مراتي كانت بتطبخ وتبيع أكل2
الخطوات برة الشقة كانت تقيلة كأن رجلي غرسة في خرسانة. هدى مشيت ومبصتش وراها، والراجل الكبير اللي طلع أبويا الحقيقي كان ماسك إيدي بقوة، كأنه بيعوض 32 سنة من الحرمان.
سبت الشقة ورايا، سبت أمي -أو الست اللي كنت فاكرها أمي- وهي واقعة في الأرض بتبكي، وبنت خالتي بتصرخ ومش عارفة تداري وشها فين بعد ما كل الأقنعة وقعت.
نزلنا الشارع، الهوا كان بارد وبيخبط في وشي فوقاني من الصدمة. الراجل الكبير بصلي وعينه مغرورقة بالدموع وقال:
— أنا اسمي شاكر يا محمود.. اسمك الحقيقي كان المفروض يبقى أحمد، على اسم جدي. أنا مش غني، وعايش في بيتي القديم في القلعة، بس لقمي حلال، وعمري ما نمت وظلمت حد.
مقدرتش أنطق، ركبت معاه تاكسي وأنا ساكت تماماً. طول الطريق كنت بفكر في هدى.. هدى اللي كانت بتصحي الفجر، وإيديها المحروقة، هدى اللي شالت سري وحمتني من حقيقة كانت هتدمرني، وأنا بكافأها بالطرد والطلاق عشان أرضي ناس باعوني من قبل ما اتولد.
وصلنا بيته.. بيت بسيط جداً بس مليان دفا. قعدت على الكنبة وأنا حاسس إني غريب عن نفسي. التفت لشاكر وقلتله بصوت مبحوح:
— هي هدى راحت فين؟
شاكر اتنهد وقعد جنبي:
— هدى رجعت بيت أبوها يا ابني. هدى ست بمليون راجل.. لما عرفت الحقيقة من أبوك إسماعيل الله يرحمه، ومن الممرضة اللي دليتني عليها، مكانتش عايزة تخرب بيتك. كانت بتقولي “يا عم شاكر، محمود ملوش ذنب، سيبه عايش في حضن أمه ومفتكر إن أبوه إسماعيل، وأنا هعوضه عن كل حاجة”. هدى كانت بتشيل القرش على القرش عشان تبني لك مستقبل، ولما لقت أمك بتوزك عليها وبتخطط تخلص منها، كتبت كل حاجة باسمها عشان تضمن إن الشقة متتسرقش منك ومنها.. بس إنت استعجلت وعميت عينك.
الندم كان بياكل في قلبي زي النار في الهشيم. قمت وقفت وقلتله:
— أنا لازم أروح لها.. لازم أركع تحت رجليها عشان تسامحني.
شاكر مسكني من كتفي وهزني جامد:
— مش دلوقتي يا محمود! هدى جرحها غويط، وإنت لسة مخلصتش حسابك القديم. فوق لنفسك.. الشقة اللي باسم هدى دي لازم تتفض، والورق اللي معاك لازم يروح للمحامي. أمك -توحيدة- وبنت خالتها مش هيسكتوا، ودلوقتي هيلعبوا في المليان عشان يداروا الفضيحة.
كلامه صحى فيا حاجة كانت ماتت. نزلت تاني يوم مع المحامي اللي هدى كانت موكلاه. لما دخلنا مكتبه، المحامي بصلي بأشفاق وقال:
— محمود.. هدى مش عايزة الشقة، هدى طلبت مني أبيع الشقة، وأرجع لها الفلوس اللي دفعتها من شقاها وتمن دهبها بالمليم، وباقي التمن -اللي هو تمن الأرض وتصريح البنا اللي باسمك وباسم أبوك إسماعيل- يتحط في حساب باسمك إنت.. عشان تبدأ بيه حياتك من جديد. هي بتقولك “أنا مش حرامية، أنا أخدت حقي وبس”.
دموعي نزلت قدام المحامي:
— مش عايز فلوس.. أنا عايز هدى.
المحامي هز راسه لورا وقال:
— هدى سافرت يا محمود.. أخدت شغل في مطعم كبير في الغردقة، وسابت البلد كلها.
في نفس اليوم بالليل، رجعت لشقة توحيدة.. الشقة القديمة اللي عشت فيها عمري كله. دخلت لقيتها قاعدة مع أختها (أم بنت خالتي) وبيخططوا. أول ما شافوني، أختها وقفت وقالت بجاحة:
— أهو المحروس جه.. شوف يا محمود، الفضيحة لو طلعت محدش هيتأذى غيرك. إنت مالكش اسم ولا ورث هنا، لو فتحت بوقك أو طردت بنتي من الشقة الجديدة، إحنا هنرفع قضايا ونثبت إنك ابن ملجأ ومليكش أي حق في ورث إسماعيل، وهنخليك تمشي في الشوارع تطلب اللقمة!
بصيت لتوحيدة اللي كانت باصة في الأرض ومش قادرة ترفع عينها فيا، وسألتها:
— للدرجة دي؟ 32 سنة تمثيل؟ كنتِ بتنامي إزاي وإنتِ عارفة إنك رامية ابنك الحقيقي وجايبة عيل من الملجأ عشان الفلوس؟
توحيدة عيطت وقالت:
— كنت خايفة يا محمود.. خايفة من إسماعيل وخايفة من كلام الناس.
ضحكت بوجع، وطلعت من جيبي الموبايل، وكنت مشغل التسجيل من أول ما دخلت. بصيت لأختها وقلت:
— قضايا إيه اللي هترفعوها؟ التسجيل ده، مع ورق هدى، مع تحليل الـ DNA اللي هعمله مع أبويا شاكر، هيوديكم في داهية بتهمة التزوير وتبديل الأطفال واختلاس الورث. الشقة الجديدة كدة كدة هتباع، وفلوس هدى هترجع لها.. وأنا مش عايز منكم ولا مليم، ولا عايز أشوف وشكم تاني.
سبتهم واقفين زي الأصنام وخرجت. رحت لبيت أبويا شاكر، وقضيت معاه أسبوع، أتعرف عليه وعلى دنيته، وأحاول أستوعب إني بقيت بني آدم جديد، باسم جديد، وتاريخ جديد.
بس كان فيه حاجة ناقصة.. حاجة مكانش ينفع أعيش من غيرها. بعد شهر، استلمت فلوسي من بيع الشقة بعد ما هدى أخدت حقها. أخدت شنطتي، وبصيت لشاكر وقلتله:
— أنا مسافر الغردقة يا أبويا.. مش هسيبها حتى لو فضلت طول عمري أطلب رضاها.
شاكر ابتسم وطبطب على كتفي:
— روح يا أحمد.. روح يا ابني، والي يحب بجد، مبيملش من التدوير.
وصلت الغردقة، والبحر كان قدامي واسع، بس قلبي كان أضيق من خرم الإبرة وأنا بدور في المطاعم على “هدى”.. الست اللي ضيعتها بغبائي، والرحلة لسة بتبدأ.
أيام الغردقة كانت بتمر عليا وكأنها سنين. كل يوم كنت بنزل من الصبح، ألف على المطاعم والفنادق، أسأل عن هدى.. الست اللي ملامحها الطيبة وصوتها وهما بيختفوا من حياتي كانوا أكبر عقاب ليا.
الناس هناك كانوا بيبصوا لواحد شايل في عينه كسرة وندم، ومعاه صورة قديمة ليها وهي واقفة قدام فرن العيش في بيتنا القديم، إيديها متغطية بالدقيق بس ضحكتها كانت مالية الوش. كل ما حد يقول لي “ما شفناش حد بالمواصفات دي”، كان قلبي بيتقبض، بس كلام أبويا شاكر كان بيرن في ودني: *”اللي بيحب بجد، مبيملش من التدوير”*.
بعد شهر ونص من اللف والتعب، دخلت مطعم سياحي كبير على الممشى. سألت مدير الصالة كالعادة ووريته الصورة. الراجل بص فيها شوية وقال لي:
— أيوة.. الأسطى هدى شغال معانا هنا في المطبخ الشرقي. بس هي مابتشامش حد وهي شغال، وممنوع الزيارات.
دقات قلبي سرعت لدرجة حسيت إنها هتطلع من صدري. قعدت على طربيزة في ركن بعيد، وقلت له:
— أنا مش هعمل مشاكل، أنا جوزها.. قصدي كنت جوزها، وهستناها لحد ما تخلص شفتها، بس أرجوك ما تقولهاش إني هنا عشان ماتمشيش.
قعدت ساعات، الساعات كانت بتمر كأنها دهور. وكل ما باب المطبخ يتفتح ويطلع منه ويدخل وويتر، كنت أشرئب برقبتي عشان ألمحها. وأخيراً، الساعة دقت واحدة بعد نص الليل. زباين المطعم مشيوا، والأنوار بدأت تخفت.
وفجأة.. الباب اتفتح، وخرجت هدى. كانت لابسة لبس الشغل الأبيض، لامة شعرها، وعلى وشها علامات إرهاق وتعب فكرتني بأيام شقتنا.. الشقة اللي اتهدت فوق دماغي ودماغ الكل.
وقفت من مكاني، ورجليا مكانتش شيلاني. مشيت خطوتين ناحيتها وناديت بصوت مخنوق:
— هدى..
هي اتسمرت في مكانها. الصوت مكانش غريب عليها. لفت ببطء، وأول ما عينيها جت في عيني، شفت صدمة ووجع، وبعدين ملامحها اتحولت لجمود تام. سحبت شنطتها وقالت بنبرة حادة وناشفة:
— إنت إيه اللي جابك هنا يا محمود؟ وعايز مني إيه تاني؟ مش كل حاجة خلصت؟
قربت منها وأنا بمد إيدي كأني بستنجد بيها:
— هدى، أنا مبقتش محمود.. أنا مبقاش ليا علاقة بالناس دول. أنا جيت أقولك إني عرفت كل حاجة، عرفت إنك كنتِ بتحميني، وإنك كنتِ بتشيلي عني كابوس كان هيقضي عليا. أنا بعت الشقة، وأمي وبنت خالتها خسروا كل حاجة، والتسجيلات وودتهم في داهية.. أنا جيت أقولك إني ندمان، ندمان لدرجة الموت يا هدى.
هدى رجعت خطوة لورا، وعينيها لمعت بالدموع بس حبستها بقوة:
— الندم مبيصلحش اللي اتكسر يا محمود.. إنت ملتفتش ليا وإنت بتطردني، مأثرش فيك 4 سنين شقى وعجن وحروق في إيدي. إنت أول ما أمك شاورت لك على واحدة “أحسن مني” بعتني في ثانية. إنت مكانش عندك أمان ليا.. والست ملهاش غير أمان جوزها، لو ضاع.. كل حاجة بتضيع.
نزلت على ركبي قدامها في وسط المكان، والدموع مغرقة وشي:
— اضربيني، اطرديني، اعملي فيا اللي إنتِ عايزاه.. بس ما تمشيش. أنا هفضل وراكي هنا، هشتغل أي حاجة جنب مطبخك، هكون ضلك، بس تديني فرصة واحدة أصلح بيها اللي عملته. أنا أبويا شاكر مستنينا في القلعة، مستني يلم شملنا بجد.
هدى بصت لي نظرة طويلة، نظرة كانت بتصارع فيها ما بين قلبها اللي حبني زمان، وبين كرامتها اللي أنا دست عليها. مسكت دموعها بالعافية، ولفت ضهرها ومشيت ناحية الباب الخارجي وهي بتقول بصوت مرتعش:
— فرصتك مكنتش هنا يا محمود.. فرصتك كانت يوم ما طلبت مني مفتاح الشقة واديتهولك. سيبني في حالي.. سيبني أبني حياتي من جديد بعيد عنك وعن أهلك.
خرجت وقفت تاكسي وركبت، وأنا جريت ورا التاكسي في الشارع لحد ما اختفت وسط عربيات الغردقة.
رجعت الأوضة الصغيرة اللي مأجرها، قعدت في الضلمة وأنا بفتكر كل كلمة قالتها. بس المرة دي مكنتش هضعف ولا هسافر. الصبح طلع، وكنت واقف قدام المطعم من تاني، مستني شفتها يبدأ. عرفت مكان بيتها، وعرفت مواعيدها، وبقيت بتمشى وراها من بعيد لبعيد، بحمي ضهرها من غير ما أقرب عشان ما تضايقش.. كنت بشتري من المطعم أكل وأوزعه على المحتاجين بس عشان أضمن إن شغل إيديها شغال ومكسبها بيزيد.
وفي يوم، وأنا واقف بعيد براقبها وهي راجعة بيتها بالليل، طلع عليها اتنين قطاع طرق في ضلمة الشارع الجانبي، واحد منهم مسك شنطتها والتاني زقها في الأرض.
صرخت بكل صوتي وجريت كالمجنون:
— هدىىىى!
ودخلت وسطهم وأنا مش شايف قدامي، الضرب كان نازل عليا من كل ناحية، بس كنت حاجبها بجسمي كله، ودمي بدأ يسيل على الأرض وهي بتصرخ باسمي.. المرة دي بخوف حقيقي عليا.
الضربة الأخيرة جت على راسي، الدنيا اسودت في عيني ووقعت على الأرض، بس كنت سامع صوت هدى وهي بتصرخ بهستيريا وبتنادي على الناس. الحرامية جريوا لما شافوا دمي سايح على الأسفلت والناس بدأت تتجمع.
فتحت عيني بصعوبة، لقيت نفسي في المستشفى، والأنوار البيضاء زغللت عيني. أول حاجة دورت عليها كانت هدى.. لقيتها قاعدة على الكرسي جنب السرير، عينيها حمرا من العياط وهدومها عليها آثار دمي. أول ما شافتني فتحت عيني، وقفت ودموعها نزلت تاني:
— أحمد.. إنت كويس؟ الدكتور قال الجرح غويط بس ربنا سترك.
لما نادتني بـ “أحمد” -اسمي الحقيقي اللي أبويا شاكر قالهولي- عرفت إنها بدأت تشوفني بني آدم جديد، مش محمود اللي خذلها. مسكت إيدها براحة، وكانت بتترعش، وقلت بصوت تعبان:
— أنا كويس طول ما إنتِ بخير يا هدى.. الشنطة رجعت لك؟
هدى عيطت بحرقة وقعدت على طرف السرير:
— ملعونة الشنطة وملعون أي حاجة تضيعك مني! إنت كنت هتموت بسببي يا أحمد؟ بعد كل اللي عملته فيا بتفدي ضهرك بيا؟
بصيت في عينيها وقلت:
— أنا فديت عمري اللي ضاع.. الـ 4 سنين اللي شقيتيهم عشاني كانوا دين في رقبتي، والدم ده أقل حاجة أقدمها عشان أثبت لك إني مستعد أموت ولا إن حد يمسك بأذى. أنا مبقاش ليا في الدنيا دي غير أبويا شاكر.. وإنتِ.. لو مش هتسامحيني، سيبيني أحرسك من بعيد، بس متبعديش.
هدى سكتت، وبصت لإيدي المحروقة من الخناقة، وبعدين رفعت عينيها وقالت بنبرة صفت تماماً من كل قسوة:
— أنا عمري ما كرهتك يا أحمد.. أنا كنت مجروحة، والوجع من القريب بيموت. بس لما شفتك بترمى نفسك في النار عشاني، عرفت إن محمود الأناني مات، وإن الراجل اللي واقف قدامي دلوقتي يستاهل أبدأ معاه من جديد.
بعد أسبوع، خرجت من المستشفى وأنا ماسك إيد هدى. م رجعناش الشقة القديمة ولا تمنها، الفلوس اللي أخدتها من بيع الشقة حطيتها في مشروع مطعم صغير باسم هدى هنا في الغردقة، عشان يبقى أول مسمار في بيتنا الجديد الحلال اللي مفيش فيه طمع ولا كذب.
اتصلت بأبويا شاكر، وأول ما سمع صوتنا مع بعض، بكى وقال:
— البيت مستنيكم يا ولاد.. القلعة منورة بيكم.
سافرنا له، ودخلنا بيته البسيط. أمي توحيدة وبنت خالتها سابوا البلد بعد الفضيحة المحلية والتحقيقات اللي تمت معاهم بسبب التزوير، وربنا جاب حق إسماعيل الله يرحمه وحقنا من غير ما نلوث إيدينا.
وقفت مع هدى وأبويا شاكر في بلكونة بيته القديم، الهوا كان نقي وصافي. بصيت لهدى اللي كانت مبتسمة وهي شامة ريحة العجين والخبز اللي طالع من بيوت القلعة، وحضنت إيدها المحروقة من الفرن القديم وقلت:
— المرة دي يا هدى.. هيبقى لينا بيت بجد، مبني على نظافة، وإنتِ ست الكل فيه.
ضحكت وقالت:
— وطالما إيدنا في إيد بعض.. يبقى دخلنا الجنة واحنا في الدنيا.
