حكايات بسمه 3

مرّت ثلاث سنوات أخرى على ذلك اليوم في المستشفى المركزي، ثلاث سنوات كفيلة بأن تطوي صفحات المأساة كليًا وتغلق الدفاتر القديمة بالشمع الأحمر. غادرت “السيدة وفاء” الحياة بعد ساعات قليلة من ذلك اللقاء، ورحلت ومعها كل آثام السنين والغل الذي أكل قلبها وجسدها. أمّا “محمود”، فقد أُضيف إلى عقوبته السابقة حكمٌ جديد بالتزوير والاستيلاء على أرض والده في الصعيد، ليقضي أحلك سنوات شبابه خلف أسوار السجن المشدد، معزولًا عن العالم الذي حاول أن يبنيه على جثث الآخرين.

وفي هذا الوقت، كانت حياتي أنا و”آدم” تسير في مجراها الطبيعي المترع بالنجاح والس\كينة. أصبحتُ الشريكة الرئيسية في إحدى أكبر شركات الاستشارات المالية في المنطقة، وتبدلت أحوالي تمامًا؛ لم أعد تلك المرأة التي تركض عشر ساعات يوميًا لتسدد ديون غيرها أو لتشتري رضا عائلة لا تشبع، بل أصبحت امرأة تصنع قرارها، وتستثمر في عقلها وفي مستقبلي ومستقبل طفلها.

كَبُر “آدم”، أتمّ عامه الثاني عشر. طفلٌ ينساب الذكاء من عينيه، ناضجٌ بأخلاق فرسان، رياضيٌّ يشار له بالبنان في بطولات السباحة. كان يعرف أن له أبًا في السجن، لكنه كان يفهم بفضل صراحتي المتزنة معه أن القرارات الخاطئة هي التي تقود أصحابها إلى الهلاك، وأن أمه خاضت حربًا ضارية لتصنع له هذا العش الآمن.

وفي صباح يوم من أيام الربيع الحافلة، تلقت مكتبي مكالمة من الأستاذ “عماد” المحامي:

— صباح الخير يا مدام سارة. عندي خبر أحب أبلغك بيه بخصوص “أحمد”.

توقفتُ عن تقليب الأوراق في يدي، وقلت بهدوء:

— خير يا أستاذ عماد؟ هل في جديد بخصوص القضايا؟

— أحمد أتمّ عقوبته بالكامل بعد تخفيض المدة لحسن السير والسلوك داخل السجن، وصدر قرار بالإفراج عنه صباح اليوم. هو حاليًا خرج للشارع… لكنه خرج بلا مأوى، بلا عمل، وبلا جنيه واحد في جيبه. الشقة اللي كانت باسم أمه اتباعت في المزاد للتعويضات، وأرض الصعيد أُعيدت للورثة بحكم المحكمة، وما يمتلكه هو حسابه في البنك الذي ت صفر تمامًا بعد سداد ديون التزوير والتعويضات المدنية.

ساد الصمت لثوانٍ. لم أهتز، ولم أشعر بأي خوف؛ فالمرأة التي واجهت البطش والتزوير وهي مكسورة الجناح، لا تخشى رجلًا خرج للتو من ظلمات السجن بقلب محطم وجسد متهالك.

قلتُ بنبرة حاسمة:

— هو أخذ عقوبة القانون، والآن بيواجه عقوبة الحياة. أنا عملت اللي عليّ وسلمت أوراق أرض الصعيد للمحكمة عشان أحمي نفسي من الشبهات وأديله حقه. الباقي مسؤوليته هو.

— صحيح يا مدام… بس أنا أوجبت إبلاغك عشان الإنذار بعدم التعرض ما زال ساريًا، ولو حاول يستقرب من بيتك أو من مدرست آدم، الشرطة هتتحرك فورًا.

— تمام يا أستاذ عماد. شكراً لك.

في مساء ذلك اليوم، خرجتُ من مقر شركتي في منطقة التجمع الخامس. كانت الشوارع متلألئة بالأنوار، والهواء عليلًا يحمل نسيم الفل. انطلقت بسيارتي الفارهة نحو نادي السباحة لأحضر تدريب “آدم” الأخير قبل البطولة الإقليمية.

أوقفتُ السيارة في الموقف المخصص، ومشيتُ بخطوات واثقة نحو مدرجات الحمام الأولمبي. كان “آدم” في الماء، يقطع المسافات بلياقة ورشاقة بطل حقيقي. جلستُ في الصف الأول، أتابعه بفخر وتألق، وأصفق له مع كل جولة ينهيها.

وبعد انتهاء التدريب، خرج “آدم” يرتدي ثيابه الرياضية، يحمل حقيبته الكبيرة، وابتسامته تملأ وجهه:

— ماما! الكابتن قال لي إن زماني في الـ 100 متر هو الأفضل في الفريق!

ضممته إليّ بقوة وقبلتُ رأسه:

— أنا فخورة بيك يا بطل! التعب والمواظبة دائمًا بيبان أثرهم. يلا بينا عشان نروح نتغدى.

خرجنا معًا من بوابات النادي. وبينما كنا نتجه نحو السيارة، شعرتُ بعينين تلاحقاننا من بعيد. التفتُّ ببطء دون أن أظهر أي توتر.

على مسافة أمتار، يقف رجلٌ بجانب شجرة كبيرة في الممر الخارجي للنادي.

كان رجلًا في أواخر الثلاثينيات، لكن ملامحه توحي بأنه تجاوز الخمسين. يرتدي ثيابًا بسيطة جدًا ومتهالكة، انحنى ظهره، وشاب شعره بالكامل. كفاه متورمتان من آثار سنين التخشيبة والحبس، وعيناه غائرتان تتأرجح فيهما دموع الحسرة والانكسار.

كان “أحمد”.

جمد في مكانه حين التقت أعيننا. لم يجرؤ على التقدم خطوة واحدة نحو السيارة؛ فقد كان يدرك أن الحارس الشخصي للنادي والشرطة على بعد مكالمة واحدة، ويدرك قبل ذلك أن القلعة التي بنيتُها بدمي وأمانتي أصبحت أرفع من أن تطالها يداه الملوثتان بالخيانة.

أحسّ “آدم” بتوقفي، فنظر نحو اتجاه نظري. رأى الرجل الواقف هناك.

تطلع فيه الصغير لثوانٍ معدودة. لم يرتجف، ولم يستخبَّ خلفي كما كان يفعل وهو طفل في السادسة. بفضل السنوات التي ربيته فيها على القوة والصراحة، نظر “آدم” إلى أبيه بعينين هادئتين، خالتين من الكراهية وخالتين من التعاطف المزيف؛ كان ينظر إليه كرجل غريب، كغريب يدفع ثمن خطأ أرتكبه بحق نفسه وأسرته.

قال “آدم” بصوت خفيض وهادئ:

— ماما… ده أحمد، صح؟

التفتُّ إلى ابني، وأمسكتُ بيده بثبات:

— أيوه يا آدم… ده أحمد.

— هو عايز يكلمني؟

قلتُ له بمنتهى التوازن والرقي:

— القرار لك يا آدم. أنت دلوقتي كبرت وبقيت تفهم. لو حابب تسلم عليه أو تسمعه، أنا واقفة جنبك. ولو مش حابب، نمشي.

نظر “آدم” نحو أبيه الذي كان يتابع حوارنا برجاء يمزق القلب، أيديه المرتعشتان تدعوان بالرحمة دون أن ينطق بكلمة.

ثم التفت “آدم” إليّ، وهز رأسه بهدوء:

— لأ يا ماما… أنا مش زعلان منه، ولا كارهه… بس أنا مش أعرفه. هو اختار طريقه من زمان لما سابنا وصدّق الكذب. الراجل اللي يبذل عمره عشان يهد بيته ويسمع لكلام يضر ابنه… ما يقدرش يكون أب. يلا نروح.

كانت كلمات الصغير كالصاعقة التي هبطت على مسامع “أحمد”، رغم أنه لم يسمعها بذاته، إلا أنه قرأ معنى القرار في حركة جسد الصغير وهو يستدير ويعطيني ظهره، متقدمًا بخطوات ثابتة نحو السيارة.

انحنى “أحمد” على ركبتيه في زاوية الشارع، وواضعًا يديه على وجهه، ينشج ببكاء مكتوم، مرير، بكاء رجل أدرك في هذه اللحظة بالذات أنه خسر كل شيء: خسر ماله، خسر كرامته، خسر شبابه، والأهم من ذلك كله… خسر الابن والزوجة اللذين كانا يسعان أن يجعلا منه ملكًا، فقط لو أنه اتقى الله وصان الأمانة.

فتحتُ باب السيارة لـ “آدم”، ثم وقفتُ لثوانٍ قبل أن أركب. نظرتُ نحو الرجل الجالس على الرصيف، وقلت في سري بقلب صافٍ خالٍ من أي ضغينة: *”اللهم إني استودعتك حياتي وابني، وعفوتُ في قلبي عن الأذى، ولكن الحقوق لا تُشترى ولا تُوهب لمن استهان بها”*.

ركبتُ سيارتي، وأدرتُ المحرك. انطلقت السيارة بسلاسة في شوارع القاهرة المضاءة، وتركنا الخلفيات المعتمة والظلال المحطمة تبتعد شيئًا فشيئًا في المرآة العاكسة.

نظر إليّ “آدم” من المقعد المجاور، وابتسم بصفاء:

— ماما… بكره لما أكسب الذهبية في البطولة، ههديها لكِ أنتِ بس… لأنك عملتي كل حاجة عشان نكون هنا.

مسكتُ يده الدافئة، وابتسمتُ بملء الفم، ونظرتُ إلى الطريق المفتوح أمامي:

— وأنا يا آدم… هفضل طول عمري حمايتك وسندك… والبيت ده هيفضل مفتوح للحق، ومقفول في وش أي طفيلي إلى الأبد.

خيم السكون على حديقة النادي، وساد صمتٌ أبلغُ من آلاف الخطب والمرافعات. كانت السيارة تبتعد بخطوات منتظمة في عرض الشارع، تبتعد عن الرجل المنحني على الرصيف، ذلك الرجل الذي ظن يومًا أن قوته في تسليم زمام أمره لأوهام البر الفاسد، فإذا به ينتهي وحيدًا، بلا بيت، ولا ولد، ولا ذكرة طيبة تشفع له في قلوب من ظلمهم.

مرت أسابيع قليلة على ذلك اللقاء العابر أمام النادي الأولمبي. لم يحاول “أحمد” الظهور مرة أخرى؛ فقد كانت كلمات ابن الصغير والنظرة الهادئة في عينيه كفيلة بإطفاء آخر جمرة أمل كاذبة في نفسه. علم أن الطريق الذي قطعه بملء إرادته لا رجعة فيه، وأن البيوت التي تُهدم بالغدر والتزوير لا تُبنى بالندم المتأخر.

في صباح يوم سبت مُشرق، استيقظتُ على صوت زقزقة العصافير في الشرفة. كان اليوم هو موعد الجلسة الختامية في المحكمة الاقتصادية للبت في أيلولة كافة الممتلكات والحسابات المحجوز عليها لصالحي، لغلق كافة الملفات المالية والقانونية المرتبطة بهذه الحقبة من حياتي بشكل نهائي ومطلق.

ارتديتُ ملابسي الرسمية وقصدتُ مبنى المحكمة برفقة الأستاذ “عماد”. لم تكن القاعة هذه المرة ساحة للصراخ أو الاتهامات؛ فقد حُسم كل شيء من قبل. كانت مجرد إجراءات تنظيمية لإصدار صيغة التنفيذ النهائية، وتحويل باقي التعويضات المالية إلى حساب استثماري باسم “آدم”.

جلسنا أمام رئيس المحكمة، وقدم الأستاذ عماد المذكرات الختامية، متضمنة كافة الفواتير، والإيصالات، وأحكام الجنايات السابقة التي أثبتت جُرم التزوير والنصب.

نظر القاضي في الأوراق، ثم ألقى نظرة تقدير وتوقير نحوي، وقال بنبرة قاطعة تتجاوب صداها في أرجاء القاعة:

— “حكمت المحكمة بتصفية كافة المستحقات والتعويضات المقررة لصالح المجني عليها (سارة)، وإغلاق جميع القضايا والتنفيذات المتعلقة بها نهائيًا، مع إبقاء القرارات الصادرة بالمنع من التعرض والحضانة المطلقة سارية المفعول دون زمن.”

قرع القاضي جرس المحكمة، وكانت تلك الضربات الثمانية على الخشب بمثابة الإعلان الرسمي والختامي لسقوط آخر فصل في هذه المأساة، واسترداد كافة الحقوق المادية والمعنوية التي حاربتُ من أجلها لسنوات.

خرجتُ من قاعة المحكمة، ووقف الأستاذ عماد يبتسم بمودّة وهو يصافحني:

— مبروك يا مدام سارة… النهاردة أقدر أقولك إن الملف الأسود المقفول اللي دخلتي بيه مكتبي من ست سنين، أتحول لورق أبيض خالص. مفيش جنيه واحد لكِ ضاع، ومفيش حق مظلوم لم يُسترد.

ابتسمتُ بامتنان صادق:

— الأمانة والعمل الشريف هما اللي كسبوا الق\ضية يا أستاذ عماد. شكراً على كل مجهودك.

عدتُ إلى البيت، البيئة التي أصبحت مفعمة بالهدوء والجمال. دخلتُ غرفة المكتبة، وأخرجتُ ذلك “الملف الأسود” القديم الذي احتفظتُ فيه بكل إيصال وفاتورة وعقد زواج وق\ضية. جلستُ أمام الطاولة، وأمسكتُ به لثوانٍ معدودة. لم أعد أشعر بأي ألم أو مرارة؛ فقد تحول هذا الملف من رمز للقهر والغدر إلى رمز للصمود والانتصار.

أخذتُ الأوراق ورقة ورقة، ووضعتها في آلة تمزيق المستندات. كانت صوت الأوراق وهي تتحول إلى قصاصات صغيرة كالتراب صوتًا يعلن التحرر الشامل، وإغلاق الباب أمام أي ذكريات قديمة قد تراود الذهن في لحظات الهدوء.

في عصر ذلك اليوم، أقيمت المباراة النهائية لبطولة السباحة الإقليمية. كانت المدرجات تعج بأهالي الرياضيين والجمهور. جلستُ في الصف الأول، وبجانبي أختي التي شاركتني كل لحظة صعبة وكل لحظة فرح.

وقفت الفرق على منصات القفز. كان “آدم” يرتدي زيه الرياضي، ملامحه هادئة، وتركيزه ينصب بالكامل على خط النهاية. لم تكن في عينيه بقايا ذعر أو خوف، بل كانت طاقة بطل يعرف قدر نفسه ويعرف أن خلفه أمًا وقفت كالجبل في وجه العواصف.

انطلقت صافرة البداية!

قفز المتسابقون في الماء، وشق “آدم” الأمواج ببراعة ورشاقة متناهية. كانت الأذرع تضرب الماء بقوة، والأجسام تتسابق نحو خط الوصول. كانت كل ضربة ماء يضربها الصغير تبدو وكأنها خطوة جديدة يبتعد بها عن ماضٍ لم يكن له فيه ذنب.

علت الأصوات في المدرجات، ووقفتُ على قدمي أصفق وأشجع بصوت ملأ القاعة:

— يلا يا آدم! انطلق يا بطل!

وفي ثوانٍ معدودة، ضربت يد “آدم” جدار النهاية متقدمًا على جميع منافسيه بفارق حاسم!

دوت القاعة بالتصفيق، وأُعلن اسمه عبر مكبرات الصوت بطلاً للمحافظة في السباحة الحرة!

خرج “آدم” من الحمام، ووجهه يشرق بالبهجة والانتصار. ركض نحو المدرجات، وصعد السلالم بلهفة حارّة، وارتمى في أحضاني أمام جميع الحاضرين. ضممتُه بكل ما أوتيت من قوة، وكانت دموع الفرح تترقرق في عيني لأول مرة منذ سنوات طويلة.

رفع الصغير الميدالية الذهبية التي وُضعت حول عنقه، ونظر في عيني مباشرة وقال بصوت نقي ونبرة واثقة:

— الميدالية دي عشانك أنتِ يا ماما… عشان أنتِ اللي حميتيني، وأنتِ اللي بنيتي بيتنا بصدقك.

انحنيتُ وقبلتُ رأسه، وأنا أنظر إلى أفق المستقبل المشرق الذي ينتظرنا:

— دي بدايتك يا آدم… وبدايتنا مع بعض. البيت اللي يتبنى على الحق والأمانة مبيتهزش أبدًا.

غادرنا النادي ونحن نمسك بأيدي بعضنا البعض، ونمشي بخطوات ثابتة نحو السيارة. كانت الشمس تغرب في الأفق لتعلن نهاية يوم حافل ونهاية عصر كامل من الآلام، بينما يتهيأ غدٌ جديد ليرسم صفحات حافلة بالنور والأمان والنصر الاستثنائي لامرأة رفضت أن تصبح ضحية، وصنعت من آلامها جسرًا نحو القمة.

وانطوت الصفحة الأخيرة دون أن تترك خلفها همسة ندم واحدة أو رجفة خوف؛ فقد تساقطت آخر أوهام الماضي كما تتساقط أوراق الخريف الميتة.

مرّ عامٌ كامل على اليوم الذي رُفعت فيه الميدالية الذهبية فوق منصة التتويج، عامٌ كان بمثابة المرآة النقية التي انعكست عليها ثمار الصبر والكرامة والعدل. لم تعد قصتي مجرد سيرة امرأة واجهت الخيانة وواجهت استنزاف أموالها بملف أسود، بل أصبحت شهادة حية على أن الحقوق لا تضيع ما دام خلفها عقلٌ يتدبر، وقلبٌ يقوى بالله، ويدٌ ترفض أن تستسلم للظلم تحت أي مسمى.

في صبيحة يوم مشرق من أيام الصيف، كانت الشمس تسكب أشعتها الذهبية على حديقة منزلنا الجديد، المنزل الذي اخترته بنفسي في أحد الأحياء الهادئة، حيث تتفتح الزهور ولا يطرق الباب إلا من يحمل الحب والخير الصادق.

كنتُ أقف أمام المرآة الكبيرة في غرفتي، أرتدي فستاني الأبيض الأنيق استعداداً لحضور حفل تكريمي في الملتقى السنوي لسيدات الأعمال المتميزات، حيث أُختيرت شركتي كواحدة من أفضل المؤسسات في الشفافية وإدارة الاستثمار. نظرتُ إلى انعكاسي، ورأيتُ امرأة جديدة بالكامل؛ امرأة تبسط الأمان على ملامحها، زال عنها الشحوب القديم، واختفت من عينيها نظرة الريبة والانكسار.

دخل “آدم” الغرفة، كان قد ناهز الثالثة عشرة من عمره. طوله الفارع، وكتفاه العريضان من أثر السباحة، وابتسامته الصافية كانت تجعلني أرى فيه أمل الغد ومكافأة العمر. كان يرتدي بدلة رسمية سوداء أنيقة، ويحمل في يده باقة صغيرة من الفل والياسمين.

اقترب مني وقدم لي الباقة بابتسامة ناصعة:

— مبروك يا أحلى وأقوى أم في الدنيا… الحفل النهاردة متفصل عشانك أنتِ.

ضممته إلى صدري، واستنشقتُ عبير الورد الذي يضوع من يديه الصغيرتين اللتين كبرتا في أمان، وقلت له بصوت ينبض بالحنان:

— النجاح ده مش ليّ لوحدي يا آدم… النجاح ده عشانك أنت، وعشان كل ليلة خفنا فيها وقررنا إننا ما نستسلمش.

خرجنا معاً ونزلنا درجات السلم الهادئة. في الصالة الخارجية، كان الأستاذ “عماد” المحامي بانتظارنا ومعه زوجته، ليرافقانا إلى الحفل. كان الأستاذ عماد قد تحول خلال هذه السنوات من مجرد مستشار قانوني يخوض معي المعارك القضائية إلى صديق عائلي ناصح، شهد كيف تحولت الحطام إلى قصر مشيد من النجاح.

ابتسم الأستاذ عماد وهو يسلّمني الملف الأخير – ملف أبيض ناصع، خفيف الوزن، لا يحتوي سوى على المخالصة النهائية من البنوك والسجل العقاري، وعقد الملكية الخالص لشقتنا وممتلكاتنا.

قال بنبرة تشع بالتقدير:

— مدام سارة… ده آخر ورقة في تاريخ القضايا. النهاردة الحسابات مقفولة، والتاريخ مقفول، ومفيش أي جهة أو شخص في الدنيا يقدر يطالبك بنصف جنيه أو يمس شعرة من أمان آدم. أنتِ طهرتي حياتك تماماً.

أخذتُ منه الورقة، ونظرتُ إليها لثوانٍ، ثم وضعتها في حقيبتي دون أن أفتحها. لم أعد بحاجة لقراءتها؛ فالحقيقة أصبحت محفورة في أرض الواقع، وليس على الورق فقط.

انطلقنا بالسيارة نحو القاعة الكبرى التي أُقيم فيها الحفل. كانت الأضواء ساطعة، والجمع غفيراً من كبار الشخصيات والمسؤولين. حين نُودي على اسمي لتسلم درع التميز والاستثمار الصادق، صعدتُ المنصة بخطوات واثقة، تتلاحق من حولي عدسات الكاميرات وتشدو القاعة بالتصفيق الحار.

وقفتُ أمام الميكروفون، ونظرتُ إلى الحاضرين، ثم توقفت عيناي عند “آدم” الذي كان يقف في الصف الأول، يصفق بحرارة وعيناه تفيضان بالدموع والفخر.

قلتُ كلمتي القصيرة التي لم أكن قد أعددتها مسبقاً، بل خرجت من أعماق قلبي تلقائياً:

> “النجاح الحقيقي ليس في جمع الأموال، ولا في اعتلاء المناصب… النجاح الحقيقي هو أن تملك الشجاعة لتقول ‘لا’ حين يُطلب منك أن تضحي بكرامتك وأمان طفلك باسم العلاقات الفاسدة. البر لا يكون بالظلم، والحب لا يكون بالسرقة، والبيت الذي يُبنى على الخداع لا بد أن ينهار ولو بعد حين. أهدي هذا التكريم لابني، الذي كان السند والسبب والبوصلة التي دلتني على طريق الحق.”

>

دوت القاعة بالتصفيق المجدد، ونزلتُ من المنصة لأجد “آدم” يرتمي في أحضاني أمام الجميع.

أما عن الماضي ورجاله… فقد طوتهم الأيام في صفحات طواها النسيان.

“أحمد” خرج إلى الحياة مجرداً من كل شيء، يقتوت من عمل يدوي بسيط في إحدى المحافظات النائية، يسير بين الناس يحمل على كاهله ثقل الندم والذنب، يذكر في كل ليلة كيف خسر الزوجة التي صانته والابن الذي كان أمله، من أجل رضا أمٍّ لم تكن ترى فيه سوى أداة، وأخٍ لم يتردد في سرقته والتخلي عنه.

و”محمود” يستكمل عقوبته المشددة خلف الأسوار، معزولاً عن المال الذي سرقه وعن الدنيا التي حاول أن يبني فيها مجده المزيف.

أما “السيدة وفاء”، فقد غادرت الدنيا بعد أن رأت بأم عينيها كيف تهاوت امبراطورية الغدر التي شيدتها، وكيف تفرق أبناؤها وتشتت جمعهم، لتكون عبرة لكل من يتخذ من “الوالدية” زورا لتدمير البيوت الشريفة.

بعد انتهاء الحفل، عدنا إلى بيتنا مع تباشير الليل الهادئ. وقفتُ مع “آدم” في بالكونة الشرفة العريضة، نرقب النجوم التي تتلألأ في السماء، والهواء العليل يداعب وجوهنا.

أمسك “آدم” بيدي وابتسم بصفاء مطلق:

— ماما… تفتكري بكرة هيكون شكله إيه؟

نظرتُ إلى الأفق الممتد أمامي، إلى أضواء المدينة التي تنبض بالحياة، وقلتُ بصوت وثيق، نقي، خالي من أي شك:

— بكرة هيكون مشرق يا آدم… هيكون جميل وأمان، لأننا بنيناه بيدينا النظاف، ولأن الباب اللي قفلناه في وش الظلم والطفيليات… اتفتح مكانه ألف باب للنور والخير.

ابتسم الصغير، وضغط على يدي، ووقفنا معاً نرحب بالغد… غدٍ خالٍ من الزيف، ملكٍ للحق، ومكللٍ بالسلام.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *