حكايات زهره الربيع 3
قلبي انقبض في اللحظة دي، وبصيت ناحية العربية السودا اللي طارق مشاور عليها. كانت واقفة بعيد شوية عن أضواء الفرح، ومفيهاش أي حركة، بس الإزاز المتفيم كان بينزل ببطء شديد. من جوة الضلمة اللي في العربية، ظهر وش أنا مكنتش متوقعة أشوفه أبداً.. طليقة حامد الأولى! الست اللي كانت مرفوع ليها قضايا تعذيب وشروع في القتل في الورق اللي كشفت بيه حامد.
ملامحها مكانتش بتنطق شر، بالعكس، كانت بتبصلي بنظرة مليانة حسرة ورعب، وأول ما عيني جت في عينيها، شاورتلي بإيدها وهي بترتعش، كأنها بتستغيث بيا أو عايزة تقولي سر خطير ومستحيل تنزل من العربية تقوله قدام الناس.
طارق لقط الإشارة وبص لصبي مكتبه وقال بصوت حازم: “روح اقف جنب العربية دي، ومتخليش حد يقرب منها لحد ما أشوف في إيه.” التفت ليا وطمن حركتي وهو بيضغط على إيدي: “ندى، خليكي مكانك وسط أهلك والجيران، أنا هروح أشوف الست دي جاية ليه في وقت زي ده.”
قولتله بسرعة وإصرار: “لأ يا طارق، الست دي جاية عشاني أنا، الإشارة كانت ليا.. أنا هاجي معاك.”
مشينا وسط زغاريد الناس وسلاماتهم اللي مكنتش بتنتهي، بنتحرك ببطء علشان ملفتش نظر حد، لحد ما وصلنا ورا الكوشة وقربنا من العربية. طارق وقف قدام الباب والست نزلت الإزاز على آخره. وشها كان شاحب وتحت عينيها سواد رهيب، وبمجرد ما شافتني، دموعها نزلت وقالت بصوت مخنوق ومبحوح: “آنسة ندى.. أنا جيت عشان أنقذك، وجيت لطارق بيه لأني عارفة إنه المحامي الوحيد اللي وقف ضد حامد.”
طارق سألها بحدة: “أنتي إيه اللي جابك هنا يا مدام نجوى؟ أنتي مش المفروض في بلد تانية بعيد عن مشاكل حامد؟”
نجوى عيطت وقالت: “حامد مش هيسيبكم.. حامد اتمسح بكرامته الأرض قدام المنطقة وأهله، وعيلته قاطعتوه بعد الفضيحة والتقارير الطبية اللي ندى نشرتها. حامد اتقلب لوحش ملوش ملامح.. هو مأجر ناس وناوي على مصيبة النهاردة.”
جسمي قشعر وبصيت لطارق اللي ملامحه اتحولت لكتلة من الغضب والتركيز، نجوى كملت بسرعة وهي بتلتفت وراها برعب: “هو كان فاكر إن ندى هتقعد تعيط على حظها، لكن لما عرف إن فرحها النهاردة وعلى المحامي اللي حبس أخته ومرات أبوها، عقله طار.. أنا عرفت بالصدفة من واحد من قرايبه إنه دافع لبلطجية فلوس عشان يجوا يهدوا الفرح، ويشوهوا وش ندى بماء نار وسط الزحمة عشان يكسر فرحتكم!”
في اللحظة دي، حسيت الدنيا بتلف بيا. الوشوش اللي في الفرح، الأضواء، صوت الأغاني، كل حاجة اتقلبت لتهديد مرعب. حامد مش بس عايز ينتقم، ده عايز ينهي حياتي بالطريقة اللي تشفي غليله القذر.
طارق مسك كتافي بكل قوة، وبص في عيني وقال بنبرة زلزلت الخوف اللي جوايا: “ندى.. بصي في عيني. طول ما أنا عايش على وش الدنيا، مفيش مخلوق هيلمس شعرة منك. الفرح ده هيكمل، والكلاب دول هيقعوا في شر أعمالهم.”
التفت لنجوى وقالها: “امشي أنتي فوراً يا نجوى ومتقلقيش، وشكراً ليكي.” العربية اتحركت بسرعة، وطارق طلع تليفونه وعمل مكالمة قصيرة جداً لواحد من معارفه في مديرية الأمن: “يا فندم، البلاغ اللي قدمته الصبح بخصوص تهديدات حامد طلع بجد، ورجالته متحركين على الفرح دلوقتي.. أنا محتاج قوة الدعم فوراً وبدون شوشرة.”
رجعنا للفرح.. كنت بحاول أبتسم وأجاري الناس، بس عيني كانت بتلف على كل وش غريب يدخل الشارع. بعد عشر دقائق بالظبط، وأنا واقفة برقص مع أصحابي وبحاول أتناسى الرعب، لقيت تلات رجالة بشكلهم غريب ولابسين جواكت واسعة داخلين من مدخل الشارع، عيونهم مكانتش على الكوشة ولا على طارق.. عيونهم كانت مركزة عليا أنا، وواحد منهم كان حاطط إيده جوة جيبه ومثبتها على حاجة تانية!
لمحت طارق بيبصلي من بعيد ويديني إشارة بعينه إني أثبت ومتحركش. الرجالة بدأوا يزقوا الناس ويدخلوا وسط حلقة الرقص، وفي اللحظة اللي الراجل مد إيده وطلع زجاجة صغيرة من جيبه وفتحها وهو بيجري عليا بكل غل..
الشوارع الجانبية اتقلبت! أفراد أمن بملابس مدنية هجموا عليهم زي الصقور، وقبل ما الراجل يرفع إيده بالزجاجة، كان دراعه مكسور تحت رجلين ظابط المباحث اللي نزل فيه ضرب، والزجاجة وقعت على الأرض وطلعت نار ودخان حرق الأسفلت.. كانت فعلاً مية نار!
الشارع كله صرخ، والفرح اتقلب لهرج ومرج، والبلطجية التانيين انضربوا واتكتفوا في ثواني قدام ذهول الجيران وأبويا وأخويا اللي جريوا عليا وهم مرعوبين.
طارق جالي جري، حضني قدام الكل وهو بيتنفس بصعوبة، وبص للظابط وقاله: “هما دول يا فندم؟”
الظابط رد وهو بيكلبش الراجل: “دول البلطجية يا طارق بيه، وفي قوة تانية قبضت على حامد نفسه في العربية اللي كانت مستنياهم على أول الشارع الكبير.. القض//ية دي هتقفله جناية شروع في قتل وتشويه، ومش هيشوف النور تاني.”
أبويا سالم وقف يرتعش وبص لمية النار اللي على الأرض وبصلي، ودموعه نزلت وهو بيقول: “حسبي الله ونعم الوكيل.. كانوا عايزين يموتوكي يا بنتي؟ أنا السبب.. أنا اللي فتحتلهم الباب.”
قربت منه ومسكت إيده وقولتله: “ربنا ستر يا بابا.. والشر دايما آخره حفرة بيقع فيها صاحبه.”
طارق وقف في نص الشارع، وبص للناس اللي كانت ملمومة ومصدمومة، وقال بصوت عالي سمعه الكل: “يا جماعة.. الفرح هيكمل! الشر اتمسح من شرف منطقتنا للابد، وحق ندى رجع تالت ومتلت والكلاب في السجن.. شغلوا الأغاني والزغاريد، الليلة دي ليلة النصر الكبيرة!”
الناس صقفت وبدأت تظأر بالزغاريد من جديد، بس المرة دي الفرحة كانت حقيقية وبتهز الأرض. طارق مسك إيدي وطلعنا على الكوشة، وبصلي وقال: “شايفة يا ندى؟ طول ما إحنا مع بعض، مفيش عاصفة هتقدر تكسرنا.”
ضحكت من كل قلبي وأنا شايفة حامد وأعوانه بيتجروا في البوكس برة الشارع، وعرفت إن الرحلة لسه طويلة، وإن الحياة مع طارق مش هتبقى هادية.. بس هتبقى دايماً مليانة قوة وعزة. ومكنتش أعرف إن الفضول اللي عند الجيران هينقلب لقصة تانية خالص لما تظهر مفاجأة جديدة في اليوم التالي للفرح تدمر كل الترتيبات اللي كنا ناويين نعملها..
في الصباحية، صحيت على صوت زقزقة العصافير ونور الشمس اللي داخل شقتنا الجديدة اللي طارق اختارها ليا في مكان هادي وراقي. كنت حاسة براحة مكنتش دقتها من سنين، كأن جبل كان شايل على ضهري وانزاح. بصيت لطارق وهو نايم بملامحه الهادية، وحمدت ربنا إن عوضه جالي في الوقت المناسب، وبشروطي أنا.
لكن الهدوء ده مش مكتوب له يدوم طويل في حياتي. الساعة مجتش عشرة الصبح، وتليفون طارق بدأ يرن بهستيريا ومفصلش. طارق صحى مخضوض، رد على التليفون ووشه بدأ يتغير وملامحه تتشد، وبقى يقول بصوت واطي: “أنت بتقول إيه؟ إزاي ده حصل؟ ومين اللي سمح بكده؟”
قعدت على السرير وبصيت له بقلق: “في إيه يا طارق؟ خضيتني.. حامد هرب ولا إيه؟”
طارق قفل التليفون وبصلي بنظرة فيها حيرة وغموض، وقالي: “لأ، حامد متكتف في التخشيبة والنيابة بدأت التحقيق معاه وجنايته مقفولة.. المصيبة مش من ناحية حامد.”
سألته بذهول: “أومال في إيه؟ مين اللي بيتصل دلوقتي؟”
طارق أخد نفس طويل وقال: “ده سالم أخوكي.. بيقول إن في مصيبة حصلت في بيت أبوكي من ساعتين، والشرطة هناك دلوقتي!”
بسرعة غيرنا هدومنا ونزلنا. طول الطريق كنت حاطة إيدي على قلبي، وسالم أخويا عمال يتصل ويستعجلنا وصوته باين فيه الرعب والذهول. أول ما وصلنا الشارع بتاعنا، لقيت عربيات الشرطة واقفة قدام البيت، والناس والجيران ملمومين أكتر من وقت الفرح، والكل عمال يهمس ويبص لفوق.
جرينا ودخلنا البيت، وطلعنا شقة أبويا. أول ما دخلت الصالة، لقيت الشقة مقلوبة رأس على عقب، الكراسي مكسرة، والدواليب مفتوحة والهدوم مرمية في كل مكان، وأبويا قاعد على الكنبة وحاطط راسه بين إيديه وبيعيط بحرقة، وسالم أخويا واقف مع ضابط المباحث.
جريت على أبويا: “في إيه يا بابا؟ إيه اللي حصل هنا؟ حرامي دخل الشقة؟”
أبويا رفع راسه وبصلي بدموع وعجز: “يا ريت كان حرامي يا ندى.. يا ريت كان حرامي وخد الفلوس وسابنا في حالنا.”
التفتت لسالم بغضب: “اتكلم يا سالم، في إيه؟”
سالم بلع ريقه وبص لطارق وقال: “الصبح بدري، الباب خبط جامد.. افتكرت حد من الجيران جاي يبارك، أول ما فتحت لقيت اتنين رجالة أشكالهم غريبة ووراهم ست مغطية وشها.. زقوني ودخلوا الشقة بهستيريا وبدأوا يكسروا ويفتشوا في كل حبر وتوبة في الحيطان.. الست دي رفعت الغطا عن وشها.. وطلعت (سعاد).. الست الكبيرة، أخت مرات أبوكي اللي هربانة!”
طارق قرب من الظابط وقاله: “يا فندم، الستات دول المفروض محبوسين على ذمة قضايا سرقة ونصب، وأختها هربانة.. إيه اللي جابهم هنا؟”
الظابط طلع ورقة صغيرة كانت معاه وقال لطارق وليا: “الموضوع أكبر من سرقة ونصب يا طارق بيه.. الستات دول لما حسوا إن حبل المشنقة بيقرب منهم بعد حكم المحكمة، وأختها عرفت إن ندى كشفت حساباتهم، قرروا يلعبوا آخر كارت عندهم.. سعاد هجمت على الشقة عشان تدور على (مذكرات قديمة) تخص أم ندى الله يرحمها!”
قلبي سقط في رجليا.. أمي؟ مذكرات أمي؟ أنا أمي ماتت وأنا صغيرة، ومكنتش أعرف إنها سابت وراها أي حاجة مكتوبة.
الظابط كمل وقال: “سعاد وهي بتتفتش اتمسك معاها صندوق خشبي صغير كانت مطلعاه من ورا دولاب قديم في أوضة النوم.. الصندوق ده فيه ورق ورسائل قديمة مكتوبة بخط أمك يا ندى.. والظاهر إن الورق ده فيه سر خطير، سعاد كانت جاية تاخده وتساومكم بيه عشان تتنازلوا عن قضايا السرقة والنصب، ولما ملقتش الصندوق في الأول قلبت الشقة لحد ما الجيران بلغونا.”
قربت من الظابط وإيدي بتترعش: “والصندوق فين دلوقتي يا فندم؟”
الظابط حط الصندوق الخشبي القديم على الترابيزة.. كان عليه تراب السنين، ومقفول بقفل حديدي صَدِئ.
أبويا لما شاف الصندوق، شهق وبكى بصوت عالي وقال: “لأ.. لأ يا ندى متفتحيش الصندوق ده! أمك طلبت مني أدفنه معاها وأنا نسيت، شيلوه من هنا.. السر ده لو طلع هيخرب كل حاجة!”
طارق بص لأبويا بنظرة حازمة، وبعدين بصلي وقالي: “ندى.. ده حقك، ودي حاجة تخص أمك.. أنتي الوحيدة اللي ليكي الحق تفتحي الصندوق ده وتعرفي الستات دول كانوا عايزين يبتزوكي بإيه.”
مديت إيدي، ومسكت القفل الصديء، وبكل قوتي وبتشجيع من نظرات طارق، كسرته وفتحت غطا الصندوق..
وجوه الصندوق، مكنش فيه ورق عادي.. كان فيه شهادة ميلاد قديمة جداً، وصورة لأمي وهي حاضنة طفلة رضيعة، وورقة مكتوبة بخط إيد أمي المهزوز قبل ما تموت بأيام، مكتوب فيها كلام خلاني أتسمر في مكاني، وعيني تتسع بصدمة زلزلت كياني كله، وخلت طارق وأخويا سالم يبصوا لبعض وهم مش مصدقين الكارثة اللي قريناها..
الورقة كانت بتترعش في إيدي، والحروف المكتوبة بخط أمي الله يرحمها كانت باهتة كأنها مكتوبة بالدموع. بدأت أقرأ بصوت مخنوق والكل مسطول من الصدمة:
> “إلى بنتي وحبيبتي ندى.. لما تقرأي الجواب ده هكون بين إيدين ربنا. أنا عشت عمري كله شايلة سر هيموت معايا، بس خايفة الدنيا تدور عليكي ويجي يوم تتظلمي بسببه. يا ندى.. سالم اللي عايشة معاه في البيت وطول عمرك فاكرة إنه أخوكي الصغير.. هو مش أخوكي! سالم طفل رضيع أنا لقتُه قدام باب جامع وخدته ربيته بعد ما الدكاترة قالوا لي إني مش هخلف تاني، وسجلناه باسم أبوكي علشان أمنع عنه كلام الناس. لكن المعجزة حصلت، وبعدها بسنتين ربنا رزقني بيكي أنتي.. أنتي بنتي الحقيقية ولحمي ودمي الوحيد في الدنيا دي. أبوكي سالم عارف الحقيقة، وعشان كده بعد ما مت جري اتجوز الست دي علشان تداري على السر، والبيت ده والشقة دي ورثك أنتي لوحدك شرعاً وقانوناً، وسالم ملوش فيه مليم..”
>
الورقة وقعت من إيدي على الأرض. الصالة اتقلبت لسكوت قاتل، سكوت أرعب من صوت الرصاص.
بصيت لأخويا.. أو اللي كنت فاكراه أخويا.. سالم كان واقف وشه أبيض كفَن، عينيه بتتحرك في كل اتجاه وهو مش مستوعب، بص لأبويا وصرخ بصوت شرخ قلبي: “الكلام ده صح يا بابا؟ أنتوا ضحكتوا عليا طول العمر ده؟ أنا مش ابنكم؟ أنا لقتوني قدام جامع؟!”
أبويا دارى وشه بين إيديه وانفجر في العياط بنحيب يقطع القلب: “سامحني يا ابني.. أمك الله يرحمها كانت بتعشقك ومحبتش تكسر بخاطرك، ولما ندى كبرت وبقت شابة، أنا ضعفت وخفت الحقيقة تطلع وتتحرم من الميراث.. ومرات أبوكم لما عرفت السر ده بالصدفة من ورايا، بدأت تبتزني وتلقح كلام على ندى عشان تخلص منها وتجوزها لحامد، عشان الشقة تصفى ليها ولسالم وتضمن إن ندى متطالبش بحقها الشرعي لو عرفت الحقيقة!”
الظابط أخد الورق وشهادة الميلاد وضمه لملف القض//ية وبص لطارق وقاله: “كده الخيط اكتمل يا طارق بيه.. سعاد وأختها كانوا عايزين الورق ده عشان يهددوا بيه ندى ويسامحوها في قضايا النصب، أو يفضحوا سالم ويكسروا عيلتكم.. الستات دول حسابهم هيتقل في النيابة.”
الشرطة أخدت سعاد وخرجت، وأبويا قعد في الأرض مش قادر يقف على رجليه.
سالم بصلي بدموع مالية وشه، دموع طفل تاه من أهله في ثانية، قرب مني بخطوات مرعوبة وقال بصوت بيترعش: “ندى.. أنا.. أنا والله ما كنت أعرف حاجة.. أنا كنت فاكر نفسي أخوكي بجد.. الشقة والورث وكل حاجة بتاعتك، أنا هلم هدومي وأمشي ومستعد أشتغل خدام تحت رجليكي بس متكرهينيش.. أنتي الحاجة الوحيدة النظيفة اللي طلعت بيها من الدنيا دي.”
قلبي وجعني عليه.. رغم كل اللي عمله، ورغم إنه ساب مراته ومرات أبويا يظلموني، بس في النهاية هو كمان ضحية زيي.. ضحية مجتمع وأب سلبي وستات معندهمش رحمة.
قربت منه، ومسكت إيده جامد وقولتله بدموع: “تقعد فين وتمشي تروح فين يا سالم؟ أنت عشت طول عمرك أخويا، وهتفضل طول عمرك أخويا وسندي.. السر ده مات واندفن هنا في الصالة دي، والورث اللي أمي سابتهولي، نصه ليك ونصه ليا.. إحنا ملناش ذنب في أخطاء الكبار.”
سالم انهار وحضن ركبتي وهو بيعيط بحرقة، وأبويا بصلي بنظرة ذهول وهو مش مصدق إن البنت اللي ظلموها وقالو عليها “ملهاش فايدة”، هي الوحيدة اللي صانت شرف العيلة وجمعت شملها بعد ما كل أقنعة الغدر سقطت.
طارق قرب مني، وحط إيده على كتفي وبصلي بنظرة فخر وإعجاب هزت كياني، وقال بصوت مليان حب واحترام قدام أبويا وأخويا: “أنا كل يوم بتاكد إني اخترت صح يا ندى.. أنتي مش بس نصرتي نفسك، أنتي نصرتي الحق وكبرتي عيلتك في وقت كانوا هما السبب في هدمها.”
أخدت نفس عميق وبصيت لشقة أمي المقلوية، وحسيت إن روحي أخيرًا ارتاحت.
الشرور كلها اتمسحت؛ مرات أبويا ومرات أخوها وسعاد في السجن بيقضوا عقوبتهم، وحامد اتدمرت حياته ومستقبله وراء القضبان بجناية شروع في قتل وتشويه..
وأنا؟ أنا ندى.. البنت اللي كملت تلاتين سنة، وخرجت من زنزانة الظلم والقهر، لتبدأ حياتها الحقيقية.. شريكة لأكبر محامي، وصاحبة شركتها الخاصة، والأهم من ده كله.. ست بمليون راجل، راسي بتطول السما، وعمري ما هطأطأ راسي لمخلوق بعد اليوم.
مريت بالعاصفة، وخرجت منها مش بس سليمة.. خرجت منها ملكة!