تحبه، وتقعد معانا بالأيام، وطارق يشيلها من على الأرض شيل.
وفي صباح يوم جميل، كنت قاعدة في الصالون ومسك إيد طارق وأمي قاعدة جنبنا وبتشرب القهوة، وكنت حاسة بأعراض متكررة بقالها كام يوم.. مسكت إيد أمي وإيد طارق وبصيت لهم بابتسامة مليانة دموع ورجاء، وقولت لهم المفاجأة اللي هتغير حياتنا كلها للمرة الثانية!
#الكاتب_رومانى_مكرم_
أمي بصت لي بلهفة، وطارق اتعدل في قعدته وعينيه مليانة تساؤل وقلق إيجابي، وقولت لهم بصوت يرتعش من الفرحة:
– أنا حامل.. الدكتورة أكدت لي الصبح، والبيت ده إن شاء الله هيتنور بطفل جديد بعد كام شهر!
في اللحظة دي، الصالون كله اتملى بالدموع والفرحة. طارق سجد لله شكر في مكانه، وقام حضن رأس أمي وباسها وهو بيقول لها: “البركة دي بفضل دعواتك يا أمي”، وأمي أخدتني في حضنها وقعدت تبكي وتدعيلنا من كل قلبها، وكأن ربنا أرد يكمل جلي العوض بأجمل هدية.
مرت الشهور، وكانت أمي معايا في كل خطوة، وطارق مش سايبني لحظة، لحد ما ربنا رزقنا بـ “ياسين”. ولد زي القمر، جايب معاه الفرحة والخير اللي غطى على كل سنين الوجع والظلم اللي شوفتها في حياتي.
أما إبراهيم.. فربنا أراد يورينا آياته في الدنيا قبل الآخرة. الشارع كله كان بيتكلم عن حاله، أمه جرى لها شلل نصفي من كتر الغل والحسرة، وقعدت في السرير لا بتتحرك ولا بتنطق، وبقت محتاجة اللي يخدمها ويشيلها. وإبراهيم بقى يلف على الدكاترة والمستشفيات، ويدفع كل جنيه حيله عشان يخدمها، ومرماد ومش لاقي اللي يمسح عرق وشّه، بعد ما طرد اليد الطاهرة اللي كانت بتدخل له بالخير وتهون عليه. بقى يشوفني وأنا طالعة مع طارق وابننا في عربيتنا، يوطي راسه في الأرض ويمشي محني الظهر، ندمان على اليوم اللي سمع فيه كلام أمه وضيع فيه بنت الأصول.
**الحكمة من القصة:**
* **بر الوالدين لا يعني ظلم الزوجة:** الطاعة للوالدين واجبة ورضاهم من رضا الله، لكن الطاعة لا تكون أبداً في ظلم البنات وفي قطع الأرحام خراب البيوت. الراجل الحقيقي هو اللي يعطي كل ذي حق حقه، يصون أمه ويحمي زوجته ويعدل بينهم.
* **بيت الأصول لا يُضام:** الست اللي بتصون أمها وتتقي الله في بيتها وتتحمل الظلم بكرامة، ربنا مش بيسيبها أبداً. الظلم ظلمات يوم القيامة، والجزاء دايماً من جنس العمل.
* **العوض قادم لا محالة:** لما ربنا يقفل في وشك باب ظالم، متزعلش.. هو بيجهز لك باب ثاني فيه عز واحترام وعوض ينسيك كل دمعة نزلت من عينك. اللي بيسيب حاجة لله وللكرامة، ربنا بيعوضه بأحسن منها ألف مرة.
#الكاتب_رومانى_مكرم_