ابني الكبير حكايات حماده هيكل1
ابني الكبير شغال بره مصر، ومفروض ينزل إجازة أول شهر ٨ بعد غياب طويل. وسايب مراته وعياله عايشين معانا في نفس البيت. هي ليها شقتها فوق، لكن كانت بتنزل كل يوم من الصبح تقعد معايا، نفطر سوا ونطبخ سوا، وتفضل طول النهار لحد ما تطلع تنام بالليل.
الدنيا كانت ماشية هادية… لحد اليوم اللي قلب البيت كله.
في اليوم ده، مرات ابني التاني كانت في شغلها، وابني الصغير رجع من الأرض جعان. فقال لمرات أخوه:
“لو سمحتي حطيلي الغدا.”
هي فعلاً حطتله الأكل، لكنه كان بيتكلم في التليفون أكتر من نص ساعة. ولما جه ياكل، بص في الطبق وقال بعصبية:
“إيه ده؟! الأكل بارد.”
قالتله بهدوء:
“كان سخن، بس إنت اللي اتأخرت عليه.”
قالها:
“طب سخنيه.”
ردت:
“مش هينفع… ابني الصغير بيعيط وأنا لازم أشوفه.”
الكلمة جابت كلمة… والصوت علي… وكل واحد بقى بيزعق للتاني.
وفجأة… ابني فقد أعصابه.
مد إيده… وضربها بالقلم.
أول ما شفت المنظر جريت بينهم، لكن كان خلاص كل حاجة انتهت.
هي دخلت أوضتها، ولمت هدومها هي والعيال، ومن غير ما تبص لحد قالت:
“أنا راجعة بيت أبويا… ومش هرجع هنا إلا لما جوزي ينزل من السفر.”
حاولنا نهديها… حاولنا نفهمها إن اللي حصل غلط وهي لها حق تزعل، لكن برضه مينفعش البيت يتهد بسبب لحظة عصبية.
لكن ولا كلمة أثرت فيها… وخرجت.
ومن ساعتها والبيت بقى ناقصه الروح.
بعد كام يوم ابني كلمني من السفر، وقال:
“يا أمي، خدي من أخويا جزء من فلوسي ووديهم لمراتي… هي معاها عيالي ومينفعش تحتاج حاجة.”
أنا رفضت.
قولتله:
“طالما هي اللي سابت البيت بمزاجها، تقعد عند أهلها يبقى أهلها يصرفوا عليها لحد ما ترجع. إنت مالكش ذنب في اللي حصل.”
سكت شوية… وبعدين قال كلمة هزتني:
“دي مراتي يا أمي… حتى لو زعلانة مني أو من الدنيا كلها، حقها وحق عيالي في رقبتي. أنا مش هقطع عنهم جنيه واحد.”
لكن أنا كنت شايفة إن لو وافقت أبعتلها الفلوس، هتحس إن اللي عملته صح، وإن أي خلاف بعد كده هتاخد العيال وتمشي، وهي عارفة إن مصاريفها هتوصلها لحد عندها.
ومن يومها والخلاف بيني وبين ابني بيكبر.
كل مكالمة تنتهي بزعل.
وهو مصر إنه هيلاقي أي طريقة يبعتلها الفلوس، حتى لو من ورايا.
وأنا متمسكة برأيي… ومقتنعة إني بحافظ على هيبة البيت وعلى الأصول اللي اتربينا عليها في الريف.
لكن اللي مكنتش أعرفه…
إن قبل معاد نزول ابني بأيام قليلة، حصل شيء قلب الموازين كلها…
وساعتها بس… الحقيقة الكاملة بدأت تظهر، وكل واحد فينا اكتشف إنه كان فاهم جزء صغير جدًا من الحكاية…
مرت الأيام والبيت كأنه قصر مهجور، الصمت فيه بقى يوجع أكتر من صوت الخناق. مكالمات ابني الكبير من الغربة بدأت تقل، ولما كان بيكلمني، كنت بحس في صوته بنبرة كسر وخذلان عمري ما شفتها فيه من يوم ما وُلد. كان حابس نفسه بين نارين؛ نار الغربة والشقى عشان يأمّن مستقبله، ونار مراته وعياله اللي اتهانوا في غيابه، والفلوس اللي مش عارف يوصلها لهم بكرامة.
قبل نزول ابني بأسبوع واحد بس، كانت البلد كلها بتتكلم عن رجوعه. وفي يوم العصر، لقيت خبط ورزع جامد على باب البيت. جيرانا داخلين ووجوهم مخطوفة، ومعاهم ابني الصغير -اللي ضرب مرات أخوه- وهو ساند على كتافهم، هدومه غرقانة دم ووشه أصفر زي الليمونة.
وقعت من طولي وأنا بصرخ: “جرى إيه يا ابني؟! مين اللي عمل فيك كده؟!”
واحد من الجيران رد عليا وهو بيحاول يهديني: “يا حجة، ابنك عمل حادثة بالموتوسيكل وهو راجع من الأرض، اتقلب في الترعة ولولا ستر ربنا والناس لحقوه كان زمانه في عداد الأموات، هو كويس بس جروح في دماغه وكسر في رجله.”
نيمناه في سريره، والدنيا لفت بيا. البيت اللي كان شايلنا كلنا، مبقاش فيه يد حنينة تساعدني. مرات ابني التاني في شغلها طول النهار، وأنا ست عجوزة ركبي مش شايلاني، ومصاريف العلاج والأدوية كانت تقيلة. وفي وسط الكركبة دي، رن تليفون البيت. كان ابني الكبير.
رديت عليه وأنا ببكي وبقوله على حادثة أخوه. سكت طويلًا، وافتكرت إنه هيشمت أو يقولي “ده ذنب مراتي”، لكنه قال بصوت مخنوق: “سلامة أخويا يا أمي، ربنا يشفيه ويعافيه.. أنا نازل كمان يومين، والفلوس اللي كنت عايز أبعتها لمراتي، خديها كلها واشتري بيها علاج لأخويا وأكلوه منها لحد ما أنزل.. مراتي وعيالي ربنا مش هيضيعهم.”
الكلمة نزلت على قلبي زي الصاعقة. ابني اللي كنت فاكرة إنه اتغير وعايز يكسر كلامي، طلع شايل همنا ومصون أصلنا حتى وهو مجروح مننا.
تاني يوم الصبح، وأنا قاعدة جنب ابني الصغير وهو بيئن من الوجع ومش قادر يتحرك، لقيت الباب الخارجي بيفتح بالراحة. افتكرت حد من الجيران، لكن الصدمة كانت لما شفت “مرات ابني الكبير” داخلة من الباب.
ملامحها كانت تعبانة، باين عليها قلة النوم، لكن في إيدها كانت شايلة شنطة فيها خضار وفاكهة وفراخ. دخلت لحد أوضة ابني الصغير، بصت له وهو مكسور على السرير، ودموعها نزلت. من غير ما تقف ولا تعاتب، حطت الشنطة على التربيزة وقربت مني، بوست راسي وقالت بصوت واطي: “حماتي.. أنا عرفت باللي حصل لأخو جوزي. الأصول بتقول إن لو البيت اتهز، ميتوجعش في وقت الشدة. أنا جيت أخدمكم لحد ما جوزي ينزل، وبعدها هو اللي يحكم بيننا.”
أنا وقفت مذهولة، والدموع جمدت في عيني. ابني الصغير، اللي كان نايم مش قادر يرفع عينه فيها من الكسوف والندم، غطى وشه بإيده وبدأ يبكي زي العيل الصغير ويقول: “سامحيني يا أميرتي.. أنا انعميت من الشيطان.. حقك فوق راسي.”
لكن الحقيقة الكاملة مكنتش بس في شهامة مرات ابني ولا في طيبة قلب الكبير.. الحقيقة الصادمة ظهرت لما مرات ابني قعدت معايا وقالتلي كلام عمري ما كنت أتخيله عن الشهور اللي فاتت كلها، وعن سبب العصبية اللي كانت مشحونة في البيت من قبل خناقة الأكل البارد بكتير..
