حكايات زهره الربيع 3

## الجزء الخامس

مر الأسبوع الأول على سفره كأنه دهور. انقطع صوته تماماً، وبات هاتفه مغلقاً أغلب فترات اليوم، وعندما يفتح شبكة الإنترنت لدقائق معدودة لمتابعة عمله، يظهر لي متصلاً دون أن يلتفت لرسائلي المستعطفة التي ملأت محادثتنا. كنت أستيقظ كل صباح لأجد نفسي في غرفتي القديمة، وسط كراتين ملابسي التي رفضت أن أفرغها أملاً في حل قريب، ووسط نظرات الشفقة والذنب التي تلاحقني من والدتي، ونظرات الحزن المنكسر من والدي.

لكن الصدمة الحقيقية التي لم تخطر لي على بال، ولم يحسب لها أحد حساباً، بدأت تتشكل في نهاية ذلك الأسبوع.

في صباح يوم الجمعة، شعرت بدوار شديد وهبوط حاد لم أعهدّه من قبل. حاولت النهوض من سريري فدارت الغرفة بي وسقطت أرضاً غائبة عن الوعي. استيقظت لأجد نفسي في المستشفى، والدي يقف بقلق وأمي تبكي بجانبي وهي تمسك بيدي، والطبيب يدخل الغرفة ومعه تقرير الفحص يبتسم ابتسامة هادئة:

“مبروك يا جماعة.. المدام حامل في الأسبوع الخامس، بس عندها هبوط حاد في الضغط وأنيميا شديدة ومحتاجة راحة تامة وبلاش أي زعل أو توتر.”

نزلت الكلمة عليّ كالصاعقة المختلطة بدموع الفرح والخوف. أنا حامل! في أحشائي طفل من خالد.. الثمرة الأولى لحبنا الذي كان دافئاً قبل أسبوع واحد فقط. نظرت إلى والدي الذي تجمعت الدموع في عينيه ونظر إلى السقف يدعو الله، بينما ركضت والدتي تقبلني وهي تبكي:

“الحمد لله يا بنتي! ربنا بعتلك اللي هيقرب النفوس ويرجع جوزك غصب عنه! مفيش راجل بيرمي ابنه ويرمي مراته وهي شايلة حتة منه في بطنها!”

لكنني كنت أعرف خالد جيداً.. خالد رجل ذو كبرياء وعقلانية صارمة، وكنت أتساءل برعب: هل سيلين قلبه لهذا الخبر؟ أم سيعتبره محاولة لالتفاف عائلتي عليه والضغط بأوراق جديدة؟

بمجرد عودتنا إلى المنزل، أصر والدي على الاتصال بوالد خالد فوراً وإبلاغه بالخبر، تقديراً للأصول وحق الأب في معرفة أن ابنه سيصبح أباً.

لم تمر ساعتان، حتى جاءنا اتصال من حماي (والد خالد) وصوته يرتجف من الفرحة:

“يا ياسمين يا بنتي، ألف مبروك، والله الخبر ده بل ريقي وربنا يجعل قدمه السعد عليكم. أنا كلمت خالد في الموقع وبلغته بالخبر بنفسي.”

حبست أنفاسي وسألته بنبرة يملأها الرجاء:

“وقالك إيه يا عمي؟ كلمك؟ قالك هينزل أو هيكلمني؟”

ساد صمت ثقيل ومحرج على الطرف الآخر، وتغيرت نبرة حماي لتصبح هادئة ومتحفظة:

“والله يا بنتي.. خالد لما سمع الخبر سكت لفترة طويلة جداً، كأنه كان بيستوعب.. وبعدين قالي جملة واحدة: (ربنا يتمم ليها على خير يا أبويا.. بس ده مغيرش في الموضوع كلمة واحدة من اللي قولتها. ياسمين هتفضل عندكوا الشهرين برضه، ومصروفها ومصاريف حملها ودكتورها كلها هتوصلها منك يا أبويا من معايا، لكن كلام بيني وبينها مش هيحصل دلوقتي عشان تفوق لنفسها وتعرف قيمة بيتها). وقفل السكة.”

انهارت دموعي بغزارة. حتى طفله القادم لم يشفع لي عنده! لم يكسر عناده وبروده القاتل! أدركت حينها أن خالد قرر تأديبي بطريقة قاسية وممنهجة، وأنه لا ينوي التراجع خطوة واحدة للخلف.

لكن المفاجأة الكبرى والمنعطف المرعب في هذه القصة حدث بعد مرور ثلاثة أسابيع فقط على هذا الخبر.

كنت جالسة في غرفتي أتابع التلفاز في حالة من الاستسلام، عندما دخل والدي مسرعاً ووجهه شاحب كالموتى، يمسك بهاتفه ويداه ترتجفان بشكل هستيري. وقف أمامي ولم يستطع الكلام لثوانٍ، حتى صرخت به ذعراً:

“في إيه يا بابا؟ طمني؟ خالد جرى له حاجة في الصحرا؟! رد عليا أرجوك!”

قال والدي بصوت مبحوح يكاد لا يُسمع:

“خالد.. خالد اتعرض لحادثة صعبة أوي في موقع الشغل يا ياسمين.. عربية الدفع الرباعي اللي كان راكبها انقلبت بيه في الكثبان الرملية وهو بينقل معدات.. وفي مستشفى قريبة من الموقع هناك في حالة حرجة جداً!”

تجمدت الحياة في عروقي، وشعرت أن الأرض تدور بي من جديد، لكن هذه المرة لم يكن بسبب الحمل، بل بسبب الرعب القاتل الذي تملكني وأنا أدرك أن زوجي وحبيبي يصارع الموت بعيداً عني بآلاف الكيلومترات، وأنا هنا.. معلقة، مذنبة، وعاجزة تماماً عن الوصول إليه!

## الجزء السادس (قبل الأخير)

سقطت الكلمات على مسامعي كقذيفة مدمرة تشتت معها كل توازني. لم أشعر بنفسي إلا وأنا أصرخ صرخة مكتومة شقت صمت البيت، صرخة خرجت من أعماق روحي وجسدي يرتجف بعنف:

“خالد! لا يا رب.. أرجوك لا! متوجعش قلبي عليه.. خالد ميموتش وهو زعلان مني!”

انهارت قواي تماماً وارتميت على الأرض وأنا أجهش بالبكاء الهستيري. ركضت أمي على صوتي وهي تضرب صدرها فزعاً، وتجمع البيت كله حولي، لكنني لم أكن أرى أحداً. كانت صورة خالد ملطخاً بالدماء في ذلك الصحراء القاحلة البعيدة تطارد مخيلتي، وتنهش قلبي فكرة مرعبة: ماذا لو مات؟ ماذا لو رحل عن الدنيا وهو يحمل في قلبه غصة مني ومن أهلي؟ ماذا لو حرمت منه ومن أثره قبل أن يرى طفلنا؟

صحت بوالدي بلهفة مجنونة وأنا أمسك بتلابيب قميصه:

“بابا.. خدني ليه! أرجوك وديني عنده.. أنا لازم أكون جنبه، مش هسيبه يموت لوحده هناك! حتى لو هيطردني، حتى لو هيموتني.. أنا لازم أشوفه!”

حاول والدي تهدئتي وهو يغالب دموعه وقال بصوت يرتجف:

“اهدي يا ياسمين.. اهدي يا بنتي عشان اللي في بطنك. كلمت والده وهو وأخوه الكبير جهزوا عربية وحالاً طالعين على المستشفى هناك.. المسافة بعيدة جداً، أكتر من ثماني ساعات في طريق صحراوي واعر وصعب، والدكتور حذر من حركتك وزعلك.. بس أنا مش هسيبك تحترقي هنا. كلمت عمك وهيطلع معانا بعربيته ورا أهل خالد فوراً.”

لم أنتظر ثانية واحدة. ارتديت عباءتي وحجابي بيدين ترتعشان، وكنت أتعثر بدموعي وبخطواتي. أمي كانت تبكي بحرقة وتقول: “يا رب اشفيه ورجعه لمراته وبيته بالسلامة.. يا رب متخربش البيت بسببي.” لم أكن قادرة حتى على معاتبتها، فالموت كان يقف حائلاً بيننا وبين أي عتاب، وكل الخلافات التافهة والكرامة المزيفة تلاشت وصغرت أمام شبح الفقد.

طوال طريق السفر الذي امتد لساعات طويلة سادها ظلام الليل الدامس، لم تتوقف شفتاي عن الدعاء والاستغفار. كانت السيارة تنهب الأرض نهباً وراء سيارة حماي، وكلما اهتزت السيارة في المنحنيات الصحراوية كنت أضم بطني بيدي وأهمس لطفلي: “ادعي لبابا يا حبيبي.. قوله يرجع لنا بالسلامة.. هو لسه مشافكش.”

وصلنا إلى المستشفى الإقليمي القريب من الموقع الصحراوي مع بزوغ أول خيوط الفجر. كانت مستشفى بسيطة وهادئة بشكل يقبض الصدر. ركضنا جميعاً نحو قسم الطوارئ والعناية المركزة. هناك، وجدنا رئيس الموقع وبعض زملائه المهندسين يقفون بوجوه شاحبة يكسوها الغبار والتعب.

اندفع حماي نحوهم والدموع في عينيه: “ابني فين يا رجالة؟ خالد حجر جرى له إيه؟!”

تقدم رئيس الموقع وطمأننا بنبرة سريعة هدأ بها روعنا قليلاً:

“وحدوا الله يا جماعة.. البشمهندس خالد بخير الحمد لله، ربنا كتب له عمر جديد. العربية انقلبت بيه فعلاً ووقعت في منحدر رملي، بس وسائل الأمان في العربية حمته بعد ربنا. عنده كسور مضاعفة في ذراعه الشمال، وكسر في الحوض، وجروح قطعية متفرقة وكدمات شديدة في الرئة، وهو حالياً تحت الملاحظة في العناية بعد ما عملوا له جراحة عاجلة لتثبيت الكسور.”

تنفسنا جميعاً الصعداء، وسقطت على مقعد قريب وأنا أجهش بالبكاء الساخن.. بكاء الفرحة بأنه ما زال على قيد الحياة، وبكاء الألم لما أصابه.

مرت ساعتان حتى سمح الطبيب لشخص واحد فقط بالدخول لزيارته لدقائق معدودة لعدم إجهاده. نظر حماي إليّ، ورغم كل الخلافات التي كانت بيننا، ورغم غضب ابنه، إلا أنه أظهر أصل معدنه وقال لي بنبرة حنونة:

“ادخلي أنتِ يا ياسمين.. أنتِ مراته وشايلة ابنه في بطنك، ونظرتك ليه بالدنيا دلوقتي.”

دخلت بخطوات مرتجفة إلى غرفة العناية المركزة. كانت الأجهزة تصدر أصواتاً منتظمة وباردة، والمحاليل معلقة فوق رأسه. كان خالد مستلقياً على السرير، وجهه شاحب ومليء بالخدوش والجروح الصغيرة، وذراعه مجبرة بالكامل، وهناك أنبوب أكسجين يساعده على التنفس.

مشيت نحوه ببطء والدموع تنهمر بلا توقف. جلست على الكرسي بجانب سريره، ومددت يدي المرتعشة لأمسك بيده اليمنى السليمة. كانت دافئة.. شعرت بدقات قلبي تتسارع وأنا أتحسس دفء جسده. انحنيت عليه وهمست بصوت مخنوق بالبكاء:

“خالد.. حبيبي.. حمد الله على سلامتك.”

فتح عينيه ببطء شديد تحت تأثير المسكنات القوية. نظر إليّ.. وفي البداية بدت نظراته مشوشة، ثم ما لبث أن استوعب ملامحي. رأيت في عينيه لمحة من الضعف والألم، لكن بروده القاتل لم يختفِ تماماً؛ حاول أن يسحب يده من يدي ببطء كبرياءً منه، لكنني تشبثت بها بكل قوتي وقبلتها وأنا أضعها على بطني وقلت له بنبرة مستعطفة:

“أرجوك بلاش تبعد إيدك.. ابتك أو بنتك هنا بيسلموا عليك وبيقولوا لك حمد الله على سلامتك يا بابا.. متسبناش يا خالد، أنا ماليش غيرك في الدنيا دي.”

ثبتت عيناه على بطني لثوانٍ طويلة، ورأيت دمعة وحيدة تشق طريقها من طرف عينه لتسقط على وسادته، لكنه لم يتكلم، بل أغمض عينيه مجدداً بتعب، كأنه يهرب من مواجهتي أو يرفض أن يظهر ضعفه أمامي.

خرجت من العناية وقلبي ممزق بين الفرح لنجاته، والخوف من عناده المستمر.

مرت ثلاثة أيام تم نقل خالد فيها إلى غرفة عادية بعد استقرار حالته. لم أترك غرفته لحظة واحدة؛ كنت أنام على كرسي خشبي بجانبه، أساعد الممرضات في تغيير ملابسه، وأطعمه بيدي لقمة بلقمة رغماً عن صمته ونظراته الجافة. والدي كان يأتي يومياً يطمئن عليه بوقار وأدب دون أن يثقل عليه، ووالدتي كانت تتصل تبكي وتدعو له وتستعلم عن أحواله بندم حقيقي حطّم كبريائها هي الأخرى.

وفي اليوم الرابع، وبينما كنت أساعده على شرب القليل من الماء، نظر إليّ خالد بعينين تلمعان بجدية شديدة، وقال بصوت ضعيف ولكن حاسم كالعادة:

“أنا خارج من المستشفى بعد بكره يا ياسمين.. ووالدي جهز عربية إسعاف هتنقلني على بيت عيلتي هناك عشان هما اللي يراعوني الفترة دي.. لأن حركتي هتكون شبه مستحيلة بسبب كسر الحوض.”

وقعت الكلمات عليّ كالصاعقة، فسألته بذهول وخوف:

“بيت عيلتك؟ طب بيتنا يا خالد؟ طب شقتنا أنا أقدر أراعيك فيها وأشيلك في عيوني!”

نظر إليّ بنظرة باردة وقال الجملة التي جعلت قلبي يقف رعباً من القادم:

“بيتنا مقفول يا ياسمين.. ومش هيتفتح دلوقتي. أنا رايح عند أمي وأبويا.. وأنتي هترجعي مع والدك لبيته لحد ما أولدك وتقومي بالسلامة.. وهناك، بعد ما تقومي بالسلامة، هيكون ليا شروط تانية خالص وقرار أخير.. يا إما هنقفل الصفحة دي للأبد، يا إما هتدخلي بيتي بقوانين جديدة خالص!”

## الجزء السابع والأخير

وقعت كلمات خالد على مسامعي كأنها حكم قضائي غيابي لا رجعة فيه. شعرت بغصة في حلقي كادت تخنقني، ونظرت إليه وعيوني تفيض بالدموع، متسائلة كيف لقلب أحبني بهذا الدفء يوماً أن يقسو ويتحجر هكذا في لحظات الضعف والمرض؟ لكنني نظرت إلى جسده الممدد، وإلى الجروح التي تملأ وجهه، والجبس الذي يلتف حول ذراعه وحوضه، فابتلعت غصتي وقررت ألا أجادل. أومأت برأسي بالموافقة وصوت يرتجف:

“اللي تشوفه يا خالد.. أهم حاجة عندي تقوم بالسلامة، وأنا مش هعترض على أي حاجة تريحك.”

وفي اليوم الموعود، خرج خالد من المستشفى محمولاً على محفة طبية، ونُقل بسيارة الإسعاف إلى منزل عائلته. رافقته حتى باب المنزل، وهناك ودعته بنظرة حزينة تملؤها الدموع، وقبلت يده السليمة وهمست له: “خلي بالك من نفسك.. ومن ابننا اللي بيكبر جوايا.” نظر إليّ بعمق، ولم ينطق، لكن عيناه كانت تبوح بـألف سؤال وصراع داخلي يعتمل في صدره.

عدت مع والدي إلى منزله، وبدأت أثقل وأطول رحلة انتظار في حياتي.

### شهور العزلة والصمت

مرت الأيام والأسابيع ثقيلة كالجبال. كانت بطني تكبر يوماً بعد يوم، ومع كل حركة لجنيني في أحشائي، كان قلبي يعتصر شوقاً لخالد. طوال خمسة أشهر كاملة، التزم خالد بالصمت التام. لم يتصل بي هاتفياً لمرة واحدة، وكان يرسل مصاريف الفحوصات الطبية وعلاجي ومستلزمات الطفل شهرياً عن طريق والده بكل دقة وأمانة، دون أن يرفق معها ورقة أو كلمة سلام واحدة.

أما في بيت أهلي، فقد تغيرت النفوس تماماً.

أمي التي كانت في الماضي تصرخ بعصبية وتهاجم، تحولت إلى امرأة أخرى. انكسر كبرياؤها تماماً بعد أن رأت بعينيها كيف كادت تطيح بمستقبل ابنتها الوحيدة وتخرب بيتها بكلمة طائشة. كانت تجلس بجواري والدموع في عينيها وتساعدني في تحضير ملابس المولود وتقول لي بنبرة ندم حقيقية:

“والله يا بنتي لو رجع بيا الزمن، ما كنت فتحت بقي بكلمة.. أنا كنت شيفاه بيتحكم فيكي، مكنتش فاهمة إنه بيدور على خصوصيته وأبسط حقوقه في بيته. يارب يرجعلك ويجمع شملكم من تاني.”

أما والدي، فكان يتواصل مع حماي أسبوعياً للاطمئنان على تطور علاج خالد الطبيعي وقدرته على الحركة مجدداً، وعلمنا أنه بدأ يقف على قدميه تدريجياً ويستعيد عافيته ببطء، وكان هذا الخبر هو السلوى الوحيدة لقلبي العليل.

### ليلة المخاض والمفاجأة

وفي ليلة شاتية من ليالي الشهر التاسع، داهمتني آلام المخاض مبكرة وعنيفة.

نقلني والدي مسرعاً إلى المستشفى، وتجمعت عائلتي كلها حولي في ممر التوليد. كنت أصرخ بآلامي وأدعو بدموع حارقة: “يارب هون عليا.. يارب احمي ابني.. يارب رجعلي خالد.” وبعد ساعات مريرة من الألم والانتظار، شق صمت المستشفى صوت بكاء طفل صغير يعلن قدومه إلى الدنيا.

ولدت ابني، وكان نسخة مصغرة من أبيه.. نفس الملامح الحادة، ونفس العينين الواسعتين. أطلقت عليه اسم “خالد” تيمناً بحبيبه الغائب.

أخرجوني إلى غرفة النقاهة، وكنت ما زلت تحت تأثير الإرهاق الشديد. فتحت عيني ببطء لأجد أمي تقبل رأسي وتبكي فرحاً، ووالدي يحمل الصغير بامتنان. لكن فجأة، ساد الصمت في الغرفة، وتراجعت أمي خطوة للخلف وعلامات الدهشة والوجل ترتسم على وجهها.

نظرت نحو باب الغرفة.. وكان وافقاً هناك!

خالد!

كان واقفاً على قدميه، مستنداً على عكاز بسيط يساعده على المشي، مرتدياً حلة أنيقة أظهرت نحافته التي سببتها شهور المرض، لكن وجهه كان مشرقاً، وعيناه معلقتان بي وبالمولود الصغير.

تراجع والدي وأمي بخطوات هادئة إلى الخارج، وأغلقا الباب خلفهما، ليتركا الساحة لنا بعد شهور الهجر الطويلة.

### المواجهة الحاسمة وقوانين البيت الجديد

مشى خالد نحو سريري ببطء وعرج خفيف، وعيناه لا تفارق عيني. وقف بجانبي، ونظر إلى الطفل الصغير النائم في مهده، ثم انحنى وحمله بيد واحدة سليمة وبذراع أخرى ما زالت تعاني أثر الإصابة. رأيت دموعه تسقط على وجنة الطفل الصغير وهو يقبله بحنو جارف، ثم وضعه بلطف في سريره، والتفت إليّ وجلس على طرف فراشي.

أمسك بيدي وقال بصوته الرخيم الذي اشتقته حد الموت، نبرة هادئة وحازمة في آن واحد:

“الحمد لله على سلامتك يا ياسمين.. مبروك علينا خالد الصغير.”

لم أتمسك بكبريائي، بل انفجرت في البكاء المرير وقلت له:

“وحشتني يا خالد.. وحشتني أوي.. كفاية عقاب أرجوك، أنا تعبت والشهرين بقوا ستة، وبموت في اليوم مية مرة من غيرك!”

تنهد خالد تنهيدة طويلة أخرجت هموماً كتمها في صدره لشهور، وقال بجدية بالغة:

“أنا مكنتش بعاقبك يا ياسمين.. أنا كنت بربي بيتنا اللي كاد يتهد قبل ما يتبني. أنا تعبت وشقيت في الصحرا عشان أعملك ملكة في مملكتك، ومقبلوش إن أي حد -حتى لو كانت والدتك- يقتحم خصوصيتنا أو يفرض شروطه في شقتي. الصمت والهجر دول كانوا الطريقة الوحيدة عشان الكل يفوق ويفهم إن للبيوت حرمة وأصول.”

ثم أخرج من جيبه ورقة مطوية بعناية، وبسطها أمامي وقال:

“دي شروط رجوعك لبيتي يا ياسمين.. لو وافقتي عليها، هنفتح شقتنا بكره، ونبدأ صفحة جديدة تماماً مفيش فيها مكان للغلط.. ولو رفضتي، فحقك وحق ابننا واصلكم، بس طريقنا سوا هينتهي هنا.”

نظرت إلى الورقة بلهفة، وكانت الشروط واضحة ومحددة بخطه الأنيق:

> ### دستور بيتنا الجديد

> * **أولاً: حرمة البيت وخصوصيته خط أحمر.** لا يُسمح لأي كائن كان أن يبيت في شقتنا في فترة وجودي أو غيابي دون إذن مسبق واتفاق تام بيننا.

> * **ثانياً: أسرار بيتنا داخل جدرانه.** أي خلاف أو نقاش يحدث بيننا لا يخرج من باب الشقة، ولا يُنقل لأي طرف من العائلتين تحت أي ظرف.

> * **ثالثاً: حدود الزيارات العائلية.** الزيارات من الأهل مرحب بها في أوقات محددة وبما لا يمس خصوصيتنا كزوجين، وحرية حركتي ولبسي وراحتي في بيتي غير قابلة للنقاش.

> * **رابعاً: ياسمين هي سيدة بيتها الأولى والأخيرة.** قرارات البيت والتربية تؤخذ بالشورى بيننا فقط، دون تدخل أو توجيه من أي أطراف خارجية.

>

نظرت إلى الشروط، ثم رفعت عيني إليه والدموع تملأهما، لكنها كانت دموع ارتياح وفخر. لم أجد في شروطه قسوة أو تحكماً، بل وجدت رجلاً يحمي بيته وعائلته الصغيرة بكل شرف وقوة أصول.

سحبت القلم من جيب قميصه، ووقعت في أسفل الورقة بخط يرتجف: *”موافقة بقلبي وعقلي قبل توقيعي.”*

ابتسم خالد لأول مرة منذ شهور، ابتسامة دافئة أعادت الحياة إلى روحي. انحنى وقبل جبيني بحرارة، ثم ضم يدي إلى صدره وقال:

“كده نقدر نرجع بيتنا وإحنا راسنا مرفوعة.. ونربي خالد الصغير في وسطنا بالحب والأصول.”

وفي اليوم التالي، عدت إلى شقتنا الدافئة حاملة طفلي بيميني ومستندة على ذراع زوجي بـ يساري. دخلت الشقة التي فاحت منها رائحة البخور والياسمين، وأدركت في تلك اللحظة أن القيمة الحقيقية للبيت لا تكمن في جدرانه الواسعة، بل في احترام أركانه وحفظ خصوصيته.. وأن بعض الدروس القاسية في الحياة، وإن بدت كارثية في البداية، هي الوحيدة الكفيلة بإنقاذنا وحماية مستقبلنا من الضياع.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *