حكايات زهره الربيع 2
## الجزء الثالث
لم تكد خطوات خالد تغيب عن السلم حتى انفجر البيت خلفه. وقف والدي في منتصف الصالة يضرب كفاً بكف وعيناه تلمعان بغضب شديد لم أره فيه من قبل، التفت إلى والدتي وقال بصوت هبط كالصاعقة:
“عاجبك كده؟ ارتحتي يا أم العريف؟ فضحتونا قدام الجيران، وخربتي بيت بنتك في أول كام شهر جواز ليها! بقالك أسبوع ممشية الواد وراكباه يروح يبات هناك، ولما الراجل يطلب حقه في بيته تروحي تردي عليه الرد ده في التليفون؟!”
صاحت والدتي وهي تحاول تبرير موقفها وصوتها يرتجف:
“أنا كنت خايفة على البنت من الوحدة والخوف! والواد آسر لسه عيل صغير، يعني هيضايقهم في إيه؟ هو خالد اللي حبكها زيادة عن اللزوم وجاي يعمل علينا راجل ويرمي البنت على بابنا!”
“يقفلوا عليهم بابهم إن شالله يولعوا!” صرخ والدي مقاطعاً إياها بعنف، ثم التفت إليّ وأنا منهارة في البكاء على الكرسي:
“وأنتي يا هانم.. يا زوجة يا عاقلة، مكنش عندك عينين تشوف جوزك وهو بيتخنق قدامك يوم ورا يوم؟ مكنش عندك لسان تتكلمي بيه مع أخوكي الصغير وتقوليله بالراحة يا آسر انزل بات في بيتك النهاردة عشان خالد راجع تعبان؟ لازم تدخلي أمك وتعملي من الحبة قبة لحد ما جوزك يوصل للمرحلة دي؟!”
لم أستطع الرد، كنت فقط أشهق بالبكاء، أشعر وكأن جدران الشقة تضيق عليّ، وصورة خالد وهو ينظر إليّ تلك النظرة الباردة القاتلة قبل أن يرحل لا تفارق مخيلتي. لقد نفذ تهديده بالكامل، وبكل كبرياء، وضعني ووضع أهلي في مواجهة مباشرة مع خطئنا.
أخذني والدي من يدي وأدخلني غرفتي القديمة وقال لي بحزم:
“ادخلي اقعدي هنا.. ومفيش مخلوق في البيت ده هيتصل بخالد ولا هيعتب عليه بكلمة، لحد ما أشوف المصيبة دي هتتحل إزاي.”
مرت الساعات الأولى كأنها سنوات. كان الصمت في بيت عائلتي أثقل من صمت الجبال. والدتي انزوت في المطبخ تندب حظها وتبكي خلسة بعد أن أدركت فداحة ما فعلته بلسانها، وآسر دخل غرفته وأغلق الباب على نفسه يشعر بالذنب والخجل مما حدث بسببه. أما أنا، فكنت أمسك بهاتفي كل دقيقة، أنظر إلى رقم خالد.. أريد أن أتصل به، أصرخ، أعتذر، أرجوه ألا يدمر حبنا، لكن كبريائه الذي جُرح وصدمتي في رد فعله جعلتني عاجزة عن ضغط زر الاتصال.
في تمام الساعة السابعة مساءً، رن جرس الباب.
قفزت من سريري بلهفة ظناً مني أنه خالد قد هدأ وعاد ليأخذني، ركضت خلف والدي الذي فتح الباب، لكن الصدمة كانت بانتظارنا. لم يكن خالد، بل كان سائق سيارة نصف نقل، وخلفه عاملان يحملان حقائب سفر كبيرة وصناديق كرتونية مرتبة بعناية.
قال السائق بلوح ورقي في يده:
“مساء الخير يا حاج.. البشمهندس خالد بعت الحاجات دي لمدام ياسمين، وقال دي كل متعلقاتها الشخصية اللي في الشقة.”
شعرت بطعنة في قلبي وأنا أرى ملابسي، وأدوات زينتي، وحتى الهدايا البسيطة التي أحضرها لي في أول زواجنا، كلها معبأة في كراتين وموضوعة على باب الشقة أمام أعين المارين. لقد نفذ وعده بحذافيره ولم ينتظر حتى الغد!
أغلق والدي الباب بعد أن دخلت الحقائب، ونظر إليّ بعينين مليئتين بالأسى وقال:
“الراجل بايع يا ياسمين.. والضربة اللي ضربها مفيش أصعب منها. خالد مش بس غضبان، خالد بيغسل إيده من الموضوع كله.”
في تلك الليلة، لم أتحمل البقاء في غرفتي. وتحت وطأة الألم والقهر، أمسكت بهاتفي وتجاوزت كل التحذيرات، وطلبت رقم خالد. رن الهاتف مرة.. واثنين.. وثلاثة.. وفي المرة الرابعة جاءني صوته الرخيم، هادئاً، بارداً، وخالياً من أي مشاعر:
“نعم يا ياسمين؟”
انفجرت في البكاء وقلت بنبرة متقطعة:
“خالد.. أرجوك متعملش فيا كده.. أنا بحبك، والله ما كان قصدي حاجة، وأمي كانت بتتكلم بعفوية.. بلاش نهد بيتنا عشان سوء تفاهم.. أرجوك ارجع خدني.”
ساد الصمت على الطرف الآخر لعدة ثوانٍ بدت كالعمر، ثم جاء صوته هادئاً كالعاصفة:
“أنا مبهدتش البيت يا ياسمين.. أنتوا اللي استهترتوا بيا وبعلاقتنا. أمك لما غلطت فيا وغلطت في بيتي، أنتي مقولتيش ليها (عيب ده جوزي وده بيتنا وليه احترامه).. أنتي سكتي وسبتيها تتهمني إني بقطعك من أهلك. والبيت اللي ماليش فيه كلمة، والزوجة اللي متقدرش تحمي خصوصية شقتها، متلزمنيش.. أنا حالياً مسافر وسايب المحافظة كلها، ولما إجازتي تخلص وارجع شغلي في الصحرا.. هبقى أكلم والدك ونشوف إجراءات الانفصال هتمشي إزاي بالمعروف.”
“خالد! خالد اسمعني!” صرخت بأعلى صوتي، لكن الخط كان قد انقطع.. وعاد صمت الهاتف المرعب ليعلن أن الكارثة لم تنتهِ بعد، بل إنها بدأت للتو لتأخذ منحى أكثر خطورة وضياعاً!
## الجزء الرابع
سقط الهاتف من يدي على الأرض، ومعه سقطت آخر ذرة أمل كانت تمسكني من الانهيار. ركضت أمي على صوت صراخي، وحاولت أن تأخذني في حضنها وهي تبكي وتقول:
“سامحيني يا بنتي.. أنا السبب، والله ما كان قصدي أخرب بيتك، أنا كنت فاكرة إنه هيخاف على زعلك ويهدّي اللعب.. مكنتش أعرف إنه بالسطوة والجبروت ده!”
دفعتها عني برفق والدموع تحرق وجنتي، وقلت بصوت مبحوح:
“أرجوكي يا ماما.. أرجوكي سبيني في حالي. أنتي دمرتيني.. دمرتيلي حياتي اللي ملحقتش أعيشها!”
أغلقت باب غرفتي القديمة على نفسي. كان الهواء في الغرفة ثقيلاً، والكراتين التي تحمل ملابسي وحاجياتي الشخصية مكدسة في الصالة كأنها ج*ثة حلمنا الدافئ. مرت ثلاثة أيام كاملة لم يذق فيها النوم طعم عيني، ولم يدخل جوفي سوى القليل من الماء. كنت أراقب حسابه على “واتساب”.. لم يعد يضع صورتنا معاً، بل أزال حالته الشخصية تماماً وأصبح يظهر ويختفي كالأشباح.
في اليوم الرابع، دخل والدي غرفتي وعلامات الهم قد حفرت في وجهه تجاعيد جديدة. جلس بجانبي على السرير وطبطب على كتفي وقال بصوت هادئ ومكسور:
“ياسمين يا بنتي.. أنا كلمت أعمامك وجلسنا مع بعض إمبارح. الموقف صعب، وخالد كرامته نقحت عليه جامد والرد بتاع والدتك جرح رجولته في بيته. بس إحنا مش هنسيب بيتك يتخرب بالسهولة دي. أنا هكلم والده ووالدته النهاردة ونطلب نقعد معاهم ونحل الموضوع.. وأنا بنفسي هعتذر لخالد قدام أهله وأهلنا عشان نرد له اعتباره، ونشوف شروط رجوعك إيه.”
نظرت إلى والدي بكسرة وقلت:
“تفتكر هيوافق يا بابا؟ خالد لما بيقفل من حاجة مبرجعش فيها.. أنا خايفة أوي.”
قال والدي بيقين:
“أبو خالد راجل عاقل وصاحب أصول، وميرضاهوش خراب البيوت. سيبيني أتصرف وتوكلي على الله.”
وبالفعل، اتصل والدي بوالد خالد، وحددوا موعداً للجلسة في مساء اليوم التالي في بيت أهل خالد. طوال تلك الساعات، كنت أشعر بقلبي ينبض في حلقي. هل سيحضر خالد هذه الجلسة؟ هل سيتراجع عن فكرة الطلاق إذا رأى والدي وعائلتي يعتذرون له ويقدرون غضبه؟
جاء المساء المنتظر. ذهب والدي وأعمامي الاثنين إلى منزل حماي، بينما بقيت أنا وأمي في البيت ننتظر على جمر من النار. مرت ساعة.. ساعتان.. وثلاث ساعات، والهاتف لم يرن. كنت أدور في الصالة كالمجنونة، أضم يدي إلى صدري وأدعو الله بقلب محروق: “يا رب رجعهولي.. يا رب متكتبش عليا لقب مطلقة وأنا لسه عروسة.”
في تمام الحادية عشرة مساءً، عاد والدي وأعمامي.
بمجرد أن فتح الباب، ركضت نحوه بلهفة: “ها يا بابا؟ قولي إيه اللي حصل؟ خالد كان معاهم؟ وافق يرجعني؟”
دخل والدي وجلس على الكرسي ببطء كأنه يحمل جبال الأرض فوق كاهله. نظر إليّ بنظرة حزن وقهر تمنيت لو أن الأرض انشقت وبلعتني قبل أن أراها في عينيه، وقال بنبرة مرتجفة:
“خالد مجاش الجلسة يا ياسمين.. بعت والده وأخوه الكبير بس.”
وقعت الكلمة عليّ كالصاعقة، فسألته برعب: “طيب.. وأهله قالوا إيه؟”
تنهد والدي تنهيدة حارقة وقال:
“أبوه راجل محترم، وقال إنه زعلان من اللي حصل وميرضاهوش إهانة ابنه ولا خراب بيتكم.. بس قال إن خالد قفل تليفونه ورفض حتى يرد عليهم هما شخصياً. وساب لهم رسالة واحدة واضحة وصريحة وصمّم يبلغوها لينا..”
صمت والدي ثواني يبتلع غصته، ثم أكمل:
“خالد كاتب لـ أبوه: (أنا مش هطلق ياسمين دلوقتي.. أنا مسافر غدوة لـ موقع الشغل في الصحرا وهقعد هناك شهرين كاملين من غير نزول. ياسمين هتفضل عند أهلها طول الشهرين دول.. لا هكلمها ولا هبعت ليها قرش واحد، وهسيبها تجرب يعني إيه تقعد من غير زوج ويجربوا هما يونسوها. لما الشهرين يخلصوا، هقرر إذا كنت هطلقها غيابي وأبعتلها ورقتها، ولا هيكون ليا شروط تانية تكسر المناخير اللي اترفعت عليا.. ودلوقتي الموضوع اتقفل).”
تجمدت الدماء في عروقي. شهران كاملان من المعلقات؟ هجر وحرمان وعقاب صامت ومذل تحت مسمى “فترة اختبار”؟
وقفت أمي تصرخ: “ده مجنون! ده عايز يربيكي ويربينا! بيلوي دراعنا بالوقت والغربة!”
لكنني لم أسمع صراخها.. كنت أنظر إلى الفراغ وأنا أدرك أنني دخلت نفقاً مظلماً طويلاً، شهرين كاملين سأعيشهم معلقة بين السماء والأرض، تحت رحمة مهندس يعيش في قلب الصحراء، يملك مفتاح حياتي ومستقبلي ببروده القاتل.. ولم أكن أعلم حينها أن المفاجأة الأكبر في هذه اللعبة ستحدث في الأسبوع الأول من سفره!