اتصل بي زوجي بعد منتصف 1
اتصل بي زوجي بعد منتصف الليل وهو يبكي بحرقة، وقال إن والده تعرّض لجلطة خطيرة وإن حالته بين الحياة والموت 😱، وطلب مني أن أحوّل له فورًا ثلاثمئة مليون دينار، وحذرني بشكل غريب من أن أفكر حتى بالذهاب إلى المستشفى.
ذلك المال كان مالي أنا.
وديعة مصرفية فتحتها قبل شهر واحد فقط، بكلمة سر لا يعرفها أحد غيري.
لكنّه رددها لي كاملة من ذاكرته… بل بشكل أدق مما كنت أتذكرها أنا.
أغلقت الهاتف، وشعرت فجأة أن ريقي قد جف.
لم أحوّل شيئًا.
أخذت مفاتيحي وانطلقت مباشرة نحو المستشفى.
ومن ممر الطابق الخامس سمعت حماي — الذي كان من المفترض أنه يرقد في العناية المركزة موصولًا بالأجهزة — يضحك بصوت عالٍ وفمه ممتلئ بقطع التفاح. 😱😮⚠
كنا متزوجين منذ خمس سنوات.
خمس سنوات كاملة.
كان اسمه سيف.
وطوال تلك السنوات كنت أعتقد أنه أطيب رجل عرفته في حياتي.
في يوم زفافنا، سلّمني والدي له وعيناه تلمعان بالدموع، وقال:
“دير بالك عليها يا ولدي.”
فأجاب سيف بثقة:
“هاي بعيني.”
وكنت أصدقه بكل ما أملك من قلب.
أمي أيضًا كانت تقول دائمًا إن زوجي يعاملها أفضل من أبنائها، وإنني ربحت زوجًا لا يتكرر.
أما أنا…
فقد أعطيته كل شيء.
تركت شقتي وانتقلت للعيش معه.
وسجلت الشركة باسمي عندما طلب مني ذلك.
وأعطيته كلمات مرور حساباتي في السنة الأولى من الزواج.
كنت أقول لنفسي:
وما فائدة الزواج إذا كان كل طرف يخفي أمواله عن الآخر؟
هكذا كنت أفكر.
الشخص الوحيد الذي أحببته فعلًا في تلك العائلة كانت أم سيف.
الحاجة أمينة.
هي من علمتني طبخ الأكلات التي يحبها ابنها.
وهي من كانت تدافع عني كلما أطلق الحاج جاسم تعليقات جارحة على مائدة الطعام.
كانت تناديني:
“يمّه.”
وكأنني ابنتها فعلًا.
وعندما أمرض، كانت أول من يحمل لي الحساء إلى غرفتي.
أتذكر مرة كنا نغسل الصحون معًا في مطبخها.
قالت لي بصوت منخفض دون أن تنظر نحوي:
“خلي دائمًا شي إلك يا بنتي… حساب خاص… مفتاح خاص… أي شي. حتى لو كنتِ تحبينه بكل روحج.”
ظننتها مجرد نصيحة من امرأة كبيرة في السن.
شكرتها وأكملت غسل الصحون.
لكن وأنا واقفة في ذلك الممر البارد داخل المستشفى، ويدي ترتجف من الصدمة، بدأت كل القطع تتجمع أمامي.
كان يعرف كلمة السر لأنني أنا من أعطيتها له.
والشركة كانت باسمي لأن وضعه المالي لم يكن يسمح له بتسجيلها باسمه، هكذا أقنعني.
فوقعت الأوراق كلها دون تردد.
وفي النهاية أصبحت أنا المالكة القانونية.
وأنا المسؤولة أمام المصارف والدائنين إذا حدث أي شيء.
حتى البيت الذي ورثته عن والدي قبل الزواج بقي باسمي.
وكان الشيء الوحيد الذي أملكه حقًا في هذه الدنيا.
اقتربت من باب الغرفة.
كان مفتوحًا قليلًا.
ورأيت الجميع في الداخل.
الحاج جاسم يجلس على السرير بكامل صحته، يقشر تفاحة جديدة بسك..ين صغيرة.
الحاجة أمينة تجلس بجانبه بصمت.
وسيف مستند إلى النافذة ويداه في جيبيه.
أما شقيقه كرار فكان متمددًا على كرسي الزوار يعبث بولاعة ويبتسم بسخرية.
قال كرار:
— تتوقع فعلًا صدّقت السالفة؟
ضحك الحاج جاسم وقال وهو يمضغ التفاح:
— طبعًا صدّقتها. أي شي يكوله سيف تصدقه. صارلها خمس سنين ما شكت بشي.
شعرت أن حلقي انغلق بالكامل.
لم أعد أستطيع البلع.
تنهدت الحاجة أمينة وقالت:
— بس يا جاسم… البنية طيبة…
فقاطعها فورًا:
— طيبة شنو؟ البيت لحد هسه مو محول إلنا. خلي سيف يجيب توقيعها على الرهن وبعدها خلي تروح بأي داهية.
ثم التفت نحو زوجته وقال جملة مزقتني من الداخل:
— وإنتِ لا تسوين نفسج ملاك. علاجج الكيمياوي يوم الاثنين يطلع من بطاقتها المصرفية. إذا فشلت الخطة، راح ينقطع علاجج. فاسكتي وخلينا نشتغل.
ظل سيف صامتًا طوال الوقت.
ثم قال بهدوء وكأنه يتحدث عن الطقس:
— واطوا أصواتكم. البيت انقيّم رسميًا. قيمته تقريبًا ثلاثة مليارات دينار. أقنعها أن الشركة تحتاج سيولة عاجلة وتوقع على الرهن. خلال شهر أو شهرين نخلص كل شي.
انفجر كرار ضاحكًا وهو يدير الولاعة بين أصابعه.
وقال:
— والله أنت ممثل خطير. خمس سنين تمثل الحب حتى تبيعها؟ أنا ما أگدر أسويها.
وهنا فقط فهمت الحقيقة.
كنت أنام منذ خمس سنوات إلى جانب شخص لا أعرفه.
أخرجت هاتفي وأنا لا أزال في الممر.
واتصلت بالمصرف.
كانت يدي ترتجف لدرجة أن الهاتف كاد يسقط مني.
قلت للموظف:
“أريد تجميد كل حساباتي فورًا. الشخصية والمشتركة. وإيقاف جميع البطاقات المصرفية.”
أخطأت في رقم العميل ثلاث مرات قبل أن أتمكن من إكمال المكالمة.
بعدها أغلقت الخط.
مسحت دموعي بطرف سترتي.
وأخذت نفسًا عميقًا.
ثم كتبت رسالة إلى سيف بعناية شديدة:
“حولت المبلغ حبيبي. لا تقلق. سلملي على الوالد وطمّني عليه.”
ضغطت إرسال.
ثم غادرت نحو موقف السيارات وأنا أفكر بشيء واحد فقط:
هذه المرة… أنا من سيمثل.
وهم لا يعرفون مع من كانوا يلعبون طوال هذه السنوات.
جلست داخل السيارة.
الحسابات أصبحت مجمدة.
وقلبي أصبح هادئًا من شدة الغضب.
وفجأة وصلني إشعار رسالة من الحاجة أمينة.
لم تكتب أي كلمة.
أرسلت صورة فقط.
كانت صورة تقرير طبي مطوي.
يحمل اسمها الكامل.
وتشخيصًا لا أتمنى أن يمر به أحد.
سرير الحاج جاسم كان خاليًا من المرض.
أما هي فلم تكن تكذب.
السرطان كان سرطانها هي.
والعلاج الكيمياوي يوم الاثنين كان حقيقيًا.
وكان ثمنه سيُسحب من الحساب الذي جمّدته قبل عشر دقائق فقط.
بقيت أحدق في الصورة طويلًا دون أن أرمش.
وفجأة تذكرت كلماتها القديمة في المطبخ:
“خلي دائمًا شي إلك يا بنتي.”
لم تكن تنصحني.
كانت تحذرني.
كانت تعرف.
تعرف كل شيء منذ سنوات.
وعاشت صامتة في كل وجبة عشاء.
وفي كل إهانة.
وفي كل خطة تُحاك ضدي.
دافعت عني هذه الليلة بصوت خافت.
لكن بعد أن لم يعد أمامها خيار آخر.
لأن طوق النجاة الوحيد الذي كانت تتمسك به داخل تلك العائلة…
كنت أنا.
أمام عيني كانت هناك رسالتان جاهزتان للإرسال.
الأولى إلى المصرف.
لتبقى كل الحسابات مجمدة حتى آخر دينار.
وليواجهوا جميعًا مصيرهم بأيديهم الفارغة بعد خمس سنوات من الخداع.
بمن فيهم الحاجة أمينة نفسها.
أما الثانية…
فكانت لفك التجميد عن مبلغ واحد فقط.
مبلغ العلاج الكيمياوي يوم الاثنين.
للشخص الوحيد في ذلك البيت الذي حاول، بطريقته الخائفة، أن يخبرني بالحقيقة قبل فوات الأوان.
ولم يكن لدي وقت إلا لإرسال رسالة واحدة فقط.
أغلقتُ الهاتف وأنا أستند بظهري إلى مقعد السيارة، أنفاسي متسارعة، وصوت ضحكاتهم في ممر المستشفى ما زال يتردد في أذني كأنه سياط تجلد روحي. نظرتُ إلى الشاشة؛ الرسالة التي أرسلتها لسيف كانت قد وصلت، وكنت أعلم أنه الآن يتباهى بانتصاره الزائف مع والده وشقيقه.
لم أكن أملك ترف التردد. نظرتُ إلى صورة التقرير الطبي التي أرسلتها الحاجة أمينة، ثم إلى خيارات البنك على هاتفي. كان بإمكاني ضغطة زر واحدة أن أنهي كل شيء، أن أتركهم يواجهون عواقب طمعهم دون رحمة، لكن شيئًا في داخلي كان يرفض أن أتحول إلى نسخة منهم.
الخيانة طعمتها مرة، لكن القسوة المجردة من الإنسانية طعمها أسوأ بكثير.
اتخذتُ قراري.
دخلتُ إلى تطبيق البنك، وبدأت في تصفح تفاصيل الحسابات التي جمدتها. كان المبلغ المطلوب لعلاج الحاجة أمينة محددًا في التقرير، وهو مبلغ ضئيل مقارنة بما كانوا يخططون لسرقته مني. قمتُ بإلغاء تجميد ذلك المبلغ فقط، وحولته فورًا إلى حساب المستشفى الخاص بالمركز الذي تتلقى فيه علاجها.
بمجرد أن تأكدت من وصول التحويل، أعدتُ تجميد باقي الأرصدة والبطاقات، ثم أغلقتُ التطبيق تماماً.
الآن، يجب أن أتحرك. لم أعد تلك الزوجة التي تنتظر في البيت، أو التي توقع على الأوراق دون قراءة. أخرجتُ من حقيبتي ملفاً صغيراً كنت قد أعددته سابقاً “للطوارئ” كما أسميته حينها، يضم صوراً ضوئية لعقود الشركة، والبيت، وكافة الأوراق التي وقعتُ عليها.
حركتُ السيارة وانطلقت نحو مكتب المحامي الخاص بوالدي، الشخص الوحيد الذي كان يحذرني دائماً من سيف، والذي لم أكن أستمع له. كنت أعلم أنه رغم تأخر الوقت، إلا أنه سيفتح لي الباب.
بينما كنت أقود، رن هاتفي. كان سيف.
تجاهلتُ الاتصال.
رن مرة أخرى. ثم أرسل رسالة: “وصلني إشعار التحويل، أنتِ رائعة. متى نلتقي لنكمل إجراءات الرهن؟ الوالد يتحسن بفضلك.”
ابتسمتُ بمرارة، وأجبتُ برسالة واحدة قصيرة:
“سأكون في مكانٍ ما، حيث لا يمكنك الوصول إليّ. ابحث عن توقيعي في المكان الذي تستحقه.”
ألقيتُ بالهاتف في المقعد الجانبي، وقررت أنني لن أعود إلى ذلك البيت أبداً. لقد انتهت سنوات الغفلة، وبدأت الآن سنوات الحساب. لكن قبل أن أختفي تماماً، كان عليّ أن أتأكد من أنهم سيستيقظون غداً على واقعٍ لم يتخيلوه في أسوأ كوابيسهم.