حكايات زهره الربيع 2
نظرة زينب ليا كانت زي سكين بردت دمي في عروقي. ليلى بنتي كانت بتترعش جنبي، وصوت شهقاتها المكتومة كان ممكن يفضحنا في أي لحظة. الظابط بدأ يتحرك وجاب خبير ألماظ كان قريب من التجمع، والأجواء في الصالون بقت مشحونة وريحة الفضيحة مغطية على ريحة أغلى العطور.
نيرمين كانت واقفة منهارة، برستيجها اتمسح بالأرض، والستات اللي كانوا من دقيقة بيبوسوها وينافقوها، بقوا واقفين يبصوا لها بنظرات شماتة وهمس مش بيخلص.
الظابط التفت لصاحب الفيلّا (أخو نيرمين اللي كان حاضر) وقاله بنبرة حازمة:
“يا فندم، لحد ما الخبير يوصل، إحنا محتاجين نراجع كاميرات المراقبة اللي في الصالون والحديقة، عشان نعرف العقد ده وصل لشنطة الشغالة إزاي.. لو كلامها صح والعقد فالصو، ففيه حد هنا بيتبلى عليها، أو فيه سر تاني إحنا مش فاهمينه.”
الكلمة دي لما طلعت من بق الظابط، ليلى بنتي حطت إيدها على بوقها ورجليها مالت، لولا إني سندتها بكل قوتي. الكاميرات! الفيلّا مليانة كاميرات مخفية وظاهرة لتأمين الحفلة. لو فتحوا التسجيلات، الكل هيشوف ليلى وهي بتمد إيدها وبتسرق العقد، والكل هيشوفني أنا وأنا بغرس العقد في شنطة زينب الغلبانة.. ساعتها مش بس مستقبل بنتي اللي هيضيع، إحنا هندفن حيين اجتماعيًا!
في وسط الدوشة دي، زينب قربت من الظابط وقالتله بذكاء شديد:
“يا فندم، قبل ما تشوفوا الكاميرات.. أنا عايزة أقول حاجة. الشنطة بتاعتي دي كانت محطوطة في الركن اللي جنبه البوفيه، يعني أي حد من المعازيم أو من الخدم كان يقدر يعدي ويحط فيها العقد من غير ما أحس. وأنا مصلحتي إيه أسرق عقد فالصو وأنا كاشفاه من أول الحفلة؟”
عينيها وهي بتتكلم جت عليا تاني، ولمحت طيف ابتسامة خبيثة على وشها. هي كانت عارفانا! كانت عارفة إن ليلى هي اللي خدته، أو يمكن شافتني وأنا بحطه بس سكتت عشان تلعب اللعبة دي وتكسر نيرمين هانم الأول، ودلوقتي جه الدور علينا.
لقيت زينب بتتحرك براحة ناحية التربيزة اللي واقفة جنبها أنا وبنتي، وقفت قريبة مننا قوي، ووطت صوتها بحيث محدش يسمعها غيرنا وقالت بنبرة فحيح الأفاعي:
“الستر غالي قوي يا هانم.. وبنتك لسة صغيرة ومستقبلها في أوله، حرام يضيع في دقيقة غباء.. الكاميرات لو اتفتحت، الكل هيروح في داهية.. تفتكري السكوت بتاعي ده يساوي كام؟”
الدم هرب من وشي كأن عزرائيل واقف قدامي، دقات قلبي بقت مسموعة لدرجة كنت خايفة الظابط نفسه يسمعها. ليلى بنتي بكت من غير صوت، ومسكت في فستاني بقوة وهي بتكتم شهقاتها بالعافية. الست الغلبانة اللي كنت فاكرة إني هشتري سكوتها بكام ألف جنيه بعد الحفلة، هي اللي بقت ماسكة حبل المشنقة وبتلفه حوالين رقبتنا.
بصيت لزينب وعيوني كلها رجوع وخوف، ووطيت صوتي على الآخر وأنا بترعش:
“اللي إنتي عايزاه هيدفع.. بس أرجوكي، الكاميرات لأ.. بنتي هتضيع.”
زينب رجعت خطوة لورا ببرود قاتل، وعدلت طرحتها بمنتهى الثقة وقالت بصوت واطي ومسمم:
“شيك بمليون جنيه دلوقتي حالا.. وإلا هطلب من الظابط يفرغ الكاميرات بنفسي، وساعتها الفضيحة هتبقى بجلاجل على شاشات التلفزيون وفي وسط قرايبكم.”
مليون جنيه! الرقم كان ضخم جداً، بس في اللحظة دي، قصاد مستقبل بنتي وشرف عيلتنا، مكنش فيه مجال للمفاصلة. فتحت شنطتي وإيدي بتترعش زي ورق الشجر في الخريف، طلعت دفتر الشيكات والقلم، وكتبت الشيك بالرقم اللي طلبته ومضيت عليه واديتهولها من تحت الترابيزة بسرعة البرق. زينب خدت الشيك، طبّقته براحة ببرود رهيب، وحطته في جيب عبايتها.
في نفس اللحظة، الباب اتفتح ودخل خبير المجوهرات.. راجل وقور في الخمسينات، لابس نضارة وبإيده شنطة صغيرة. الظابط شاورله على العقد اللي كان محطوط على الترابيزة. الخبير قعد، طلع عدسة مكبرة وبدأ يفحص العقد بدقة، والصمت حط على المكان.. نيرمين كانت بتتنفس بصعوبة وعينها على الخبير، ونظرات الشماتة من المعازيم كانت بتزيد ثانية ورا ثانية.
بعد دقيقتين فحص، الخبير قلع العدسة، وبص للظابط وهز راسه بأسف وقاله:
“البلاغ ده مش صحيح يا فندم.. العقد ده زجاج تقليد ملوش أي قيمة، وقفل العقد ملحوم بقصدير رخيص.. ده مش ألماظ حر أبداً.”
الهمهمات انفجرت في الصالون زي القنبلة! نيرمين حطت إيدها على قلبها ووقعت على الكرسي وهي بتصرخ: “لأ.. لأ مش ممكن.. جوزي مستحيل يعمل فيا كده!” والستات بدأوا يضحكوا ويسخروا منها علني.
الظابط بصلها بقرف، والتفت لزينب وقاله: “إنتي بريئة يا ست زينب، وتقدري تتفضلي.. وإنتي يا نيرمين هانم، اتفضلي معانا على القسم بتهمة البلاغ الكاذب وإشغال السلطات.”
زينب لمت حاجتها في الشنطة القماش القديمة، وبصتلي نظرة أخيرة فيها انتصار مرعب كأنها بتقولي “اللعبة خلصت لصالحي”.. ومشيت وخرجت من الفيلّا وسط ذهول الكل.
أنا سحبت ليلى وبسرعة البرق خرجنا وراها، ركبنا العربية وأنا بسوق زي المجنونة وعيوني مليانة دموع من الصدمة والذل اللي حسيت بيه.. وصلنا البيت، ودخلنا وقفلنا الباب ورايا، ولسة باخد نفسي وبقول الحمد لله إننا خرجنا من المستنقع ده بمليون جنيه بس، لقيت تليفوني بيرن برقم غريب..
فتحت الخط وإيدي على قلبي، جالي صوت زينب، بس المرة دي مكنش صوتها بارد.. كان صوتها مليان ضحك وسخرية وهي بتقولي:
“أنا نسيت أقولك يا هانم.. شيك المليون جنيه ده تمن سكوتي عن اللي شفته بعيني.. بس أنا لسة مروحتش للبنك أصرفه، لأني وأنا ماشية في الجنينة، لقيت ابن نيرمين هانم واقف بيعيط، ولما سألته، قالي إن أمه مأمنة على العقد الفالصو ده بـ 10 مليون جنيه عشان تسدد ديون البنك! يعني الكاميرات كده كده هتتفتح بطلب من شركة التأمين الصبح.. تفتكري بقى هنعمل إيه في المصيبة دي؟”
صوت زينب في التليفون طيّر البرج اللي فاضل في دماغي. قفلت السكة وأنا حاسة إن الأوضة بتلف بيا، وبنتي ليلى كانت قاعدة على السرير بتعيط وبتترعش وهي شايفة وشي اللي بقى زي الأموات.
أنا مكنتش خايفة من نيرمين، نيرمين خلاص وقعت، أنا كنت مرعوبة من شركة التأمين! الشركات دي مبتدفعش مليم واحد غير لما تقلب الدنيا، وطالما فيه بلاغ رسمي بالسرقة، محامين الشركة هيجيبوا تفريغ الكاميرات من النيابة الصبح عشان يثبتوا إن كان فيه إهمال أو لُعبة.. وساعتها ليلى هتتجاب من قفاها بتهمة السرقة، وأنا بتهمة التزوير والتواطؤ.
ملقتش قدامي غير حل واحد.. لازم نرجع الفيلّا حالاً!
خدت ليلى من إيدها وهي مش قادرة تمشي، وركبنا العربية ورجعنا التجمع زي المجانين. وصلنا الفيلّا كانت الساعة بقت 3 الصبح، الحفلة كانت خلصت، والأنوار الكبيرة مطفية، ومفيش غير أمن البوابة واقفين برة، والعربية بتاعت نيرمين مش موجودة.. واضح إنها لسة في القسم.
نزلت من العربية وبمنتهى الثبات حاولت أبان طبيعية، قربت من فرد الأمن اللي على البوابة، وكنت عارفاة لأن نيرمين بتشغله معاها من سنين، وطلعت من شنطتي رزمة فلوس وحطيتها في إيده وقولتله بصوت واطي:
“عم أحمد.. أنا نسيت تلفوني جوة الصالون وفيه صور وشغل مهم جداً ومش هعرف أنام من غيره، ونيرمين تليفونها مقفول في القسم.. افتحلي الباب الصغير ثواني هجيبه وأطلع علطول، والقرشين دول عشان تعبك.”
الراجل بص للفلوس وعيونه لمعت، وبص حواليه بخوف وقالي: “يا هانم الفيلّا مقفولة والبوليس كان هنا..” قاطعته وأنا بزق الفلوس في جيبه: “دقيقة واحدة يا أحمد، مش هغيب، ومحدش هيعرف.”
طمع أحمد عمى عينه، طلع المفتاح وفتحلي الباب الجانبي ودخلت أنا وليلى وبسرعة البرق رحنا على الأوضة اللي فيها أجهزة “الـ DVR” وتسجيلات الكاميرات، كنت عارفاها لأن نيرمين ورتهالي قبل كده وهي بتتمنظر بنظام الأمان في بيتها.
دخلنا الأوضة وضلمة الموت كانت محاوطانا، ليلى نورت كشاف التليفون، ولقينا الجهاز منور بلمبات حمراء وخضراء. كنت بترعش وأنا بدور على سلك الباور عشان أشيله، وفجأة ليلى صرخت صرخة مكتومة وهي بتبص على شاشة العرض: “ماما.. بصي كدا!!”
بصيت على الشاشة اللي كانت بتعرض تسجيل الكاميرات شغال قدامنا.. ووجعتني عيني من الصدمة! التوقيت اللي ظاهر على الشاشة كان شغال، بس الكاميرا اللي كاشفة الصالون والبوفيه مكنتش جايبانا وأنا بنسرق أو بنحط العقد.. الكاميرا كانت جايبة كادر تاني خالص..
كانت جايبة “أخو نيرمين” وهو واقف ورا نيرمين قبل الحفلة بساعتين، وهو اللي بيكسر قفل العقد الحقيقي بإيده، وبيبدله بالعقد الفالصو اللي ليلى سرقته! يعني ليلى سرقت العقد الفالصو وهي فاكراه الحقيقي، ونيرمين كانت بتتنظر بعقد مزيف وهي مش دارية إن أخوها سرق الألماظ الحر وباعه من وراها!
وفجأة.. وإحنا واقفين مصدومين والكسوف مغطينا، النور بتاع الأوضة اتفتح، ولما لفيت وشي.. لقيت أخو نيرمين واقف ساند على الباب، وباصص لينا وبإيده طبنجة وبيمضغ لبانة ببرود مرعب وقالنا:
“منورين يا جماعة.. كنت عارف إنكم هتيجوا عشان تشيلوا الفيديوهات.. بس للاسف، الفيديوهات دي هي اللعبة اللي هتدخلني التاريخ، وتفتكروا بقى.. هسيبكم تخرجوا من هنا عايشين بعد ما شفتوا سر العمر ده؟”
صوت تكة أمان الطبنجة كانت أعلى من دقات قلوبنا اللي وقفت تماماً. ليلى لفت ضهرها واستخبت ورايا وهي بتترعش وبتعيط من الرعب، وأنا حسيت إن كل خططي الشيطانية اتقلبت فوق دماغي.. الستر اللي كنت بحاول أشتريه بمليون جنيه، بقيت بدفع تمنه حياتي وحياة بنتي تحت رحمة راجل معندوش حاجة يخسرها.
أخو نيرمين خد خطوة لجوة الأوضة، وبص للشاشة اللي بتعرض خيانته لأخته وضبط العقد الفالصو، وضحك بمرارة وهو بيقول:
“أنا مش قاتل يا هانم.. بس إنتي وبنتك جيتوا في الوقت الغلط، وفي المكان الغلط. أنا بقالي سنة برتب للعبة دي عشان آخد حقي من أختي اللي ورثت كل حاجة وسابتني على الحديدة، وشركة التأمين هتدفع الـ 10 مليون جنيه، وأنا هسافر برة مصر.. لو سبتكم تخرجوا بالفيديو ده، خطتي كلها باظت.”
في اللحظة دي، وأنا شني كلي مش قادرة أتحرك، تليفوني اللي كان في جيب فستاني بدأ ييرن بقوة.. صوت الرنة فزعنا كلنا في الغرفة الضلمة. أخو نيرمين رفع الطبنجة في وشي وعيونه برقت بشر: “طلعي التليفون براحة.. وافتحي الاسبيكر، وإياكي تصوتي!”
طلعت التليفون وإيدي بتترعش، وبصيت على الشاشة.. كان رقم زينب الشغالة! فتحت الخط والاسبيكر وصوت زينب جه يجلجل في الأوضة، بس المرة دي مكنش فيه ضحك، كان صوتها حاد وقوي زي الطلقة:
“اسمعيني كويس يا هانم.. أنا واقفة برة الفيلّا وشايفة عربيتك، وعارفة إنك جوة.. وبصراحة كده، الشيك المليون جنيه ميكفينيش في المصيبة دي. بس أنا مش غبية، وأنا ماشية من الحفلة، نزلت على تلفوني نسخة من أبلكيشن كاميرات الفيلّا لأن الباسورد كان مكتوب على ظهر الراوتر في الصالون.. وأنا دلوقتي شايفة كل حاجة لايف على تليفوني.. شايفة أخو نيرمين وهو رافع عليكي الطبنجة، وشايفة فيديو السرقة والتبديل اللي على الشاشة!”
أخو نيرمين وشها اصفر والطبنجة بدأت تتهز في إيده، وزينب كملت كلامها ببرود مرعب:
“لو الطلقة دي طلعت، أو لو المليون جنيه مكنش معاهم 5 مليون كمان في حسابي الصبح.. الفيديو ده هيروح للنيابة ولشركة التأمين وللسوشيال ميديا في ثانية واحدة.. ويبقى الكل خسر.. إنت هتتسجن يا محترم، وبنت الهانم هتتفضح، وأختك هتفلس.. وأنا الوحيدة اللي هطلع كسبانة. قدامكم دقيقة واحدة تتفقوا، يا إما نتقابل كلنا في ليمان طرة!”
السكوت حل في الأوضة.. التلاتة لصوص واقفين يبصوا لبعض؛ أنا اللي سرقت شرف ست غلبانة عشان أحمي بنتي الحرامية، وأخو نيرمين اللي سرق أخته، وزينب اللي استغلت ذكائها وفقرها وبقت الحوت اللي هيبلعنا كلنا.
أخو نيرمين نزل الطبنجة براحة، وبصلي بنظرة يأس وخزي وقالي: “اللعبة باظت.. خدي بنتك وامشي من هنا يا هانم.. ومسح التسجيلات مابقاش ليه عازة، زينب بقى معاها حبل المشنقة بتاعنا كلنا.”
سحبت ليلى اللي مكنتش قادرة تقف على رجليها، وجرينا برة الأوضة وبرا الفيلّا كلها.. ركبنا العربية وأنا بسوق وعيوني مش شايفة من الدموع، بس مكنتش دموع خوف.. كانت دموع ندم وقرف من نفسي.. أنا اللي بدأت اللعبة دي لما استهونت بكرامة شغالة غلبانة ورميت ذنب بنتي عليها، ودلوقتي بقيت أنا وبنتي طول العمر عبيد لسكوت زينب.. بندفع تمن غبائنا وفوقيه شرفنا اللي بقا تحت رحمة شيكات بنكية ملهاش آخر.