العروسة حكايات زيزى احمد1
العروسة شافت أخوها بيحط مخدر في كاسها… بدّلته من غير ما يحس، وبعد نص ساعة الفرح كله اتحول لكابوس!”نخب أختي الصغيرة… اللي النهارده أخيرًا هتاخد اللي تستحقه.”
مسكت ندى عبدالسلام الكاس من غير ما ترمش.
قاعة أفراح فندق كبير في القاهرة كانت منورة بأنوار دافية، والورد الأبيض مالي المكان، وكل حاجة متجهزة بأناقة. حوالي 180 معزوم مستنيين لحظة النخب، وبرّه فرقة موسيقى هادية بتعزف، والجرسونات بيوزعوا العصير والمشروبات.
كل حاجة كانت شكلها مثالية…
لكن ندى ما كانتش مركزة في فرحها.
كانت عينها على إيد أخوها.
كريم عبدالسلام قرب من الترابيزة بابتسامته المعروفة… نفس الابتسامة اللي كان بيعملها من وهو صغير، كل ما يغلط في حاجة يسبق الكل بالتمثيل، وفي الآخر هي اللي كانت بتطلع الغلطانة.
وفي اللحظة اللي المصور كان بيرتب الناس عشان الصورة الجماعية، كريم مال بجسمه، وغطّى كاس ندى بطرف الجاكيت، ورمى جواه بودرة فاتحة اللون.
ندى شافت كل حاجة.
ما صرختش.
ما وقعتش الكاس.
وما عملتش أي فضيحة.
بس حسّت إن الدم اتجمد في عروقها.
طول تلاتين سنة، أهلها علموها إن السكوت هو الحل، وإن “لمّ الدور” أهم من أي حق.
كريم كان بيكدب… ويسرق… ويبتز… ويهينها…
وفي الآخر هي اللي كانت بتعتذر عشان أمها ما تزعلش.
أمها، الحاجة فاطمة، كانت دايمًا تقول:
“ما تكبريش الموضوع يا ندى… إنتِ عارفة أخوكي طبعه.”
أيوه…
ندى كانت عارفة أخوها كويس جدًا.
وعشان كده…
ابتسمت.
جوزها أحمد الشاذلي قرب منها يهمسلها بكلمتين، فضحكت كأن مفيش حاجة، وحطت كاسها على الترابيزة، وخدت كاس كريم، وحطت مكانه الكاس اللي كان فيه البودرة.
الحركة كانت سريعة…
وناعمة…
وشبه مستحيلة حد يلاحظها.
كريم بص للكاسات ثانية واحدة، لكن بنت عمه نادته يتصور معاهم.
ولما رجع…
مسك الكاس الملوث بنفسه.
رفع الكاس وقال بصوت عالي:
“نخب ندى… البنت المثالية في نظر الكل… اللي دايمًا عاملة نفسها مظلومة. يمكن الليلة دي أخيرًا تعرف إن الحياة مش بتكافئ الطيبين.”
ناس قليلة ضحكت بتوتر.
أما أحمد…
فابتسامته اختفت.
ندى بصت في عين أخوها وقالت بهدوء:
“في صحتك.”
كريم شرب الكاس كله…
لآخر نقطة.
وبعدين قرب منها وهمس:
“مبروك يا أختي… المفاجأة جاية في الطريق.”
ندى رفعت كاسها النضيف وقالت:
“متحمسة أشوفها.”
عدى نص ساعة…
في الأول فك رابطة الكرافتة.
بعدها سند على ترابيزة الحلويات كأن الأرض بقت بتلف بيه.
مراته رانيا قربت منه وهي متضايقة.
“إيه يا كريم؟ شربت كتير تاني؟”
رد وهو بيتلعثم:
“أنا… أنا كويس.”
لكن وشه شحب…
والعرق نزل من جبينه…
وحاول يمشي ناحية أبوه الحاج عبدالسلام، لكنه اتكعبل في كرسي، ووقع صينية مليانة كاسات.
صوت الإزاز وهو بيتكسر ملّى القاعة.
الفرقة بطلت تعزف.
والحاجة فاطمة بصت لندى بنفس النظرة القديمة…
كأن مجرد وجودها هو سبب كل مصيبة.
كريم حاول يتكلم…
لكن صوته خرج مخنوق.
أحمد مسك إيد ندى وقال باستغراب:
“هو فيه إيه؟”
ندى بصت للكاس الفاضي اللي جنب طبق كريم…
وبعدين رفعت عينها عليه وهو بيتمايل قدام كل الناس.
وقالت بهدوء:
“واضح إن مفاجأة كريم وصلت بدري شوية.”
كريم سمعها…
فاتسعت عينه برعب.
ولأول مرة في حياته…
ندى شافت أخوها خايف منها.
وفجأة…
وقع على ركبته في نص قاعة الفرح، وقدام كل العيلة، وقبل ما ينهار على الأرض قال جملة خلت المكان كله يسكت:
“إنتِ… إنتِ اللي بدّلتي الكاسات!”ووو
الحاجة فاطمة صرخت صرخة هزت أركان القاعة، وجريت على كريم اللي كان مرمي على الأرض، وشه بقا أزرق والشحم غطى ملامحه. أحمد الشاذلي وقف مذهول، يبص لكريم وبعدين يبص لندى اللي كانت واقفة في كامل أناقتها بفستانها الأبيض، ملامحها هادية زي بحر ملوش آخر، ونظرتها مشفقة بس مفيش فيها نقطة ندم.
الحاج عبد السلام قرب من ابنه وهو بيترعش، زعق في الويترية:
“اطلبوا الإسعاف بسرعة! اطلبوا الإسعاف!”
كريم كان بيحاول يتنفس، إيده بتترعش وهو بيشاور على ندى، شفايفه بتتحرك بصعوبة بالغة وهو بيردد بفيض من الغل والرعب:
“هي… ندى… الكاس…”
رانيا مراته وقفت تبص لندى بغضب وعيون مليانة شر:
“إنتِ عملتي فيه إيه؟ إنتِ حطيتي له إيه في المشروب؟”
القاعة كلها اتقلبت همس وتوشوش، الـ 180 معزوم اللي كانوا جايين يفرحوا، بقوا شهود على فضيحة وعيلة بتنهار قدامهم. المعازيم بدأوا يتراجعوا لورا، والمصور اللي كان بيرتب الكادر من شوية، نزّل الكاميرا بذهول وهو مش مستوعب اللي بيسجله.
أحمد مسك دراع ندى براحة، صوته كان واطي بس حاد:
“ندى… كريم بيقول إيه؟ إنتِ ليكِ علاقة باللي بيحصل ده؟”
ندى لفت وشها لأحمد، وابتسمت ابتسامة خفيفة، الهدوء اللي كان فيها كان مرعب أكتر من الصراخ. ما ردتش على أحمد، وبدل ده، تحركت بخطوات بطيئة وواثقة ناحية أخوها اللي كان بيلفظ أنفاسه بصعوبة على الأرض وأمه بتعيط فوق راسه.
الحاجة فاطمة رفعت عينها لندى وهي بتزعق ودموعها مغرقة وشها:
“منك لله! طول عمرك حاقدة على أخوكي! ضيعتي الواد في يوم فرحك؟”
ندى وقفت فوق راسهم، وبصت لكريم في عينه مباشرة. كريم كان شايف في عيون أختها الصغيرة لأول مرة قوة مكنش يعمل حسابها، قوة السنين اللي سكتت فيها عن حقه وظلمه ليها.
ندى وطت بجسمها شوية عشان كريم يسمعها وسط الدوشة، وقالت بصوت مسموع للكل:
“أنا ما حطيتش حاجة يا ماما… كريم هو اللي جاب المادة دي معاه في جيبه، وهو اللي حطها بإيده في الكاس… أنا كل اللي عملته، إني خليت صاحب المفاجأة يدوق مفاجأته بنفسه.”
الكلمات نزلت زي الصاعقة على الحاج عبد السلام اللي بص لكريم بصدمة. كريم عينه غابت عن الوعي وهو بيسمع الكلمات دي، وجسمه ارتخى تمامًا على الأرض.
في نفس اللحظة، صوت سرينة الإسعاف بدأ يظهر من بعيد، ميكروفون القاعة كان لسه مفتوح وصوت وش الكاسات المكسورة مالي المكان. أحمد الشاذلي تراجع خطوتين لورا وهو بيبص لعرسته، حاسس إنه متجوز واحدة تانية خالص غير اللي خطبها من سنة، واحدة قررت الليلة دي بالذات، تقفل حساب السنين كله، وتنهي رواية “البنت المثالية” وتبدأ رواية تانية خالص.
