حكايات انجى الخطيب 2

أحمد ما ردش عليها بكلمة، مَد إيده زي البرق ومسكها من طرحتها بقوة لدرجة إن علبة العصير وقعت من إيدها واتد لقت على الأرض. صرخت برعب: “في إيه يا أحمد؟! أنت اتجننت؟ سايب مرأتك اللي مش واخدة بالها من نفسها وبتتبلى عليا وجاي تضربني أنا؟!”

أحمد سحبها من شعرها لحد ما بقت في وسط الأوضة، ورزع التليفون في وشها وهو شغال على لقطة سحلها ليا على الأرض. صوت صريخي واستعطافي ليها كان مالي الأوضة.

وش هبة اتقلب ألوان، الوجع والخوف خلوا ركبها تخبط في بعضها، والابتسامة الصفرا اختفت تماماً وحل مكانها رعب حقيقي. بصت لأخوها وقالت بصوت بترعش: “أحمد.. ده.. ده مش زي ما أنت فاهم.. هي اللي استفزتني.. هي اللي كانت عايزة تحرمني من حق العيلة وتضيع مشروعي!”

أحمد ضربها قلم لفّها بيه حوالين نفسها، وقال بصوت هز حيطان المستشفى: “حق عيلة إيه يا زبالة؟! ده ورث جدتها! أنتِ كنتِ هتموتي مراتي وابني اللي لسه ما شافش الدنيا.. وجاية تتباكي وتعملي فيها الست الحنينة اللي أنقذتها؟!”

الدكتور والممرضات حاولوا يتدخلوا ويهدوا أحمد عشان حالتي، بس أحمد كان غايب عن الوعي من كتر الغضب. زعق فيهم: “محدش يتدخل! دي مش أختي.. دي مجرمة.”

هبة حاولت تستغل الهيصة، وجريت ناحية الباب عشان تهرب، بس أحمد كان أسرع منها. قفل الباب بالمفتاح وحطه في جيبه، وبص لها بنظرة موت وقال: “الخروج من هنا مش على البيت يا هبة.. الخروج من هنا على مكانك الحقيقي.”

طلع تليفونه وطلب رقم، وكلنا كنا سامعين وهو بيكلم مأمور القسم اللي تبع بيتنا: “يا فندم، أنا عايز أبلغ عن محاولة قتل مع سبق الإصرار والترصد، والسرقة بالاكراه.. والمتهمة واقفة قدامي، ومعايا فيديو صوت وصورة من كاميرات المراقبة بيوثق الجري..مة لحظة بلحظة.”

هبة لما سمعت كلمة “محاولة قتل” و”القسم”، اترمت تحت رجل أحمد وهي بتعيط وتصرخ بدموع تماسيح: “بلاش الشرطة يا أحمد! أبوس رجلك بلاش الفضيحة! أنا أختك لحمك ودمك.. هتحبس أختك عشان حتة عيلة غريبة؟! والله ما كنت أقصد، الشطيان عمى عيني!”

أحمد زقها برجليه بعيد عنه بكل قرف وقالها: “العيلة الغريبة دي تبقى مراتي وصاينة بيتي، وال حتة اللحم اللي كنتِ هتموتيها ده ابني.. أنتِ من اللحظة دي مفيش بيني وبينك غير القضاء.”

في خلال ربع ساعة، كانت قوة من الشرطة وصلت المستشفى بناءً على بلاغ أحمد، والدكتور أداهم تقرير طبي مبدئي بحالتي: نزيف حاد، انفصال مبكر في المشيمة نتيجة اعتداء جسدي عنيف، وولادة قيصرية طارئة لإنقاذ الجنين في الشهر الثامن.

الظابط خد التليفون وشاف الفيديو، وبص لهبة باحتقار وقال للعساكر: “كلبشوها.”

وهي بتتجرجر والكلبشات في إيدها وسط فرجة الممرضات والمرضى في الطرقة، بصت لي وعينها كانت مليانة غل وشر وقالت بصوت عالي: “مش هسيبك يا رشا.. ورب العزة ما هسيبك! هخرج وهتدفعي التمن غالي أنتِ وابنك!”

الباب اتقفل، وأحمد جه قعد جنبي على السرير، مسك إيدي وباسها وهو بيعيط: “سامحيني يا رشا.. سامحيني إني أمنت لها وسيبتك ويسافرت.. أنا هقف معاكي لحد ما تاخدي حقك تالت ومتلت، والقانون هيربيها.”

هزيت رأسي وأنا حاسة بنار جوايا مبردتش.. هبة اتسجنت اه، بس تهديدها الأخير رعبني، وخصوصاً إن جوزها “مدحت” راجل سواق ومسجل خطر، وأكيد مش هيسكت على حبس مراته.

مرت تلات أيام في المستشفى وكأنها تلات سنين. أحمد ما فارقش جنبي ولا لحظة، كان بيقسم وقته بيني وبين الحضانة عشان يطمن على ابننا “سيف”، اللي الدكتور طمنا إن علاماته الحيوية بدأت تستقر بالتدريج.

لكن الاستقرار ده كان بره الأوضة بس، لأن جوة دماغي كانت الحرب شغالـة. كلام هبة الأخير ووعيدها ليا وهي بتتجرجر بالكلبشات كان بيرن في ودني زي الجرس، وجوزها “مدحت” مكنش الشخص اللي يتساب في ضهرنا وأنا عارفة تاريخه وبلطجته.

في اليوم الرابع، دخل أحمد الأوضة وشايل تليفونه، ملامح وشه كانت مشدودة وقلقانة. قعد على طرف السرير وقال بصوت واطي: “رشا.. النيابة حلت الفيديو للطب الشرعي وتأكدوا من صحته، وهبة اتجدد حبسها 15 يوم على ذمة التحقيق. القض…ية مقفولة والنيابة موجهة لها تهمة الشروع في قتل مع سبق الإصرار والترصد والسرقة بالإكراه.. بس…”

سكت ووشه اتخطف، فمسكت إيده بسرعة وقلت له: “بس إيه يا أحمد؟ مدحت عمل حاجة؟”

أحمد اتنهد وقال: “مدحت جالي الموقف وأنا بخلص ورق، وكان معاه اتنين من أصحابه. مرفعش عليا سل..اح ولا شتمني، بس وقف قدامي وقالي بنبرة فحيح أفاعي: ‘الحرمة مكانها بيتها يا ابن الأصول، ومراتي لو مخرجتش بالتنازل بتاع مرتك.. يبقى أنت اللي اخترت الهلاك لبيتك وعيالك.. والبادئ أظلم’. ومشي ومنطقش كلمة زيادة.”

جسمي كله اتنفض من الرعب، ودموعي نزلت: “شوفت يا أحمد؟ قولتلك مش هيرحمينا! ده مسجل خطر ومبيخافش من الحكومة، ممكن يعمل أي حاجة في ابننا وهو في الحضانة، أو يستنانا وأحنا خارجين!”

أحمد شدني لحضنه بقوة وقال بنبرة فيها غل وعزيمة عمري ما شوفتها فيه قبل كده: “على جثتي يا رشا.. اللي يمس شعرة منك أو من سيف هكله بسناني. أنا صحيح راجل مهندس وبتاع شغل، بس الصعيدي اللي جوايا صحي، وأختي ماتت بالنسبالي من يوم ما مدت إيدها عليكي.”

في نفس اليوم بالليل، وأحمد كان نازل يجيب عشا من برة المستشفى، الممرضة دخلت تديني الدواء وسابت باب الأوضة موارب. فجأة، سمعت صوت حركـة غريبة في الطرقة، وصوت راجل خشن بيتكلم مع ممرضة الحضانة بصوت واطي ومريب: “بقولك يا أبلة.. الواد اللي لسه مولود ابن أحمد المنياوي في أنهي حضانة بالظبط؟ أصل أبوه بعتني عشان أطمن عليه وأشوفه محتاج دم ولا لأ.”

قلبي سقط في رجلي.. الصوت ده أنا عارفاة كويس، ده صوت “مدحت” جوز هبة!

حاولت أقوم من على السرير، بس وجع العملية القيصرية كان هيموتني. سحفت نفسي بالراحة ودموعي نازلة من الوجع والرعب، لحد ما وصلت لباب الأوضة وبصيت من الفتحة. لمحته واقف بجلابيته وضهره ليا، وبيحاول يغافل الممرضة ويدخل ممر الحضانة الداخلي.

في اللحظة دي، تليفوني اللي على الكومودينو رن.. وكان أحمد بيقولي: “أنا طالع في الأسانسير يا حبيبتي.”

نطقت بالعافية والصدمة لجمت لساني: “أحمد.. مدحت هنا.. مدحت عند الحضانة وعايز يوصل لسيف!”

الخط قطع، وفي أقل من دقيقة، الأسانسير فتح وخرج منه أحمد وزي العاصفة جرى على ممر الحضانة. مدحت حس بالحركة ولف، وأول ما شاف أحمد، ملامحه الفظة اتحولت لابتسامة غل وطلع من جيب جلابيته “مطواة” وقاله: “جيت في وقتك يا بشمهندس.. عشان نكتب نهاية الحكاية سوا!”

المطواة لمعت تحت إضاءة الممر البيضاء، والممرضة صرخت وجريت تستغيث بالأمن. أحمد ما تهزش ولا خطوة لورا، الغضب اللي جوايا وجواه عمى عيونه عن الخوف. مدحت هجم بالمطواة بكل غل وهو بيصرخ: “هضيع مستقبلي ومستقبل مراتي يا ابن المنياوي؟!”

أحمد تفادى الطعنة بسرعة البرق، ومسك إيد مدحت اللي فيها السلا..ح بكل قوته، وضرب راسه في وش مدحت خلاه يرجع لورا ودمه يسيل. دارت بينهم خناقة موت في طرقة المستشفى، كراسي اتكسرت وصوت ضرب يهد الحيطان. مدحت كان غشيم وبتاع سجون، بس أحمد كان بيدافع عن شرفه وابنه اللي جوة الأوضة.

في وسط الهيصة، مدحت قدر يزق أحمد ويجري ناحية أوضة الحضانة وهو بيوجّه المطواة لسرير سيف الصغير، في اللحظة دي أنا مكنتش شايفة قدامي غير ابني اللي هيروح مني. نسيت وجع القيصرية ووجع بطني، وسحلت نفسي وخرجت، مسكت فازة ورد إزاز كانت على الطاولة برة، وبكل ما فيا من عزم رميتها في وش مدحت.

الفازة اتدشت على دماغه، وشتتت انتباهه لثانية واحدة، كانت كافية إن أحمد ينقض عليه من ضهره زي الأسد، يكتف إيده ويقفل على رقبته لحد ما المطواة وقعت من إيد مدحت على الأرض، والكلبشات الصوتية بتاعة أمن المستشفى بدأت تسمع في المكان.

دخل أفراد الأمن ومعاهم أمين شرطة كان معين حراسة في المستشفى، وثبتوا مدحت اللي كان بيفرفر تحت إيد أحمد وهو بيشتم ويهدد. أمين الشرطة لمّ المطواة من الأرض وقال: “أنت ليلتك سودا.. تهجم على مستشفى وسلا..ح أبيض وشروع في قتل؟!”

أحمد وقف وهو بينهج، هدومه مقطوعة ووشه مليان كدمات، بس عينه كانت على حضانة سيف. جرى على السرير الصغير، وبص لـ سيف اللي كان نايم في أمان الله ولا حاسس بالدنيا، ودموعه نزلت. جالي وسندني لحد ما رجعت سريري وهو بيترعش: “خلاص يا رشا.. الحكاية خلصت.. ولاد الحرام وقعوا في شر أعمالهم.”

بعد يومين، المحامي جاب لنا الأخبار الأكيدة. النيابة ضمت قض..ية مدحت لقض..ية هبة، وبقى الاتنين وش في وش مع جناية مكتملة الأركان. هبة بتهمة الشروع في قتل وسرقة بالإكراه، ومدحت بتهمة البلطجة، وحيازة سلا..ح، والشروع في قتل طفل داخل منشأة طبية. الفيديو بتاع كاميرات البيت، وشهادة دكاترة المستشفى، وفيديو المراقبة بتاع المستشفى نفسه، قفلوا عليهم كل أبواب الرحمة.

يوم خروجنا من المستشفى، شيلت سيف بين إيديا لأول مرة، كان حتة من قلبي. بصيت لأحمد وقلت له: “الفلوس والورث يغوروا يا أحمد، المهم إننا مع بعض، وإن ربنا نجانا من غلهم.”

أحمد باس راسي وراس سيف وقال: “الفلوس هتروح وتيجي، بس الدرس اللي اتعلمته إني مش هأمن تعبان في بيتي تاني. هبة ومدحت مكانهم السجن، وإحنا مكاننا هنا.. بنبدأ حياتنا من جديد.”

خرجنا من باب المستشفى، والشمس كانت طالعة بتنور طريقنا، وأنا حاضنة ابني، وعارفة إن “طوق النجاة” مكنش الكاميرات بس، كان وعيي وقوتي كست مش غلبانة، وسند جوزي اللي عرف يختار عيلته الحقيقية في وقت الشدة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *