حكايات زهره الربيع 3

طول الطريق وأنا باصة من شباك العربية، وعقلي مش ملاحق على كمية الأحداث اللي بتحصل ورا بعضها. ببص لسليم اللي كان قاعد جنبي، ملامحه هادية جداً بس هدوء يسبق العاصفة، وإيده ماسكة إيدي بقوة وكأنه بيستمد مني القوة وبيديني الأمان في نفس الوقت.

عمر، محامي سليم وصاحبه، كلمنا في التليفون وصوته كان متشوش وفيه حركة سريعة:

“سليم.. تتبعنا الرقم. الغريب إن الإشارة جاية من شقة قديمة في منطقة مهجورة على أطراف المعادي.. المكان ده مسجل باسم شركة وهمية تابعة لـ ‘ياسمين’.. كلامك صح يا صاحبي، ياسمين هي اللي ورا الليلة دي كلها.”

سليم رد بنبرة خالية من أي تردد:

“وعملت إيه في اللي طلبته منك يا عمر؟”

عمر قال بثقة: “رجالتنا هناك ومحاصرين المبنى من غير ما حد يحس، والشرطة على أهبة الاستعداد بس مستنيين الإشارة منك عشان نثبت حالة التلبس والابتزاز بالصوت والصورة.”

سليم قفل السكة وبصلي، وقال بصوت دافي:

“خايفة يا وفاء؟”

أخدت نفس طويل وقولتله: “طول ما إيدي في إيدك يا سليم.. أنا مش خايفة من أي حاجة في الدنيا. أنا بس مصدومة من أختي.. هالة بالرغم من كل قسوتها وغرورها، مكنتش أتخيل إن غبائها يوصلها للمرحلة دي وتثق في حد غريب على الإنترنت عشان تقهره بيا وبنجاحي معاك.”

سليم طبطب على إيدي وقال: “الغرور والغل بيعموا القلوب يا وفاء، أكتر من عمى العيون بمراحل.. هالة كانت عايزة تثبت لنفسها وللكل إنها الأحسن، فبقت الفريسة الأسهل لشيطانة زي ياسمين.”

العربية وقفت في مكان ضلمة وهادي جداً. السواق نزل وفتح لينا الباب، ولقينا عمر مستنينا ومعاه تلات رجالة ببدل سوداء وبنيتهم قوية جداً.

عمر قرب من سليم وهمسله: “سليم.. ياسمين جوة الشقة بنفسها.. والظاهر إنها جاية تستلم الفدية أو تضمن إن هالة توقع على ورق يتهمك أنت بابتزاز عيلتها.. اللعبة أكبر من مجرد فدية، دي كانت ناوية تدمر اسمك وتجبرك تتنازل عن نصيبك في الشركات.”

سليم ابتسم بسخرية وقال: “طب يلا بينا.. خلينا ندخل نباركلهم على ذكائهم.”

مشينا في الممر الضلمة، وقلبي كان بيدق بعنف. سليم كان بيتحرك بثقة غريبة بمساعدتي ومساعدة عمر، وكأنه حافظ الخطوات. وصلنا قدام باب الشقة في الدور الأرضي.

بإشارة من عمر، واحد من الحراس اتعامل مع قفل الباب وبمنتهى الاحترافية الباب اتفتح من غير أي صوت.

دخلنا الشقة، وكانت الإضاءة خافتة جداً وصوت زعيق وبكا جاي من الأوضة اللي جوة.

كان صوت هالة وهي بتصرخ بهستيريا ودموع: “أرجوكي سيبيني أمشي! أنا ماليش ذنب.. أنا كنت فاكرة إنه بيحبني وعايز يشغلني معاه! أنا معنديش فلوس والله.. كلموا وفاء أختي جوزها غني جداً وهيخليه يدفع!”

وجالها صوت نسائي حاد وبارد ومليان شماتة.. صوت ياسمين:

“وفاء أختك؟ ههههه.. وفاء المطلقة اللي خدت مكاني؟ متقلقيش يا قطة، جوزها الأعمى هيدفع.. هيدفع تمن كل حاجة خدها مني.. هيدفع تمن عيني اللي راحت وتمن هيبتي اللي كسرها قدام عيلته.. إنتي والورق اللي هتمضي عليه دلوقتي هما اللي هيخلوه يركع تحت رجلي!”

في اللحظة دي، سليم داس على زرار صغير في جيبه، وفجأة النور بتاع الصالة اتفتح بالكامل، وسليم خطى خطوة واسعة لجوة الأوضة وهو بيقول بصوت قوي رج البيت كله:

“مين ده اللي هيركع يا ياسمين؟”

الصدمة شلت المكان!

ياسمين لفت برعب ووشها جاب ألوان لما شافت سليم واقف بكامل هيبته، وجنبه أنا وعمر والحراس.

أما هالة، فكانت مربوطة في كرسي في زاوية الأوضة، شعرها متبهدل وعيونها منفوخة من العياط. أول ما شافتني، صرخت بلهفة وذل عمري ما شوفتهم فيها: “وفاء!! إلحقيني يا وفاء! أرجوكي يا أختي سامحيني وخليهم يسبوني!”

ياسمين حاولت تتماسك بسرعة ورجعت لورا وهي بتسحب تليفونها وبتقول بغل:

“أنت فاكر نفسك بطل يا سليم؟ لو خطيت خطوة واحدة تانية، التسجيلات اللي معايا هتنزل على كل منصات التواصل وصحافة رجال الأعمال.. هخرب بيتك وسمعة شركات والدك في ثانية!”

سليم حط إيده في جيبه بمنتهى البرود، وطلع جهاز تسجيل صغير وقال بنبرة هادية قاتلة:

“التسجيلات اللي معاكي دي مبلولة واشربي ميتها يا ياسمين.. لأن عمر المحامي بتاعي مسجل المكالمة اللي دارت بينك وبين أم هالة من تليفون المخطوفة، ودلوقتي حالا مكالمتك دي وصوتك وأنتِ بتهددي هالة وبتقولي إنك هتركعيني، متسجل لايف على سيرفرات النيابة العامة.. يعني إحنا دلوقتي مش في شقة مهجورة.. إحنا في مسرح جري*مة مكتملة الأركان: خطف، وابتزاز، وتزوير!”

ياسمين التليفون وقع من إيدها وبصت لسليم بذهول حقيقي ورعب: “أنت.. أنت عرفت إزاي؟!”

سليم قرب خطوة وقالها بوضوح: “لأن الأعمى بجد.. هو اللي بيمشي ورا غله لحد ما يقع في شر أعماله. أنتِ غبية يا ياسمين.. وافتكرتي إن عجز عيني معناه عجز عقلي.”

في نفس اللحظة، الباب اتكسر ودخلت قوات الشرطة وقبضوا على ياسمين والراجل اللي كان معاها وبيساعدها وهو مذهول ومش فاهم الخطة باظت فين.

جريت على هالة وبدأت أفك الحبال من عليها وأنا بدمع على حالها. هالة أول ما الحبل اتفك، رمت نفسها في حضني وهي بتعيط بحرقة وتقول: “أنا آسفة يا وفاء.. أنا رخيصة وقليلة الأدب.. عيرتك بطلاقك وإنتي اللي جيتي تنقذيني.. أنا أسفة يا سليم بيه.. سامحوني يارب يموتوني بس سامحوني!”

سليم وقف وبص ناحيتنا وقال بهدوء ونبل حقيقي:

“قومي يا هالة.. وفاء أختك ومستحيل تسيبك في محنة زي دي بالرغم من كل اللي عملتيه.. بس ياريت الدرس ده يفوقك، ويعرفك إن القيمة مش بالشهادات ولا بالمنظرة الكدابة.. القيمة الحقيقية هي كرامة الإنسان وطيبة قلبه.”

رجعنا البيت، وأمي كانت مستنيانا على الباب وهي بتلطم وبتعيط. أول ما شافت هالة، خدتها في حضنها وفضلوا يعيطوا سوا.

أمي بصتلي وبصت لسليم بكسرة نفس حقيقية وقالت وصوتها مخنوق:

“أنا مش عارفة أودي وشي منكم فين.. أنا اللي هنت بنتي وفاء وقولت عليها تعيب.. وسليم اللي كنت شيفاه ناقص هو اللي رجعلي شرفي وبنتي.. سامحني يا بني.. سامحيني يا وفاء يا بنتي!”

سليم طبطب على كتف والدي وقالهم: “حصل خير يا جماعة.. وفاء دلوقتي في بيتها ومعززة مكرمة، وده اللي يهمني.”

أخدت سليم ورجعنا فيلتنا.. واحتنا الهادية.

أول ما دخلنا وقفلنا الباب، سليم اتنهد تنهيدة طويلة وكأنه بيرمي حمل جبال من على كتافه.

قربت منه، وحضنته بقوة ودفنت راسي في صدره.. كنت حاسة إن الكون كله مش سايعني من الفرحة والفخر بالراجل اللي ربنا عوضني بيه.

سليم ضمّني ليه بقوة وقال بصوت دافي مليان مشاعر:

“خلاص يا وفاء.. الكابوس انتهى.. ياسمين هتاخد عقابها، وأهلك عرفوا قيمتك الحقيقية.. ومبقاش فاضل غير إننا نبدأ حياتنا بجد.. من غير خوف ومن غير ماضي يطاردنا.”

بصيت لعيونه الجميلة وابتسمت بدموع فرحة وقولت: “أنا جاهزة يا سليم.. جاهزة أكون عينك اللي بتشوف بيها الدنيا، وأنت تكون قلبي اللي بيحميني.”

سليم ابتسم ولسا هيتكلم.. تليفونه الشخصي رن تاني!

بس المرة دي النغمة كانت مختلفة.. دي نغمة الطوارئ الخاصة بسيستم حسابات الشركة الكبيرة في إنجلترا اللي سليم بيديرها!

سليم سحب التليفون بسرعة وضغط على زرار الأوامر الصوتية، وجاله صوت المساعد الآلي بيقول بصوت سريع ومقلق:

“تحذير.. تم اختراق الحساب الرئيسي لشركة ‘سليم وبهاء للمقاولات’ من سيرفر خارجي.. وجاري سحب الأصول المالية بالكامل حالاً!”

سليم ملامحه اتغيرت ١٨٠ درجة، وبصلي بصدمة ورعب حقيقي وقال:

“وفاء.. اللاب توب بتاعي بسرعة! الاختراق ده مش من برة.. الاختراق ده بيحصل من جوة البيت هنا.. وفيه جهاز متصل بشبكة الفيلا حالاً وبيسرق كل حاجة!”

جسمي اتجمد مكانه.. مين اللي ممكن يكون جوة الفيلا وبيسرق سليم في اللحظة دي؟! تفتكروا مين؟…

وقفت مذهولة للحظات، ملامح الخوف رجعت تسيطر على ملامحي، بس صوت سليم الحاد وهو بيقول: “وفاء! بسرعة اللاب توب! مفيش وقت!” فوقني من صدمتي.

جريت على المكتب، سحبت اللاب توب والأسلاك الخاصة بيه، ورجعت وسليم كان قاعد على السرير، عروق إيديه بارزة من كتر التوتر والغضب. حطيت اللاب توب على رجله وفتحت الشاشة، وهو بدأ يشتغل بسرعة البرق. أصابعه كانت بتتحرك على لوحة المفاتيح بحفظ ومهارة خارقة، وكان بيسمع التوجيهات الصوتية اللي بتطلع من السماعة اللي حاططها في ودنه بتركيز شديد.

“الاختراق جاي من آي بي (IP) داخلي يا وفاء.. يعني فيه جهاز متصل بالواي فاي بتاع الفيلا حالاً، وبيستخدم كود مشفر كان مسجل على تليفوني القديم!” سليم قالها وهو بيضغط على الأزرار بعنف، وعرق بارد بينزل من على جبهته.

سألته برعب: “تليفونك القديم؟ هو فين التليفون ده يا سليم؟!”

رد وعينه متثبتة في الفراغ بتركيز: “التليفون ده ياسمين سرقته مني وقت الحادثة، بس الكود مكنش هيشتغل إلا لو الجهاز الرابط دخل في نطاق شبكة الفيلا هنا! ده معناه…”

سليم سكت فجأة وكأنه استوعب حاجة صدمته. بصيتله وقولت بنبرة مرعوشة: “معناه إن فيه حد واقف قريب جداً من الفيلا، أو… أو جوة الفيلا نفسها!”

في اللحظة دي، سمعت صوت حركة خفيفة جداً جاية من المطبخ اللي في الدور الأرضي. حركة زي خروشة كيس أو خطوة رجل حذرة.

جسمي اتجمد. بصيت لسليم وشاورتله بإيدي كأنه شايفني، وهمست بصوت مبحوح: “سليم.. فيه حد تحت.”

سليم قفل شاشة اللاب توب نص قفلة عشان الصوت يسكت، وهمسلي وعيونه فيها نظرة حماية صلبة: “وفاء.. خليكي ورايا ومتحاوليش تعملي أي صوت. متخافيش.”

سحب عصايته المعدنية ببطء، ووقف وهو بيتحرك بمنتهى الخفة والهدوء وكأنه طيف. كنت ماشية وراه، ماسكة في طرف قميصه ونبضات قلبي بتضرب في صدري زي الطبلة. نزلنا السلم درجة درجة في الضلمة. الإضاءة الوحيدة كانت جاية من إضاءة الشارع اللي داخلة من الشبابيك الإزاز الكبيرة.

وصلنا لمدخل المطبخ. الباب الإيبوكسي المودرن كان موارب سنة صغيرة، ومن فتحة الباب، شوفت ضل حد واقف وضهره لينا، وماسك في إيده تليفون بينور بوميض أزرق، وجنبه جهاز صغير أسود منور بلمبات بتتحرك بسرعة.. جهاز سحب البيانات!

الشخص ده كان لابس كاب ومغطي وشه، بس الحركة وطريقة الوقفة مكنتش غريبة عليا.

فجأة، الشخص ده التفت بسرعة لما حس بوجودنا، وضرا السلك من الجهاز وبدأ يلم الحاجه في شنطته بلهفة.

سليم صرخ بقوة وهو بيوجه عصايته في اتجاه الصوت: “مين هناك؟! اثبت مكانك!”

الشخص ده حاول يجري ويعدي من جنبنا عشان يهرب للباب الخلفي للفيلا، بس أنا بدافع غريزي غريب رميت نفسي عليه ومسكت في الشنطة بكل قوتي وأنا بصرخ: “مش هتهرب! مش هتخرب بيتي تاني!”

وقعنا إحنا الاتنين على الأرض، والشنطة اتفتحت ووقع منها الجهاز والتليفون، والكاب طار من على راسه..

وقعت عيني على الوش.. وصرخت بصدمة هزت كياني كله:

“أنتِ؟! مش ممكن!!”

كانت “يسرا”.. أخت جوزي الأولاني!

بنت حماتي اللي عاشرتها تلات سنين ذل وقهر!

وقفت وهي بتنهج برعب والغل باين في عيونها، وحاولت تسحب الجهاز من الأرض وهي بتقول بحقد ملوش مثيل:

“سيبيني يا وفاء يا بنت الـ… فاكرة نفسك هربتي مننا وهتعيشي هانم في فيلا؟ فاكرة إنك هتتني وتتفسحي مع الباشا الأعمى بتاعك وإحنا نتفضح بعد ما طلبتي الطلاق وخليتي سيرتنا على كل لسان في المنطقة؟! ياسمين اتفقت معانا.. قالتلنا إنها هتدمر سليم وتديكي حتة من التورتة اللي تخليكِ تركعي تحت رجلينا وترجعي تخدمينا تاني!”

سليم لما سمع الاسم، ملامحه اتصلبت. عرف إن ياسمين مكنتش بتلعب لوحدها، وإنها استغلت غل وحقد عيلة جوزي القديم عشان ينتقموا مني ومنه في نفس الوقت.

يسرا سحبت سك*ينة صغيرة من جيبها ووجهتها ناحيتي وهي بتصرخ بهستيريا: “ابعدي عني يا وفاء وإلا هنهي حياتك هنا حالا! هاتي الجهاز ده!”

سليم وبسرعة رد فعل لا تصدق، وبناءً على اتجاه صوتها ونبرة الهستيريا اللي في كلامها، خطى خطوة سريعة لقدام وضوا ضربة قوية بعصايته المعدنية على إيدها اللي ماسكة السك*ينة. السك*ينة وقعت على الأرض برنين معدني، ويسرا صرخت من الألم وهي بتتمسك بإيدها.

في نفس اللحظة، أنوار الفيلا بالكامل اتفتحت، وباب الفيلا الرئيسي اتكسر ودخل منه عمر المحامي ورجال الأمن بتوع سليم اللي كانوا مراقبين شبكة الفيلا والتحركات الخارجية.

عمر جري على سليم ووفاء وقال: “سليم! أنت كويس؟ وفاء؟”

سليم أخد نفس عميق وهو بيعدل قميصه بوقار وهدوء يحبس الأنفاس، وقال بنبرة باردة زي التلج وهو بيشاور على يسرا اللي كانت بتعيط على الأرض من الألم والخوف:

“خدوا البنت دي.. وسلموها للشرطة مع الجهاز اللي معاها. الاختراق ده متسجل بالكامل، وهي شريكة رسمية لياسمين في قضايا الابتزاز، والسرقة الإلكترونية، والشروع في القتل.”

بصيت ليسرا وهي بتتسحب برة الفيلا وهي بتصرخ وتشتمني وتدعي عليا، بس كلامها مبقاش يأثر فيا نهائي. بصيت لسليم ودموعي نزلت.. دموع راحة حقيقية.

سليم قرب مني، ضمّني لصدره بقوة وهو بيطبطب على راسي ويهمس في ودني:

“خلاص يا وفاء.. كل خيوط الماضي اتقطعت الليلة دي.. مفيش ياسمين، مفيش أهل جوزك القديم، ومفيش أي تهديد لينا تاني. حقك وحقي رجعوا بالكامل.”

هديت في حضنه وأنا حاسة إن فعلاً الكابوس انتهى.. بس تفتكروا، هل دي النهاية فعلاً؟ ولا مصير وفاء وسليم لسه شايل مفاجأة أخيرة في الجزء الجاي؟

دخلت الشقة الهادية وأنا حاسة للمرة الأولى في حياتي إن الهوا اللي بتنفسه نقي، خالي من غبار الخوف والقهر اللي عشته سنين. قفلنا الباب ورا سليم ورايا، والسكوت اللي عمّ المكان مكنش سكوت كئيب، كان سكوت الانتصار والسلام.

سليم ساب عصايته الذكية على التربيزة، ولف ليا. ملامحه الحادة كانت هادية جداً، ووشه منور بابتسامة خفيفة ودافية. قربت منه ومسكت إيده، وقولتله بابتسامة مليانة دموع فرحة:

“سليم… إحنا بجد خلصنا؟ الكابوس انتهى؟”

سليم سحبني لحضنه بقوة، ودفن وشه في شعري وهو بيتنهد تنهيدة طويلة خرجت من أعماق قلبه:

“انتهى يا قلب سليم.. انتهى للأبد. يسرا دلوقتي مع ياسمين في نفس الحبس، والاتنين تهمهم مكتملة الأركان وجنايات مش هيخرجوا منها بالساهل. وعيلة جوزك القديم أخدوا درس عمرهم ما هينسوه، ومحدش فيهم هيجرؤ حتى يلفظ اسمك على لسانه تاني.”

بعدها بكام يوم، الباب خبط. فتحت ولقيت أمي وبابا ومعاهم هالة.

الملفت في اللقاء ده مكنش الخوف أو التوتر، كان التغيير الرهيب اللي شوفته في عيونهم. هالة مكنتش هالة “البشمهندسة” المتكبرة المغرورة؛ كانت بنت بسيطة، هادية، عيونها مليانة خجل ونظرات اعتذار صامتة.

أمي دخلت وهي شايلة في إيدها صينية أكل معمولة بحب، وبابا طبطب على كتفي وباس راسي وقال بصوت كله فخر:

“ربنا يسعدك يا بنتي.. أنتي صونتينا وصونتي أختك بالرغم من كل قساوتنا عليكي.”

أما هالة، فقربت مني بخطوات مترددة، ودموعها نزلت وهي بتمسك إيدي:

“وفاء.. أنا مش بس بعتذرلك لأنك أنقذتيني، أنا بعتذرلك لأني في يوم سمحت لنفسي أبصلك من فوق. أنا اتعلمت الدرس الصعب.. اتعلمت إن الكرامة والنضج ملهمش علاقة بشهادة ولا بمظاهر، وإنك أنتي اللي كنتِ بتفهمي فينا كلنا. سامحيني يا أختي.”

بصيت لهالة، ولقيت قلبي صافي تماماً من ناحيتها. حضنتها بقوة ودموعي نزلت: “مسامحاكي يا هالة.. أنتي أختي الصغيرة، ومفيش بين الأخوات زعل بعد ما بنتعلم من غلطنا.”

سليم كان واقف في الصالة، وسامع كل كلمة. ابتسم ونادى على هالة وقال بنبرة هادية بس فيها هيبته المعتادة:

“هالة.. أنا قولت في يوم إن رجلك مش هتعتب بيتي.. بس وفاء قلبها أبيض وتسامحها يخليني أحترم رغبتها. بيتي مفتوح ليكي ولأهلك في أي وقت، طالما داخلينه بحب واحترام لملكة البيت ده.”

الكل شكر سليم واحترمه أكتر، واليوم ده عدى وكأنه كان غسيل لقلوبنا وتطهير لعيلتنا من جروح الماضي.

مرت سنة كاملة على الجواز ده.. سنة كانت أجمل سنين عمري.

اتعلمت فيها شغل الشركات مع سليم، وبقيت بجد ذراعه اليمين وعينه اللي بيشوف بيها الصفقات والملفات. سليم مكنش بيبخل عليا بمعلومة، وكان دايماً يقدمني في كل الحفلات والمؤتمرات كرئيسة تنفيذية مشاركة وشريكة حياته ونجاحه.

وفي يوم، كنا قاعدين في جنينة الفيلا تحت ضوء القمر الهادي، والهوا البارد بيداعب وشنا.

سليم كان حاطط راسه على كتفي وأنا بلعب في شعره، وقولتله بدلع:

“سليم.. تفتكر لو طنط سعاد مكنتش جت يومها بالعلبة الشوكولاتة.. كان زماننا فين دلوقتي؟”

سليم ضحك ضحكته الرجولية الدافية اللي بتخطف قلبي، ومسك إيدي وحطها على قلبه وقال:

“كان زماني تايه في ضلمتي يا وفاء.. وكان زمانك لسه بتعافري مع ناس ميعرفوش قيمتك. ربنا جمعنا لأننا كنا محتاجين بعض.. أنا كنت محتاج لروحك النضيفة عشان تنور عيني، وأنتي كنتِ محتاجة لقلبي عشان يحميكي ويصونك.”

سكت شوية، وسحب علبة قطيفة صغيرة من جيبه وفتحها. كانت غويشة دهب رقيقة جداً وجميلة، مسك إيدي ولبسهالي وهو بيقول: “دي بمناسبة مرور سنة على أجمل يوم في عمري.. يوم ما بقيتي وفاء سليم.”

بصيت للغويشة ودموع الفرحة والامتنان لربنا مغرقة عيوني. قربت منه وهمست في ودنه بالسر اللي كنت مخبياه عليه من الصبح:

“والهدية دي تليق بمقام بابا سليم.. أنا حامل يا حبيبي.”

سليم اتسمر في مكانه لثوانٍ، وعيونه الواسعة لمعت بدموع وصدمة فرحة هزت كيانه كله. شالني ولف بيا في الجنينة وهو بيضحك ويصرخ بأعلى صوته من الفرحة: “ياااارب! الحمد لله! هكون أب يا وفاء.. هجيب للدنيا طفل يشوف بيا وبأمه الدنيا كلها جميلة!”

في اللحظة دي، وتحت سماء الليل المليانة نجوم، عرفت إن العوض الحقيقي من ربنا مبيجيش بقطرة ندى، ده بييجي كالمطر اللي بيحيي الأرض الميتة.

أنا وفاء.. عندي 28 سنة.. والنهاردة بس أقدر أقول إني ببدأ قمة شبابي وحياتي الحقيقية، وأنا معززة، مكرمة، ومحبوبة في حضن راجل عوضني عن كل انكسار.

**تمت القصة.**

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *