اتصل بي زوجي بعد منتصف3
دخلتُ إلى المستشفى بخطوات يملؤها القلق والترقب، متوجهةً مباشرةً إلى قسم الأورام في الطابق الثالث. كان الهدوء يلف الممرات، ولم يكن هناك أثر للحاج جاسم؛ يبدو أنه اختفى بمجرد أن علم بالقبض على ولديه، أو ربما كان غارقاً في البحث عن مخرج لورطته.
فتحتُ باب الغرفة بهدوء، فوجدتُ الحاجة أمينة مستلقية على السرير، وجهها شاحب وجسدها منهك من أثر الجرعة الأولى للكيماوي، لكن عينيها كانت قلقة وتتحركان في كل اتجاه. بمجرد أن رأتني، اغرورقت عيناها بالدموع وحاولت الاعتدال في جلستها.
اقتربتُ منها، وأمسكتُ يدها الباردة برفق، وقبل أن أنطق بكلمة، قالت بصوت متهدج ونبرة مستعجلة:
— “سامحيني يا بنتي.. سامحيني على كل لحظة سكتُّ فيها. لكن والله لو لم تجمّدي الحسابات الليلة الماضية، لكانت حياتكِ قد دُمّرت بالكامل.”
جلستُ على طرف السرير وقلت لها بهدوء:
— “أنا دفعتُ ثمن علاجكِ يا حاجة لأنني لا أخلط بين الحق والباطل. لكن الممرضة أخبرتني أنكِ تطلبينني لأمر خطير.. ما هي الأوراق التي مع سيف؟”
تنهدت بألم، والتفتت نحو الباب لتتأكد من أنه مغلق، ثم همست:
— “سيف لم يكن يخطط لرهن البيت فقط يا بنتي.. سيف قبل ثلاثة أشهر، استغل توقيعكِ على أوراق الشركة البيضاء التي تركتِها له في المكتب بذريعة تخليص المعاملات الحكومية، وقام بإنشاء عقد بيع وشراء وتنازل مزور للشركة والشقة التي تعيشون فيها لصالح رجل أعمال غامض ومشبوه مقابل مبلغ مالي ضخم كعربون. والورقة الأصلية مخبأة في مكان لن يخطر على بال أحد.”
شعرتُ بصدمة جمدت الدماء في عروقي. ورقة تنازل مزورة وموقعة مني؟ هذا يعني أنه إذا ظهرت هذه الورقة، فإنني سأخسر الشركة قانونياً وسأصبح ملاحقة بتهمة التهرب والنصب!
سألتها بلهفة والخوف يطرق قلبي:
— “أين هي هذه الورقة يا حاجة؟ أرجوكِ أخبريني!”
نظرت إليّ بعيون يملؤها الندم وقالت:
— “جاسم وسيف يضعان الأوراق المهمة كلها في خزنة سرية قديمة مخبأة خلف لوحة الآيات القرانية في صالة بيتنا القديم.. البيت الذي تركتِهِ وانتقلتِ للعيش مع سيف فيه. مفتاح الخزنة لا يفارق جيب جاسم، لكن هناك نسخة احتياطية مخبأة داخل وسادتي القديمة في غرفتي هناك.”
في تلك اللحظة، رن هاتف الغرفة الخاص بالمستشفى، وأخبرت الممرضة السيدة أمينة أن هناك اتصالاً عاجلاً لها من قِبل الشرطة لإبلاغها بالقبض على ولديها.
أدركتُ أن الوقت يداهمني. إذا علم الحاج جاسم بالقبض على أولاده، فسيتوجه فوراً إلى البيت ليخفي تلك الأوراق أو يهرب بها ليحمي نفسه ويحمي ما تبقى من خطتهم.
وقفتُ بسرعة، وقبّلت رأس الحاجة أمينة التي همست لي: “اذهبي يا بنتي.. وخذي حقكِ منهم، ولا تأخذكِ بهم رحمة.”
خرجتُ من المستشفى وعقلي يعمل كآلة حاسبة. اتصلتُ بالأستاذ ممدوح وأخبرته بالسر الجديد. قال لي بحسم:
— “سأتحرك فوراً لإصدار أمر من النيابة لتفتيش المنزل القديم بموجب البلاغات المرفوعة ضد سيف وخيانة الأمانة، لكن الإجراءات قد تستغرق بضع ساعات. يجب أن نراقب البيت حتى لا يدخل جاسم ويحرق الأدلة.”
انطلقتُ بسيارتي نحو البيت المشترك الذي عشتُ فيه مع سيف طوال الخمس سنوات، وهو البيت العائلي القديم لهم. كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة ليلاً.
عندما وصلتُ إلى الشارع، أطفأتُ أنوار السيارة وركنتُ بعيداً. كانت أنوار الشقة مضاءة، وفجأة، رأيتُ سيارة أجرة تقف أمام الباب، ونزل منها الحاج جاسم وهو يلتفت حوله بذعر وبيده حقيبة سوداء صغيرة. كان يبدو عليه أنه عرف بكل شيء، وأنه جاء ليأخذ الأوراق ويهرب قبل أن تصل إليه الشرطة.
لم أستطع الانتظار حتى يصل الأستاذ ممدوح وقوة الشرطة. فتحتُ باب سيارتي، ونزلتُ متوجهةً نحو مدخل البناية بخطوات صامتة وسريعة، والشيء الوحيد الذي كان يشغل تفكيري هو منع هذا الرجل من تدمير دليلي الوحيد لبراءتي الكاملة واستعادة كل ما أملك.
صعدتُ السلالم خلفه بقلب ينبض بعنف، وعندما وصل إلى باب الشقة وأدخل المفتاح، ظهرتُ فجأة من خلفه في الظلام وقلت بصوت حاد:
— “تأخرت كثيراً يا حاج جاسم.. الأوراق التي تبحث عنها لن تفيدك بعد الآن.”
التفت إليّ بجسده المرتعش، وعيناه تشتعلان غضباً وحقداً، ورفع يده التي كانت تحمل عصاه الخشبية الثقيلة.. ولم تكن هذه سوى بداية المواجهة الأخيرة والخطيرة وجهاً لوجه.
تصلب الحاج جاسم في مكانه لثوانٍ، وعصاه مرفوعة في الهواء، وعيناه الجاحظتان تفيضان بغلٍّ أعمى لم أره فيه طوال خمس سنوات. تراجع خطوة إلى الخلف مستنداً إلى باب الشقة، وأنفاسه العجوز تخرج متلاحقة وحشرجة صوته تملأ الممر المظلم:
— “أنتِ..؟! يا بنت…”
قاطعتُه بوقفة جامدة لم تهتز:
— “نعم أنا. سيف وكرار الآن في الحجز بتهمة السطو والسرقة الكسر، والشرطة في طريقها إلى هنا بموجب أمر من النيابة لتفتيش هذه الشقة. لعبتكم انتهت يا حاج.”
نزلت عصاه ببطء، لكن ملامحه تشنجت بابتسامة خبيثة كأنما تذكر السلا..ح الذي في يده. ضغط على حقيبته السوداء الصغيرة وقال بنبرة فحيح الأفاعي:
— “تظنين نفسكِ ذكية؟ سيف كتب التنازل وضمنّا الملايين، والورقة الأصلية معي الآن في هذه الحقيبة! حتى لو سُجن أولادي شهراً أو سنتين، سنخرج ونشتري الدنيا كلها بأموال شركتكِ وببيتكِ، وأنتِ من ستدورين على المحاكم باحثة عن قروش تسد رمقكِ!”
في تلك اللحظة، لم أفكر. الغضب المتراكم لخمس سنوات من الاستغلال، والدموع التي ذرفتها الحاجة أمينة في المستشفى، وصدمة عمري في شخص ظننته أماني.. كل ذلك تحول إلى قوة انتحارية.
اندفعتُ نحوه وحاولتُ شد الحقيبة من يده بقوة. صرخ جاسم صرخة مكتومة ودفعني بيد، بينما تشبث بالحقيبة باليد الأخرى. التوت قدمي وكدتُ أسقط على السلالم، لكنني أعدتُ التوازن وتمسكتُ بطرف الجاكيت الذي يرتديه. دارت بيننا معركة شرسة وصامتة في ممر الطابق الثالث، رجل عجوز يحارب لأجل جشعه، وامرأة تحارب لأجل حياتها وكرامتها.
فجأة، انفتح سحاب الحقيبة بفعل الجذب الشديد، وتطايرت منها عدة أوراق. لمحتُ بينها ورقة ذات لون أزرق مميز.. إنها ورقة التنازل وعقد البيع المزور!
انحنيتُ بسرعة البرق لألتقطها، لكن جاسم كان أسرع؛ داست قدمه الثقيلة على طرَف الورقة، ورفع عصاه عالياً هذه المرة بكل قوته، ووجّهها مباشرة نحو رأسي وهو يصرخ:
— “موتكِ اليوم أهون عليّ من أن تأخذيها!”
أغمضتُ عيني مستسلمة للضربة القادمة.. لكن الضربة لم تأتِ.
سُمع صوت دويّ قوي أسفل السلالم، تلاه صوت خطوات عسكرية متسارعة تزلزل أركان البناية. انفتح باب المدخل وصاح صوت الأستاذ ممدوح ومعه ضابط المباحث:
— “امسكوه! لا تدعوه يتحرك!”
تراجع الحاج جاسم بذعر، وسقطت العصا من يده لترتطم بالأرض الرخامية. في أجزاء من الثانية، التقطتُ الورقة الزرقاء وضممتُها إلى صدري كأنني أضم حياتي العائدة إليّ.
اندفع العساكر وشلّوا حركة جاسم الذي انهار تماماً وجلس على السلالم يبكي ذليلاً، يرجو الضابط ألا يأخذه مع أولاده. تقدم إليّ الأستاذ ممدوح والتقط أنفاسه بصعوبة قائلاً:
— “هل أنتِ بخير يا بنتي؟ وصلنا في الثواني الأخيرة.”
أومأتُ برأسي وأنا أرتجف، لكنني رفعتُ الورقة الزرقاء أمامه وعلامات النصر ترتسم وسط دموعي:
— “معي الدليل يا أستاذ ممدوح.. معي عقد التنازل المزور بتوقيعي. سيف وجاسم وكرار.. كلهم في قبصتي الآن.”
أخذ الضابط الورقة بحذر وأدرجها في ملف الأحراز، وقيدوا الحاج جاسم ليقودوه إلى الشارع حيث كانت سيارات الشرطة تملأ الحي بأصوات سريناتها.
نظرتُ إلى باب الشقة المفتوح، تلك الشقة التي شهدت خديعتي لخمس سنوات. شعرتُ برغبة في التقيؤ من جدرانها. التفتُّ للرحيل مع المحامي لإتمام المحاضر، لكن هاتفي اهتز في جيبي معلناً وصول رسالة جديدة.
لم تكن من سيف، ولا من المستشفى.
كانت الرسالة من رقم مجهول، ومكتوب فيها جملة واحدة جعلت الدماء تتجمد في عروقي مجدداً، وأدركتُ أن الكابوس لم ينتهِ، بل فتح باباً لجهة أخرى أشد خطورة:
“مبروك جمدتِ الحسابات وأخذتِ الورقة.. لكن سيف استلم مني مئة مليون دينار كعربون، والشقة والشركة أصبحت من حقي أنا بموجب العقود التي تحت يدي في دبي. أمامكِ 24 ساعة لفك تجميد الحسابات وإعادة الأموال، وإلا ستكون نهايتكِ أبشع مما تتخيلين.”
توقفتُ في مكاني وسط ممر السلالم المظلم، ونظرتُ إلى شاشة الهاتف برعب.. من هذا الرجل الغامض؟ وما الذي فعله سيف خلف ظهري في دبي؟
غداً.. سيكون الجزء الأخير، وال مواجهة الكبرى التي ستحسم كل شيء.
بقيتُ واقفةً في ممر السلالم المظلم، شاشة الهاتف تضيء وجهي بتلك الرسالة المرعبة. التفتُّ إلى الأستاذ ممدوح والشرطة يقودون الحاج جاسم إلى الأسفل، ومددتُ له الهاتف بطلبٍ صامت وعينين متسعتين من الصدمة.
قرأ المحامي الرسالة، فتغيرت ملامحه تماماً، لكنه سرعان ما استعاد ثباته وقال بنبرة حازمة:
— “هذا الطرف الثالث هو رجل الأعمال المشبوه الذي تحدثت عنه الحاجة أمينة. سيف ورّط نفسه في قض..ية دولية عابرة للحدود، وظن أنه سيهرب بالمال ليغطّي جريمته. اسمعيني جيداً يا بنتي.. الخوف هو ما يتغذى عليه هؤلاء. نحن نملك القانون، والآن سننهي هذه اللعبة بالضربة القاضية.”
لم نمضِ إلى البيت، بل توجهنا مباشرةً إلى مبنى مديرية الأمن. طوال الليل، وبينما كان سيف وكرار والحاج جاسم يخضعون للتحقيق في غرف منفصلة ويتبادلون الاتهامات ويسكبون اعترافاتهم أمام النيابة خوفاً من السجن، كان الأستاذ ممدوح ينسق مع نيابة الأموال العامة ومباحث الإنترنت لتتبع الرقم الدولي الذي أرسل التهديد.
في تمام الساعة السابعة صباحاً من اليوم التالي، كشفت التحريات عن الهوية الحقيقية لصاحب الرقم؛ لم يكن مستثمراً كبيراً في دبي كما أدعى، بل كان مجرد ذراع شبكة نصب دولية تتصيد المغفلين والطامعين مثل سيف، والاتفاق بأكمله جرى عبر الإنترنت بأوراق وصور رقمية مرسلة، ولم يكن هناك أي عقود قانونية موثقة في دبي كما زعم في رسالته، بل كانت مجرد محاولة لابتزازي بعد أن علم الِمُبتز عبر رجاله أن الخطة فشلت وأن الحسابات قد جُمدت.
أصدرت النيابة أمراً برفع الحظر عن خطوط الاتصال تحت المراقبة، وطلب مني الضابط أن أجيب على الرسالة بكلمة واحدة لجرّ المستدرِج: “أين نلتقي لإعادة العربون؟”
جاء الرد سريعاً بطلب تحويل المبلغ إلى حساب وسيط داخل البلاد لإتمام العملية صلحاً. وفي غضون ساعتين فقط، وبفضل سرعة تحرك رجال مكافحة جرائم الأموال العامة، تم إلقاء القبض على الوسيط المحلي الذي تبين أنه شريك سابق لكرار، وبسقوطه انفرط عقد الشبكة بالكامل، وتلاشت التهديدات كأنها لم تكن.
بعد مرور أسبوع كامل..
كنتُ أقف في مكتب الأستاذ ممدوح أوقع على الأوراق النهائية.
صدر حكم قضائي عاجل بمنع سيف وجاسم وكرار من السفر، وتم تحويل قضيتهم إلى محكمة الجنايات بتهم التزوير في أوراق رسمية، والنصب، والسرقة المشهودة بكسر الأقفال. الشركة أصبحت محصنة بالكامل قانونياً، وألغيت كل الديون والشيكات التي وقعها سيف باسمه الشخصي دون صفتي الرسمية. أما البيت، فقد تم تركيب نظام أمني متطور له، وعاد كما كان.. رمزاً لإرث والدي الذي لم أفرط فيه.
أما الحاجة أمينة.. فقد نقلتها على نفقتي الخاصة إلى مستشفى تخصصي أفضل، وتابعتُ حالتها الطبية بانتظام. وعندما زرتها قبل صدور الأحكام، تمسكت بيدي وهي تبكي وتدعو لي، فأخبرتها بهدوء: “أنا لا أنسى من حاول إنقاذي يا أمي، والعدل لا يظلم طالباً للحق.”
خرجتُ من مكتب المحامي إلى شوارع المدينة التي بدت لي هذه المرة أوسع وأجمل. نظرتُ إلى السماء وتنفسّت بعمق؛ خمس سنوات من الخديعة لم تكسرني، بل صنعت مني امرأة أخرى، امرأة تعلمت أن الحب لا يعني العمى، وأن الطيبة دون مخالب هي مجرد وادعة بانتظار الذئاب.
ركبتُ سيارتي، وأغلقتُ خلفي باب الماضي إلى الأبد، وانطلقتُ نحو بداية جديدة أكتب فصولها بنفسي، وبلقلمي أنا فقط.
