350 ألف حكايات زهرة 2

كتمت نفسي ورجعت خطوتين لورا بالراحة لحد ما بقيت في الصالة، قلبي كان مسموع في وداني ونبضاته بتخبط زي الطبل. دخلت المطبخ بسرعة، وعملت نفسي لسه واصلة، ورزعت شنط الخضار على الرخامة عشان يعرفوا إني جيت.

الصوت جوة الأوضة سكت فجأة. دقيقة ولَقيت شيماء طالعة من الأوضة، وشها مفرود وابتسامتها الصفرا مغطية ملامحها، وجت ورايا المطبخ:

— “حماتي يا عروستنا.. جيتي؟ هاتي عنك الشنط دي أرصها معاكي، ده إنتي وحشاني من المرة اللي فاتت.”

بصيت لها وقولت ببرود حاولت أصطنعه:

— “أهلاً يا شيماء، منورة.. معلش مكنتش أعرف إنك هنا، كنت عملت حسابي في الغدا.”

أحمد طلع من الأوضة، لابس نظارته وباصص في الأرض، عدا من جمبي ودخل الحمام من غير ما ينطق بكلمة. حماتي حصلتهم ووقفت على باب المطبخ، عينيها كانت بتفحصني من فوق لتحت، ونزلت لغاية معصم إيدي اللي كنت مخبية فيه الغوايش جوة أكمام العباية البيتي الواسعة.

قعدنا على الغدا، وكان جو مشحون بالسكوت اللي يربك. أحمد مرفعش عينه من طبق الرز، وشيماء كانت بتفتح مواضيع مالهاش لازمة عن المحل والمكياج والزبائن، وحماتي كل شوية تتنهد تنهيدة تقطع القلب وتقول:

— “يا رب فرجها من عندك.. يا رب متجعلناش عالة على حد ولا تحوجنا لقريب ولا غريب.”

بعد ما شيماء مشيت، وأحمد نزل يروح القهوة —وهي العادة الجديدة اللي عملها من يوم خناقة البنك عشان يهرب من البيت— قعدت في الصالة بفرز هدوم الغسيل. لقيت حماتي خرجت من أوضتها، ولأول مرة من يومين، وشها كان هادي، وجت قعدت جمبي على الكنبة.

حطت إيدها الخشنة على كتفي، وقالت بنبرة حنينة خضتني:

— “بقولك إيه يا ناصرة يا بنتي.. إحنا أهل، وزعل امبارح ده يغور في داهية، المصارين في البطن بتتخانق. أنا بس قلبي على أحمد، الواد هيموت من قهرته.. طرد زميله طير النوم من عينه، وخايف يصحى الصبح يلاقي نفسه بره المدرسة ووشه في الأرض قدام عيون الناس.”

بصيت لها وقولت:

— “يا أمي أحمد مدرس شاطر ومحبوب، ومفيش أي سبب يخليهم يمشوه.. وبعدين أنا مأكلتش حقه، أنا نفذت وصية أمي.”

طبطبت على إيدي وقربت أكتر:

— “عارفة يا بنتي، وأمي الله يرحمها كانت دايماً تقول الوصية عهد.. بس أحمد مش عاوز فلوس البنك خلاص، هو صرف نظر. بس هو محتاج “سندة” صغيرة.. خمسين ستين ألف يربط بيهم كلام مع ناس في مدرسة خاصة تانية كأمان ومصدر دخل تاني ليكم.. وأنا قولت مفيش غير الغوايش بتوع أمك، نبيعهم والقرشين يمشوا الحال، وأول ما أموره تظبط، والنعمة الشريفة ليرجعهم لك أحسن مما كانوا.”

حسيت بكهربا مشيت في جسمي. كلامهم اللي سمعته من ورا الباب كان بيتنفذ بالحرف، وبنفس الطريقة “اللي تخليني أطلعهم من غير ما أحس بجميلة” زي ما قالت لشيماء.

سحبت إيدي من تحت إيدها بالراحة وقولت:

— “الدهب ده ريحة أمي يا أمي.. والوردة المحفورة جواه دي ورث جدتي، دول مش للبيع.”

ملامح وشها اتغيرت في ثانية، الحنية اختفت وظل مكانها الجمود البحراوي التقيل:

— “يعني إيه مش للبيع؟ الذهب جُعل للزنقات يا فصيحة! تبيعي حتتين حديد أصفر عشان تسندي جوزك وتقفي وراه، ولا تسيبيه يتكسر؟”

وقفت وقولت بحسم:

— “مش هبيعهم يا أمي.. والدهب ده مش هيطلع من إيدي.”

سيبتها ودخلت أوضتي وقفلت الباب. قعدت على السرير وقلعت الغوايش من إيدي وبصيت للوردة البلدي الصغيرة المحفورة جواهم.. دموعي نزلت وعرفت إن وجودهم في البيت بقى خطر، وأحمد وحماتي مش هيسكتوا.

بالليل، أحمد رجع متأخر. دخل الأوضة وغير هدومه في الضلمة من غير ما يتكلم. عملت نفسي نايمة، بس كنت صاحية ومراقبة كل حركة. قعد على السرير، وحسيت بنظراته موجهة عليا في العتمة.. فجأة، لَقيت إيده بتمتد بالراحة وبتتحسس المخَدة اللي تحت راسي، وكأنه بيدور على حاجة مستخبية!

حبست نفسي تماماً ومتحركتش، وإيده بدأت تنزل لتحت الكومودينو بالراحة ومن غير صوت.. كان بيدور على علبة القطيفة الحمرا.

أنا مكنتش حاطة الغوايش هناك.. كنت شايلاهم في مكان تاني خالص محدش يتوقعه.

الصبح صحيت على صوت خبط ورزع بره.. طلعت جري للصالة، لقيت أحمد واقف في وسط الأوضة، وحماتي ماسكة الموبايل وبتعيط وتصرخ، وشيماء أخت أحمد لسه داخلة من الباب وشها أصفر وبتلطم على خدها:

— “الحقنا يا أحمد.. المصيبة حصلت والبيت بيتخرب!”

 

وقفت في مكاني مشلولة، عيني بتتنقل بين أحمد اللي واقف زي الصنم ونظارته السودا على عينه مخبية ملامحه، وبين شيماء اللي بتلطم، وحماتي اللي لمت الجيران بصوتها وصراخها. ريحة الفطير المشلتت اللي كانت بتعمله حماتي طالعة من المطبخ ومختلطة بريحة الخوف اللي مالت الصالة.

قربت من أحمد وشدّيته من كمه:

— “في إيه يا أحمد؟ استر يا رب.. مين اللي جرى له حاجة؟”

أحمد ماردش عليا، نحّى إيدي عن كمه ببرود ونزل قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه. شيماء هي اللي ردت عليا بنبرة كلها غل وهي بتبصلي من فوق لتحت:

— “أخويا اتمَدت إيده على فلوس من المدرسة يا ناصرة.. فلوس مصاريف رحلة وتبعات تانية كانت في عهدته، والمدير الجديد زي ما أحمد قالك مبيفوتش.. يا إما الفلوس تترد قبل الساعة اتناشر الضهر النهاردة، يا إما القسم والنيابة والفضائح، وأخويا يضيع ومستقبله يتمحي!”

حماتي قعدت في الأرض وفضلت تخبط على رجليها وتصوّت:

— “يا خراب بيتك يا أحمد.. يا فضيحتك وسط الناس يا ابن قلبي.. يا شماتة أبلة ظريفة وبناتها فينا! بقيت حرامي يا أستاذ أحمد؟ بقيت حرامي عشان مش لاقي السند في بيتك؟”

بصيت لأحمد وقولت بصوت يترعش:

— “الكلام ده صح يا أحمد؟ إنت تمد إيدك على عهدة؟”

رفع راسه، وشيل نظارته السودا.. لأول مرة أشوف عينيه مكسورة وفيها دموع، أو ده اللي اتهيأ لي ساعتها. قال بصوت مبحوح وخارج بالعافية:

— “الظروف ضغطت عليا يا ناصرة.. دخلت في جمعية عشان أدفع مقدم المشروع اللي قولتلك عليه، والراجل ضغط عليا وكنت فاكر إني هلم الفلوس من البنك وأرجع العهدة مكانها قبل ما حد يحس.. بس إنتي قفلتيها في وشي في البنك.. أنا هضيع يا ناصرة.. هتحبس.”

الدنيا لفت بيا.. وصية أمي وصرامتها في البنك، ودموعها وهي بتموت، وقصادها جوزي اللي عشت معاه أيام الدفا، الراجل اللي كان بيلف بيا في المطر عشان متبهدلش، واقف قدامي مهدد بالحبس والفضيحة.

شيماء قربت مني ومسكت إيدي بلؤم:

— “مفيش وقت يا ناصرة.. مفيش غير الغوايش.. انقذي جوزك، الدهب بيروح وبييجي، بس السمعة لو راحت مابترجعش.. فكي ضيقة الراجل اللي سترِك.”

حماتي زحفت لغاية عندي ومسكت في طرف عبايتي:

— “ببوس رجلك يا بنتي.. انقذي ابني.. ده حيلتي من الدنيا، مش هتحمل أشوفه مكلبش.”

وقفت في وسطهم، حاسة إن في سكاكين بتقطع في قلبي. دخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا.. قعدت في الأرض ودموعي نازلة مش بتوقف. سحبت علبة الخضار القديمة اللي في المطبخ اللي كنت مخبية فيها الغوايش وسط الرز.. طلعتهم.. النقشة بتاعة الوردة البلدي كانت بتلمع تحت ضوء لمبة الأوضة. افتكرت كلمة أمي: “لا إنتي ولا غيرك يلمسها.. دول قرشين للزمن.”

مسحت دموعي.. وقولت لنفسي: “الزمن جه يا أمي.. والزنقة واقرة.. لو ماساعدتوش والبيت اتخرب، مش هعرف أعيش مع نفسي.”

خرجت الصالة، كانوا التلاتة قاعدين مستنيين ومثبتين عيونهم على الباب. حطيت الغوايش في إيد أحمد:

— “خود دول يا أحمد.. انزل بيعهم ويسر أمورك ورجع العهدة.. بس افتكر إن دول ورث أمي وجدتي.. ريحة ناسي.”

أحمد خطف الغوايش من إيدي وعينيه لمعت بلمعة غريبة.. مكنتش لمعة راجل مكسور من الفضيحة، كانت لمعة انتصار!

أخد أخته وشيماء ونزلوا جري عشان يلحقوا الصاغة والوقت قبل الضهر.. وفضلت أنا وحماتي في الشقة. حماتي دخلت أوضتها فجأة وسكتت، ولا كأن كان في مصيبة من خمس دقايق.

دخلت المطبخ عشان أشرب مية، وأنا برجع كوبة المية، عيني جت على باسكيت الزبالة.. لقيت ورقة مقطوعة ومكشكشة.. سحبتها بالراحة وفردتها..

الورقة كانت إيصال استلام نقدية من معرض عربيات مستعملة، باسم “أحمد…” ومدفوع فيه مقدم عربية “خمسين ألف جنيه”.. والتاريخ؟ كان بتاريخ إمبارح بالليل!

وقفت والورقة في إيدي، والدم جمد في عروقي.. مفيش عهدة، ومفيش سجن، ومفيش فضيحة.. الفيلم كله كان ملعوب عشان حتتين الدهب!

 

الورقة كانت في إيدي بتترعش، وكل حرف فيها كان بيتحول لخنجر بيقطع في قلبي. “خمسين ألف جنيه.. مقدم سيارة مستعملة”.. والتاريخ إمبارح بالليل، في نفس الوقت اللي كان راجع فيه متأخر وبيفتش تحت مخدتي.

الفيلم كان محبوك، والدموع المكسورة اللي شوفتها في عينيه كانت دموع تماسيح، وحماتي اللي كانت بتصوت وتلطم على رجليها كانت المخرج المنفذ للمسرحية دي كلها. باعوا ريحة أمي، وكسروا وصيتها عشان يركبوا عربية!

حسيت بنار قايدة في صدري، بس فجأة، الدموع وقفت، وحل مكانها برود غريب عمري ما حسيته قبل كده. افتكرت نظرة الحسم اللي كانت في عين أمي وهي بتموت.. كأني سمعت صوتها في ودني بيقولي: “قومي وخدي حقك، القوية مابتتكسرش”.

طلعت الصالة بهدوء، دخلت أوضتي، ولميت كل الهدوم اللي ليا، وحطيتها في الشنطة. حماتي طلعت من أوضتها على صوت السوستة، وبصتلي باستغراب:

— “على فين يا ناصرة يا بنتي في وقت زي ده؟ وأحمد لسه مصلحش حاله بره؟”

بصيت لها وطلعت الورقة من جيبي وحطيتها في وشها:

— “أحمد بيصلح حاله في معرض العربيات يا أمي.. مبروك عليكم العربية الجديدة، بس المرة دي الحساب هيكون غالي قوي.”

وشها اتقلب وأصفر، وملحقتش تنطق بكلمة.. شيلت شنطتي وخرجت من الشقة ورزعت الباب ورايا، ونزلت وعيوني مفيش فيها دموع، فيها غضب يهد جبال.

رحت على بيت خالي.. حكيت له كل حاجة من طقطق للسلام عليكم، ووريت له إيصال العربية، وصورة الورقة وصورة الشهادة اللي في البنك. خالي وقف وقفة رجالة، وقال لي: “والله ما هسيبهم يكسروكي، والدهب ده هيرجع وغصب عن عينهم.”

تاني يوم الصبح، أحمد جالي بيت خالي.. كان جاي وشه في الأرض، وحاطط النظارة السودا عشان يداري عينه، ومعاه شيماء وأمه. دخلوا وهما فاكرين إن الكلمتين الحلوين بتوع زمان والشتا والمطر هيجيبوا مفعول.

أحمد قرب مني وحاول يمسك إيدي:

— “يا ناصرة افهميني.. أنا عملت كده عشاننا، عشان نعمل مشروع ونشتغل بالعربية دي أوبر ونحسن دخلنا، مكنتش عاوز أسرقك والله.”

خالي وقف في وشه وبطحه بالكلمة:

— “تشتري عربية بفلوس ورث ميت؟ وبتعمل فيلم وسجن وفضيحة عشان تلوي دراع مرتك؟ إنت مش راجل يا أحمد، واللي يعمل كده ملوش أمان.”

أحمد بصلي ولقى عيني حادة وناشفة، مفيش فيها ناصرة الضعيفة اللي كانت بتبكي في البنك. قولتله بحسم:

— “قدامك حل من الاتنين مالهومش تالت.. يا إما تروح الصاغة دلوقتي وتجيب لي غويشتين لازوردي نفس الوزن والعيار، ومحفور عليهم وردة بلدي من جوه.. يا إما هرفع قضية تبديد ومحضر نصب بإيصال العربية ده، والشهادة اللي في البنك باسمي مش هطول منها مليم واحد.. والطلاق هيكون خلع وفضيحتك هتبقى بجد في وسط المدرسين والمدرسة.”

شيماء زعقت:

— “إنتي بتلوي دراع أخويا؟”

رديت عليها وعيني في عينها:

— “أخوكي هو اللي لوى دراعي بدموع كدابة.. قدامكم لحد بكرة بالليل، الدهب يرجع، وبعدها ورقة طلاقي تجيلي، وإلا السجن اللي كنت بتعيط منه هيبقى حقيقة.”

طردناهم من البيت.. ومرت ٢٤ ساعة كانت أصعب ساعات حياتي.

قبل الميعاد بساعتين، الباب خبط. كان أحمد واقف لوحده، وشه دبلان، وفي إيده علبة قطيفة حمرا.. بس مش بتاعة زمان. فتحت العلبة.. لقيت غوايش لازوردي جديدة، تقال، وبصيت جواهم.. لقيت نقشة الوردة البلدي محفورة. كان باين إنه لف الصاغة كلها وتنازل عن مقدم العربية وخسر فوقيهم عشان يلاقي نفس الشكل والمواصفات عشان يهرب من السجن والقضية.

حطيت العلبة في جيب شنطتي، وبصيت له لآخر مرة:

— “الدهب رجع يا أحمد.. بس الدفا والأمان اللي كانوا بيننا مبقاش ليهم وجود.. ورقة طلاقي توصلني في خلال أسبوع.”

قفلت الباب في وشه، وحسيت بروح أمي طايرة حواليا وبتحضنّي. الفلوس فضلت في البنك مربوطة شهادة للزمن زي ما وصتني، والدهب رجع في إيدي يحميني.. خسرت راجل كداب، بس كسبت نفسي، وعرفت إن عشرة الأيام مابتتبنيش على الخداع، وإن وصية أمي كانت هي طوق النجاة اللي نقذني من غدر الزمن.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *