عذاب طفلها حكايات صافى هانى 2
بوابات البيت اتكسرت، وفجأة الصالة اتملت بـ “كوماندوز” ورجال عمليات خاصة بأسلحتهم. “رايان” كان لسه واقع على ركبه ومش قادر يقف من الصدمة، والست اللي بالأحمر بدأت تصرخ وهي مش فاهمة إيه اللي بيحصل، و”باتريشيا” كانت بتترعش والبيبي هيقع من إيدها.
القائد المسؤول قرب مني، ضرب تعظيم سلام وقال بنبرة كله حسم: “حمد الله على السلامة يا فندم.. القوة جاهزة لتنفيذ الأوامر.”
شاورت بصباعي على “رايان” وأمه والست اللي معاه، وقولت ببرود: “اقبضوا عليهم.. تهمة تزوير أوراق رسمية، واختلاس أموال عامة، والشروع في قتل طفل وتعذيبه.”
”رايان” صرخ وهو بيتقيد بالحديد: “إيميلي حرام عليكِ! أنتِ بتدمرينا عشان خاطر حتة عيل؟”
بصيتله وقولتله: “العيل ده هو اللي طلعني حية من وسط النار اللي كنت فيها لخمس سنين.. بينما أنت وأمك كنتوا بتخططوا إزاي تقبضوا ثمن موتي المزيف من الحكومة عشان تسددوا ديونكم.. السر اللي داريتوه من ست سنين، أوراق الشراكة المشبوهة اللي سرقتوها من ورايا، كلها بقت في إيد النيابة دلوقتي.”
الست اللي بالأحمر بدأت تعيط وتتوسل: “أنا ماليش ذنب! أنا معرفش حاجة.. هو اللي قالي إن مراته ماتت في حادثة!”
بصيتلها من فوق لتحت وقولت للعساكر: “خدوها معاهم.. التحقيق هيجيب قرار كل واحد فيكم.”
في ثواني، الصالة فضيت، وصوت صراخهم وتوسلاتهم بدأ يختفي تدريجيًا مع صوت سرينات العربيات وهي ماشية. البيت اللي كان من شوية مليان زيف وظلم، فجأة مابقاش فيه غير صوت نفسي ونفس ابني.
وطيت على الأرض تاني لـ “إيثان”.. قعدت قدامه على ركبي عشان أكون في نفس مستواه. رفعت إيدي براحة وعيوني مليانة دموع، وبدأت أمسح التراب اللي على وشه النحيف.
”إيثان.. حبيبي.. أنا ماما.. مفيش كلاب تاني، ومفيش سلاسل، ومفيش عذاب.. البيت ده بقى بتاعك لوحدك، والناس اللي آذوك خلاص مش هيرجعوا تاني أبدًا.”
الولد بص في عيني طويل، وفجأة، اللمعة اللي كانت مطفية في عينه رجعت تاني.. كأنه افتكر الملامح دي، كأنه افتكر الحضن الدافي اللي كان بيلجأله زمان. شفايفه ارتعشت، ودمعة نزلت على خده، ورمى نفسه في حضني وهو بيصرخ وبيمسك في قميصي بكل قوته، كأنه خايف أختفي تاني.
ضمتّه لصدري وأنا بحلف في سري: “ورحمة كل ليلة عشتها في الغربة وفي العذاب.. لأدفعهم ثمن كل ثانية عشتها بعيد عنك، وثمن كل دمعة نزلت من عينك يا قلب ماما.”
أخدت “إيثان” في حضني، وخرجت بيه بره البيت خالص. مكنتش عايزة يقعد ثانية واحدة في المكان اللي شاف فيه العذاب ده. ركبته معايا عربية القيادة الرسمية، وطلبنا عربية إسعاف مجهزة تيجي فوراً على مقر الأمان التابع للجهاز عشان تطمن على صحته وجروحه. طول الطريق، الولد مكنش سايب قميصي، كان كأنه بيستمد النفس مني، وأنا مكنتش بوقف بَوس في راسه وإيده.
بعد كام ساعة، وبعد ما الدكاترة طمنوني إن جسمه ضعيف ومحتاج تغذية بس الحمد لله مفيش إصابات خطيرة دايمنة، دخلت بيه شقة تابعة للجهاز.. شقة مأمنة ونضيفة وفيها كل وسائل الراحة. غيرتله هدومه المبهدلة، وأكلته بإيدي لقمة نضيفة، لحد ما نام وهو ماسك صباعي الصغير.. نام لأول مرة وهو مطمن، مش خايف من ليل بارد ولا من جوع.
وقفت في البلكونة وبصيت للسما، وطلعت تليفوني عشان أتابع التحقيقات.
المستندات اللي كانت مدفونة من ست سنين، واللي “رايان” وأمه افتكروا إنها اتمحت، كانت مستندات بتثبت إن “رايان” مكنش مجرد مهندس عادي، ده كان شغال مع شبكة دولية بتهرّب أسلحة ومعلومات تخص الأمن القومي، والسر ده أنا عرفته بالصدفة قبل ما أطلع مهمتي الأخيرة، ولما حاولوا يخلصوا مني، ربنا نجاني، بس هما استغلوا غيابي وزوروا ورق وفاتي عشان ياخدوا مبالغ تعويض ضخمة باسمي، وكمان عشان الشبكة تضمن سكوت “رايان”.
التقرير اللي جالي على التليفون من المحقق كان بيبرد النار اللي في قلبي:
“يا فندم، ’رايان‘ اعترف بكل حاجة تحت الضغط. الست اللي بالأحمر طلعت مرشدة للشبكة وهما اللي جوزوها ليه عشان تراقبه، وأمه ’باتريشيا‘ كانت هي العقل المدبر اللي اقترحت يرموا ’إيثان‘ في الجنينة ويحرموه من الأكل عشان ميتكلمش ولا ينطق بأي سر لو حد سأله عنك.”
قفلت التليفون وأنا باخد نفسي لأول مرة من خمس سنين.
الحساب جه، وبأسرع مما يتخيلوا. “رايان” وأمه والشبكة كلها هيتعدموا بتهمة الخيانة العظمى وجرائم الحرب، والفلوس والتعويضات اللي خدوها بالحرام اتقبض عليها، والبيت القديم هيتباع في المزاد العلني لصالح حساب ابني.
دخلت الأوضة تاني، وقعدت جنب “إيثان” وهو نايم زي الملاك. مشيت صوابعي في شعره وقولت بصوت واطي:
“خلاص يا قلب ماما.. الكابوس انتهى بالكامل. اللي فات كان حرب، والنهاردة بدأت حياتنا بجد.. ومفيش قوة على الأرض هتقدر تبعدني عنك تاني.”
مرت ست شهور على الليلة دي.
في الست شهور دول، دنيتنا اتغيرت تماماً. “إيثان” مبقاش الخايف الضعيف اللي لمسته بوجع، وزنه اتعدل، والضحكة رجعت تنور وشه الصغير من تاني. دخلته مدرسة جديدة، وبدأ يندمج مع أطفال في سنه، وكل يوم الصبح وهو رايح المدرسة، كان بيلف يبصلي ويبتسم.. الابتسامة دي بالدنيا وما فيها، كانت بتأكدلي إن الروح رجعتله، ورجعتلي أنا كمان.
في يوم، كنت قاعدة مع المحامي بتاع الجهاز بنقفل كل القضايا المعلقة.
المحامي ابتسم وحط قدامي ملف أخير وقال: “مبروك يا فندم، حكم الإعدام صدر رسمي ضد ’رايان‘ والشبكة بتهمة الخيانة العظمى. وحماتك السابقة ’باتريشيا‘ حُكم عليها بالسجن المؤبد لولا كبر سنها، والبيت القديم اتباع والمبلغ بالكامل نزل في حساب ’إيثان‘ البنكي كتعويض.”
مضيت على الأوراق ببرود، وقفلت الصفحة دي من حياتي نهائي وللأبد. الظلم اللي عاشه ابني، والكسرة اللي افتكروا إنهم هيسيبوها في قلبي، اتقلبت لعنة حطمتهم كلهم.
رجعت الشقة بعد الضهر، ولقيت “إيثان” مستنيني، كان راسم رسمة صغيرة على الورق: بيت كبير، وجنبه شجرة، وفيه اتنين ماسكين إيد بعض.. أنا وهو.
أخدته في حضني، وشميت ريحته اللي بقت ماليها الأمان والدفا، وقولتله: “جاهز يا بطل عشان ننقل بيتنا الجديد؟”
هز راسه بفرحة وهو بيضحك: “جاهز يا ماما.. طول ما أنتِ معايا، أي مكان هيبقى بيتنا.”
مسكت إيده وخرجنا، وأنا ببص للمستقبل وراسي مرفوعة. الحرب خلصت، والسر اللي كان عايز يهدنا، بقيت أنا اللي بيه هديت عالمهم كله، وبنيت لـ “إيثان” حياة جديدة مفيهاش خوف، ولا قيود.. حياة تليق بابن بطلة ضحت بكل حاجة عشان ترجعله.