أمه طردت مراته حكايات رومانى مكرم 3
ساد الصمت في الممر الضيق، والكل كتم نفسه مستني كلمة سمر. عينيها كانت بتتنقل بين إيد فوزي الممدودة والتراب اللي مالي جزمته وركبه، وبين وش ابنها “أحمد” اللي ماسك في صباع أبوه ومش راضي يسيبه، كأن الدم بيحن، وكأن العيل الصغير لقى الحتة اللي كانت ناقصاه من الدنيا.
سمر خدت نفس طويل، ودموعها نزلت أهدى من الأول، بس كان فيها مرار سنتين بحالهم. سحبت إيد ابنها براحة من إيد فوزي، ورجعت خطوة لورا. الحركة دي خلت قلب فوزي يقف، وافتكر إنها هترفض.
بصتله وقالت بصوت مجروح بس راسي:
“مش هقدر يا فوزي.. مش هقدر أحط إيدي في إيدك دلوقتي وكأن مفيش حاجة حصلت. الكسرة اللي في قلبي مش دايرة مفتاح هتدورها الشوق يرجع. أنت صنت كبريائك سنتين وأنا صنت شرفي وشقايا في السوق.. وعشان خاطر الواد ده، وعشان كلام المعلم مرسي والناس الجدعة اللي شالتني، أنا مش همنعك من ابنك.. ده حقك وحقه. بس رجوع لبيتك؟ لأ. أنا هروح مع ابني على بيت أمي الغلبانة، وأنت لو عايز تثبت فعلاً إنك ندمان.. وريني هتعمل إيه.”
فوزي حس إن روحه ردت فيه، حتى لو النص مش الكل. وقف على رجله بسرعة ومسح وشه بكم قميصه وهو بيقول بلهفة:
“راضي.. راضي بكل اللي تقوليه يا سمر. بيتك الجديد جاهز من اللحظة دي، وأنا اللي هأثثه وأقف على خدمتكم بنفسي. بس خليني أشيل الواد.. خليني أحس إنه في حضني ولو دقيقة واحدة.”
سمر بصت للواد، وبعدين قربت خطوة ومدت إيدها بالطفل ببطء. فوزي قدم إيديه وهو بيترعش، وأول ما جسم الواد لمس صدره، قفل عليه ضلوعه بكل ما فيه من عزم. دفن وشه في رقبة ابنه وبقى يبكي بشهقات عالية هزت قلوب البياعين اللي واقفين. الواد في الأول اتخض، بس لما شم ريحة أبوه وحس بدفا حضنه، سكت وحط راسه الصغيرة على كتف فوزي.
المعلم مرسي ابتسم وهز راسه وقال:
“عفارم عليكي يا أم أحمد، عين العقل. والجدع سدادة وهيوريكي أصله. يلا يا رجالة كل واحد على فرشه، العرض خلص والبيوت ليها أسرار.”
بدأ الناس يتفرقوا وهم بيدعوا لهم بالصلح، وفوزي التفت لسمر وقال وعينيه مش مفارقة وش ابنه:
“يلا بينا.. عربيتي بره، هنروح لبيت والدتك، ومن النجمة هكون مرتب كل حاجة تليق بيكي وبعذابك.”
سمر لمّت شالها القديم، وبصت لفرش الخضار اللي كان سندها سنتين نظرة وداع ماليانة شكر، ومشت جنب فوزي وهي حاسة إن الحمل تقل مش خف، لأن مواجهة الماضي مبتقفش عند حد السوق.
ركبوا العربية، والسكوت كان سيد الموقف طول الطريق، مكنش مسموع غير صوت أنفاس الواد اللي نام في حضن أبوه. فوزي كان بيسوق وإيد على الدريكسيون وإيد تانية محاوطة ابنه، وعينيه كل شوية تروح على سمر اللي ساندة راسها على الشباك وبتتفرج على شوارع المدينة وكأنها بتشوفها لأول مرة من سنتين.
وصلوا لبيت والدتها؛ بيت قديم في حارة ضيقة. فوزي شال الواد وطلع ورا سمر، وأول ما الباب اتفتح، ظهرت الست الكبيرة العاجزة على كرسي متحرك. أول ما شافت فوزي، عينيها وسعت وقالت بصوت مهدود:
“فوزي؟ أنت جيت يا ابني؟ عرفت الحقيقة؟”
فوزي نزل على ركبه قدام الست الكبيرة وحط راسه على إيدها يبوسها وهو بيقول:
“سامحيني يا أمي.. ظلمتكم وظلمت نفسي، بس والله العظيم هعوضها وهعوضكم عن كل ليلة دموع.”
الست بكت وطبطبت على راسه:
“المهم ابني الصغير يا فوزي.. سمر شافت الويل، صونها لوجه الله.”
بعد ساعة، فوزي استأذن عشان ينزل يدبر أمور السكن الجديد ويسيبهم يرتاحوا. نزل السلم وهو حاسس إن جبال اتزاحت من على صدره، بس جبل واحد كان لسه واقف في طريقه.. جبل اسمه “أمه”.
وهو راكب عربيتها، تليفونه رن. بص في الشاشة لقى رقم أمه. كنسل المكالمة ببرود وغضب، وداس بنزين وهو ناوي يروح ينهي الصفحة دي بالكامل.
وصل للعمارة، وطلع الشقة. فتح الباب، لقى أمه قاعدة في الصالة، وحواليها شنط هدومها ملمومة، وجنبها أختها (خالته) وبنت خالته “نهى” اللي كانوا جايين عشان يرتبوا للجوازة الجديدة.
أمه أول ما شافته، وقفت وقالت بلؤم ماليان غضب:
“أهو الباشا شرف.. سامعة يا أختي؟ بيقولي البيت ماليش عتبة فيه طول ما أنا فيه! عشان حتة بت هربانة صغرتنا قدام الخلق!”
خالته وقفت وقالت بقلة ذوق:
“جرى إيه يا فوزي؟ أنت هتطرد أمك عشان وحدة سابت بيتك وراحت تبيع خضار في الأسواق؟ دي متلزمكش يا ابني، نهى بنتي أولى بيك وباسمك.”
فوزي بصلهم تلاتتهم، ونظرة عينيه كانت مرعبة. مشي ببطء لحد ما وقف قدام شنط الهدوم، وبكل عزم رجله، شاط الشنط قلبها في وسط الصالة، الهدوم اتطوحت في كل حتة.
زعق بصوت هز العمارة كلها:
“نهى مين وأم مين؟ أنتوا إيه مبتحسوش؟ الشقة دي من اللحظة دي معروضة للبيع بيافطة كبيرة.. وأنتي يا أمي، الشنط دي تلميها وتغوري مع أختك وبنتها.. ماليش أم من النهار دة.. اللي ترمي ابني البكري في الشارع وتخليني أعيش في كذبة سنتين، متلزمنيش!”
الأم صرخت بذهول:
“بتطردني يا فوزي؟ بتطرد أمك عشانها؟”
قرب منها وشاور على الباب بصباع بيترعش:
“أنا م بطردكيش.. أنا بطلع من حياتكم كلكم. البيت ده هيتقفل، وفلوسه هشتري بيها بيت لمراتي وابني. اخرجوا بره.. بررررره!”
الخناقة اشتدت، والأم بدأت تدعي وتصوت وتلم الجيران، بس فوزي مكنش سامع حد.. كان بيقفل باب الماضي بإيديه وبيرمي المفتاح.
في نفس الوقت، في بيت أم سمر..
كانت سمر قاعدة في أوضتها الضيقة، بتبص لأحمد وهو نايم بسلام لأول مرة من غير ما يسمع دوشة السوق. تليفونها القديم رن برقم غريب.. ردت بصوت واطي: “ألو؟”
جالها صوت نسائي حاد ومسموم عرفته في ثانية.. صوت “نهى” بنت خالة فوزي وهي بتقول بغل:
“فاكرة نفسك كسبتي يا سمر؟ فاكرة لما رجعتي بوشك الفقر وعيلك هتاخدي فوزي وفلوسه؟ وربنا ما هتهني بيه ثانية واحدة، واللي عملته خالتي فيكي زمان.. هكمله أنا ودلوقتي!”
سمر قلبها انقبض، والخوف القديم رجع يصحى من جديد.. والمواجهة الجاية مش هتبقى في السوق، دي هتبقى حرب تكسير عظام..
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
أنفاس سمر اتكتمت، وإيدها اللي ماسكة التليفون عِرقت وسخنت من كتر الصدمة. بصت لوش ابنها النايم وبدأت ضربات قلبها تتسارع، بس المرة دي مكنش خوف استسلام، كان خوف ذئبة بتدافع عن جحرها.
حطت صباعها على بوقها كأنها بتطمن نفسها إن الواد مش هيصحى، وردت بصوت واطي بس حامي زي زجاج مكسور:
“أنتِ مين عشان تهدديني؟ ونهى مين اللي بتتكلم؟ فوزي اللي بتتحاموا فيه ونفسكم تخطفوه، لسه نازل من تحت رجلي في وسط سوق الخضار قدام أمة لا إله إلا الله.. فوزي نزل في الطين عشان يطلب رضايا ويشم ريحة ابنه.. اأعلى ما خيلكم اركبوه أنتِ وخالتك، والباب اللي اتطردت منه زمان، أنا اللي قافلاه بمزاجي دلوقتي.. غوري.”
قفلت السكة في وشها وعملت للرقم “بلوك” وهي جِسمها كله بيترعش. رمت التليفون على السرير وقامت وقفت جنب الشباك تبص للحارة الضيقة الضلمة، الدموع نزلت من عينيها تِكوي خدودها. سألت نفسها بقهر: “هو الوجع ده ملوش آخر؟ أنا صنت اسمه وشرفه في الغيبة، وشيلت قفاص الخضار لحد ما ضهري اتقوس، ولما الحقيقة ظهرت، لسه فيه ناس عايزة تنهش في لحمي؟”
في نفس اللحظة، في شقة فوزي..
الدنيا كانت مقلوبة صريخ وعويل. خالتها وبنتها “نهى” كانوا بيلموا الهدوم اللي فوزي طوحها في الأرض وهم بيتحسبنوا ويزعقوا. نهى كانت وشها أحمر من الغيظ بعد ما سمر قفلت السكة في وشها، وبصت لخالتها (أم فوزي) وقالت بغل:
“شفتي يا خالتي؟ شفتي ابنك عمل فينا إيه عشان حتة بياعة خضار؟ والست هانم لسه مكلماني وبتغلط فيا وتقولي فوزي تحت رجلي! ضيعتي الواد من إيدينا يا خالتي بجهلك!”
أم فوزي، رغم إنها كانت بتدعي التعب والوجع، الكلمة دي شعللت النار في صدرها. كبرياؤها كأم، والسيطرة اللي عاشت بيها طول عمرها تتهد على إيد البنت اللي طردتها؟ وقفت على رجلها وزقت أختها وقالت بعيون مليانة شر وعناد:
“تحت رجليها؟ فوزي ابني أنا.. أنا اللي شيلت وربيت، ومش حتة عيل وجرة بنعلها هي اللي هتاخده مني وتكسر كلمتي في المنطقة.. سيبوا الشنط دي مكانها.. البيت ده بيتي ومش هخرج منه، وفوزي هيرجع يبوس جزمتي عشان أرضى عنه، والبت دي.. لو مكنتش أخليها تلف حوالين نفسها وتتمنى الموت ومطولوش، مابقاش أنا “الحاجة هدى”!”
خرج فوزي من الشقة وهو مش سامع كل الهري ده. نزل ركب عربيتة وهو حاسس بنار بتاكل في صدره، بس جواه غسيل نضيف وعزم ملوش آخر. سهر طول الليل يلف على المكاتب العقارية، مكنش هامه الفلوس ولا هامه الوقت، كان عايز شقة تليق بسمر وابنه في مكان راقي، بعيد عن منطقة أمه وبعيد عن قهر الأسواق.
وبالفعل، على الساعة 4 الصبح، كان مخلص كتابة عقد شقة إيجار قانون جديد في منطقة هادية ونظيفة، ودفع تمنها سنة مقدم، واتفق مع شركة نقل موبيليا وأجهزة عشان يفرش الشقة من الألف للياء في ظرف 48 ساعة. كان بيتحرك كأنه في سباق مع الزمن عشان يغسل ذنبه.
مع دقة الساعة 8 الصبح، سمر صحيت على صوت خبط هادي على الباب. قامت فتحت وهي مخضوضة، لقت فوزي واقف بره.. وشه دبلان ومنمش بقاله يومين، بس عينيه فيها لمعة أمل. كان شايل في إيده أكياس كتير فيها فطار طازة، وعلب لبن وبامبرز للواد، ولعب أطفال أشكال وألوان.
بص لسمر بحرج وقال بصوت حنين:
“صباح الخير يا سمر.. أنا عارف إن الوقت بدري، بس مكنتش قادر أستنى.. جبت فطار ليكي ولأمي الكبيرة، وحاجات لأحمد.. هو صحي ولا لسه؟”
سمر بصت للأكياس، وبصت لشكله المتبهدل والتعبان، قلبها حن شوية بس افتكرت مكالمة نهى بالليل، ملامحها جمدت وقالت ببرود:
“صحي.. سيب الحاجه دي هنا واتفضل، إحنا مش محتاجين شفقة منك يا فوزي، أنا بقالي سنتين بأكل ابني من عرق جبيني ومجوعتوش.”
فوزي دخل خطوة لجوه وقفل الباب وراه براحة، ونزل على ركبه تاني قدامها، ومسك إيدها المرة دي ورجاها:
“عشان خاطر ربنا بلاش النبرة دي.. أنا منمتش ثانية واحدة، الشقة الجديدة جاهزة وبتتفرش، ومش هتدخلي بيتي القديم تاني خالص.. أنا قطعت علاقتي بأمي وبخالتي وبنتها، وقفلت الصفحة دي للأبد. أنا شاريكم وعايز أعيش الباقي من عمري خدام ليكم.. اديني الأمان يا سمر، أنا حاسس إن ركبي مش شيلاني.”
في اللحظة دي، خرج الواد أحمد وهو بيفرك في عينيه الصغيرين وهو لابس بيجامته البسيطة. أول ما شاف فوزي، افتكره من امبارح، وضحك ضحكة بريئة ونطق بلسانه الثقيل: “بابا..”.
الكلمة نزلت على فوزي كأنها طوق نجاة، جرى على الأرض وشال الواد وفضل يبوس فيه ويحضنه وهو بيبكي، وسمر واقفة بتبص للمنظر ودموعها بتنزل صامتة.. صراعها الداخلي بين حبها القديم وفرحة ابنها بأبوه، وبين جرح كرامتها ومكالمة التهديد اللي لسه بترن في ودنها.
لكن الكارثة الأكبر مكنتش في شقة سمر.. الكارثة كانت في السوق!
الحاجة هدى (أم فوزي) مكنتش بتضيع وقت. في نفس الساعة، كانت واصلة لسوق الخضار، ومعاها اتنين رجالة من “المسجلين” والبلطجية من منطقتها القديمة، ووقفت قدام فرش الخضار الفاضي بتاع سمر، وبدأت تزعق وتصرخ وتلم الناس وهي ناوية تهد المعبد على دماغ الكل.. والشرارة الأولى للمواجهة الأخيرة بدأت تولع!
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
الناس اتلمت في السوق على صوت الزعيق والشتيمة الكبيرة اللي كانت الحاجة هدى بتحدفها يمين وشمال. البلطجية اللي معاها بدأوا يزقوا أقفاص الخضار الفاضية، ويخوفوا البياعين عشان محدش يقرب.
هدى كانت واقفة في وسط السوق، ملوية دراع الشرف والجدعنة، وبتصرخ بأعلى صوتها:
“فين البياعة؟ فين الهربانة اللي لمت عليكم وضحكت على ابني وخلته يرمي أمه في الشارع؟ اظهروا يا بتوع الحلال ورونا شطارتكم!”
في ثواني، ظهر المعلم مرسي من وسط الممرات، وراه خمس ست رجالة من بياعين السوق، ماسكين عِصي خشب وكفوفهم ناشفة من شقا الأيام. مرسي وقف قدام هدى زي السد المنيع، وبص للبلطجية بنظرة خلتهم يرجعوا خطوة لورا، وقرأ بنبرة صعيدية حامية تهز الحجر:
“جرى إيه يا ولية يا خِرفة أنتِ وهي؟ أنتِ فاكرة نفسك داخلة زريبة؟ ده سوق رجالة، وأم أحمد دي جزمتها برقبة مية واحدة من عينتك! البلطجية بتوعك دول لو حد فيهم مد إيده على قفص واحد، مش هيخرجوا من السوق ده على رجليهم.. اطلعي برة بكرامتك بدل ما تتهاني!”
في نفس اللحظة، عربية فوزي وقفت على أول السوق بسرعة. كان جاي ومعاه سمر وشايل أحمد على كتفه، عشان سمر كانت مصممة تيجي تلم ميزانها وحاجتها وتودع الناس اللي شالوها. أول ما فوزي ولمح أمه والبلطجية، الدم ضرب في نفوخه.
نزل الواد في حضن سمر، وجرى وسط الزحمة زي الإعصار، وقف مابين أمه والمعلم مرسي، وزعق في وش أمه بصوت جاب آخر المنطقة:
“أنتِ إيه؟ مابتشبعيش أذية؟ مابتخافيش من ربنا؟ بقالك سنتين ظالماها وحرماني من ابني، وجاية لحد هنا تكملي فجر وفضايح؟”
هدى بصت لابنها وسمر اللي واقفة بعيد وضامة ابنها، وقالت بوجع كبرياء مكسور وشر:
“أنا جاية أفوقك يا فوزي! جاية أكسر عينها وعين اللي بيحموها عشان تعرف إنها وحدة رخيصة ومشتراك بدموعها! مش هسيبك تضيع من إيدي عشانها!”
هنا.. سمر مشت بخطوات ثابتة وراس مرفوعة، لأول مرة مكنتش الست الخايفة ولا المكسورة. وقفت قدام هدى مباشرة، وبصت في عينيها بقوة متهزتش، وقالت بصوت مسموع هز قلوب كل اللي واقفين:
“أنا مش رخيصة يا حاجة هدى.. أنا الغالية اللي صانت اسم ابنك وشرفه في عز الجوع والبرد. أنا الست اللي شالت ابنه في بطنها وهي بتطرد بالليل وممدتش إيدها للحرام ولا اشتكت. الرخيص هو اللي بيظلم، والرخيص هو اللي بيمشي بين الناس بالكدب ويهد البيوت.. ابني ده (وشاورت على أحمد) هيكبر وهيعرف إن أمه بياعة الخضار الشقيانة أشرف من الست اللي لبست حرير وعاشت بقلب من حجر. أنتِ خسرتي ابنك بإيديكي، وبكره لما تقعدي لوحدك في ضلمة بيتك، افتكري إن ذنب الغلبان مابيروحش، ودعوة المظلوم مابينها وبين ربنا حجاب!”
الكلمات نزلت على الحاجة هدى زي كرباج حامي. لقت البلطجية اللي معاها سحبو نفسهم ومشوا لما شافوا رجالة السوق وصوت الحق، ولقت ابنها فوزي بيبص لها بنظرة موت كامل، مفيهاش حتى عتاب، فيها “خلاص.. أنتِ مابقتيش أمي”.
فوزي مسك إيد سمر، وشال ابنه أحمد باليد التانية، والتفت للمعلم مرسي وباس راسه وقال: “كتر خيركم يا رجالة، صنتوا عرضي في غيابي، وجميلكم ده فوق راسي ليوم الدين”.
مرسي طبطب على كتفه وقال: “روح يا بني وصون أمانتك، الست دي جوهرة، أوعى تزعلها تاني”.
مشي فوزي وسمر وابنهم وسط هتافات البياعين ودعواتهم، وسابوا الحاجة هدى واقفة لوحدها في وسط الطين، والناس بتبعد عنها وكأنها وباء.. خرجت مطرودة ومنبوذة من كل القلوب، بعد ما هدمت بيتها وضيعت ابنها الوحيد بسبب الغيرة والظلم والشر.
### الحكمة من القصة:
> **”البيوت تُبنى بالرحمة وتُهدم بالظلم. والكرامة التي تُصان بالشقاء والقرش الحلال، أثبت وأقوى من كبرياء يُبنى على باطل. وظلم الأمهات أو الآباء لبيوت أبنائهم بدعوى السيطرة وحب التملك، ما هو إلا جمرة نار تحرق يد صاحبها أولاً.. وفي النهاية، يدور الزمان دورته، ليثبت أن الحقيقة كالشمس لا يمكن حجبها بغربال الكذب، وأن من يزرع الشوك والكسرة في قلوب الأبرياء، لن يجني في خريف عمره إلا الوحدة والندم الحارق.”**
>