جوزي قال لي من هنا ورايح 2
الحاجة صفاء فضلت متنحة للورقة والقلم اللي وقعوا على الأرض، كأن الصدمة شلت لسانها. الغوايش الدهب اللي كانت بترن بانتصار، صبحت بتترعش مع إيدها وهي مش مستوعبة إن “البنت المودرن المطيعة” قلبت الترابيزة بـ “شيت إكسيل” حي على الهواء.
وائل وشه احمر وعروق رقبة ظهرت، رمى مفاتيح العربية على الترابيزة الرخام وزعق:
— إنتي بتستغفلينيا يا ميرا؟ إزاي تروحي للـ HR وتعملي كل ده من غير ما ترجعيلي؟ أنا الراجل هنا!
بصيت له بمنتهى الهدوء، حطيت شنطتي على الكرسي وقعدت، حطيت رجل على رجل وقولت بصوت أبرد من تكييف مكتبنا في التجمع:
— الراجل هنا؟ تمام يا وائل. والراجل لما البنك يبعت له إنذار بالحجز على عربيته عشان مبيسددش، بيستنى مراته تدفع من وراه؟ والراجل لما فيزا المشتريات بتاعته تقف ويتحط في القائمة السوداء، بيسيب مراته تلم العك؟ أنا ملمتش قرش واحد في جيبي يا حبيبي.. أنا سددت ديونك “إنت”.. وريحتك من الأقساط. مش ماما قالت إحنا إيدينا فرطة ومابنعرفش نحوش؟ أنا بقى وفرت على ماما بند الديون، وسلمتها الصافي.. 4000 جنيه بحالهم يمشوا البيت.
حماتي بدأت تفوق من الصدمة، صوتها الناعم اختفى تماماً وظهر الوش التاني، نبرة حادة وناشفة:
— أربعة تلاف جنيه إيه يا ست ميرا اللي يمشوا البيت؟ إنتي مفكرانا شغالين شحاتين؟ ده وائل ابن اختي لوحده بياكل بـ 2000 جنيه فاكهة وحلويات في الشهر! واللحمة بكام؟ وفواتير التكييفات والكهرباء في الصيف ده هتدفع منين؟
ابتسمت لها بنفس الابتسامة المطيعة:
— يا ماما مش إنتي اللي قولتِ طول عمرك مديرة البيت ده وتعرفي تدبري القرش أحسن مننا؟ أنا كبنت “إيدي فرطة” وبتاعت روج ومكياج مكنتش هعرف أمشي البيت بـ 4000، عشان كده سبت الإدارة لأهل الخبرة. اتفضلي بقى، وريني سحر الستات بتا زمان اللي بيطلعوا من الفسيخ شربات.
وائل حس إنه اتزنق في كورنر ضيق.. أمه بتبص له بقلة حيلة وكأنها بتقوله “اتصرف”، وهو عارف إنه لو اتكلم، هيفتح على نفسه باب مديونيات هو مش قدها. قرب مني وحاول يغير نبرة صوته لـ “الحنية المصطنعة”:
— ميرا.. حبيبتي.. إحنا مكنش قصدنا كده.. ماما بس كانت خايفة على مصلحتنا، والـ 4000 جنيه دول فعلاً ميعيشوناش أسبوع في مستوانا.. الغي طلب الـ HR وبلاش قمص عيال.
قمت وقفت، أخدت شنطتي وموبايلي وقولت وأنا متجهة لأوضة النوم:
— الطلبات الإدارية في الشركات الكبيرة مابتتلغيش بكلمة يا وائل.. السيستم اتقفل والشهر ده خلاص اتحسب.. أنا داخلة أغير هدومي عشان مهدودة، ورجلي واجعاني.. ياريت بس يا ماما العشا يكون جاهز، والـ 1000 جنيه بتوع مصروفي، ياريت تسبيهملي على الكومودينو جوه عشان محتاجة أشتري بيهم “روج وشاي للمكتب” زي ما قولتِ.
دخلت الأوضة وقبل ما أقفل الباب، لمحت نظرة الغل في عين الحاجة صفاء، ونظرة العجز التام في عين وائل.
أول ما قفلت الباب، وائل لحق أمه في الصالة، وبدأ همسهم يعلى.. كنت حاطة ودني على الباب وبسمع كل كلمة:
— شفت المفعوصة عملت فينا إيه يا ماما؟ قفلت المحبس!
الحاجة صفاء ردت بفحيح:
— البنت دي بتلعب معانا دنيئة يا وائل.. فاكرة نفسها ذكية.. سيبها، الشهر ده أنا هوريك إزاي همشي البيت بالأربعة تلاف جنيه دول، وهخليها تاكل أردأ أكل وتتمنى اللقمة، لحد ما تيجي تحت رجلينا وتبوس إيدي عشان أرجع أخد مرتبها كله وأصرف عليها أنا!
ضحكت في سري.. هما فاكرين إن الحرب حرب “أكل وشرب”. هما مش عارفين إن الـ 4000 جنيه دول مش هيكفوا فواتير الكهرباء والغاز بتا الشقة اللي الحاجة صفاء مشغلها الله ينور.
مر الأسبوع الأول..
الشقة اتقلبت لمعسكر تقشف. الأكل بقى عبارة عن أردأ أنواع الخضار، والفراخ واللحمة اختفوا تماماً. الحاجة صفاء كانت بتتعمد تحط لي مناب صغير جداً وتقولي بلؤم: “معلش يا بنتي، الميزانية كحك، على قد فلوسكم بقى”. كنت باكل وأنا ببتسم وبقولها: “تسلم إيدك يا ماما، الأكل دايت وصحي جداً”. هما مكنوش يعرفوا إني بتغدى في التجمع أحسن غدا مع عملاء الشركة، وبرجع البيت شبعانة أصلاً، وكنت باكل قدامهم بس عشان مأديهمش متعة إنهم يشوفوني مكسورة.
الأزمة الحقيقية بدأت يوم 10 في الشهر..
حصل اللي كنت مستنياه بالظبط. محصل الكهرباء خبط على الباب. وائل فتح، والمحصل بقدمله الوصل: “فاتورة الكهرباء وشهر متأخر يا فندم.. الحساب 2800 جنيه”.
وائل صرخ: “كام؟! 2800 جنيه ليه؟ إحنا فاتحين مصنع؟”
المحصل برد برود: “التكييفات يا بيه.. هتدفع ولا نعمل تقرير رفع عداد؟”
وائل دخل جري على أمه: “ماما! المحصل بره وعايز 2800 جنيه، ومعيش غير 500 جنيه في جيبي للبنزين!”
الحاجة صفاء طلعت النوتة بذهول: “منين؟ الأربعة تلاف جنيه خلصوا على الخضار والعيش ومصاريفك! مفيش في البيت غير 300 جنيه!”
ساعتها، خرجت أنا من الأوضة، لابسة طقم شيك جداً ورايحة كافيه مع صحباتي. بصيت لهم ببرود وقولت:
— خير يا جماعة؟ صوتكم عالي ليه؟
وائل بصلي بلهفة وذل:
— ميرا.. محصل الكهرباء بره وعايز 2800 جنيه وهيقطع النور.. ادفعيهم إنتي من معاكي والنبي لحد أول الشهر.
طلعت محفظتي، فتحتها قدام عيونهم اللي كانت هتطلع من مكانها.. المحفظة كانت مليانة كاش (من حسابي السري اللي ميعرفوش عنه حاجة). طلعت منها ورقة بـ 200 جنيه بس، وحطيتها في إيد وائل وقولت بأسف مصطنع:
— يا خسارة يا وائل.. أنا مفيش معايا غير الـ 200 جنيه دي الباقية من الألف جنيه مصروفي اللي ماما حددتهملي.. خدها اهي، كملوا عليها من معاكم وادفعوا للمحصل.. أنا متأخرة على صحباتي، سلام!
نزلت ورزعت الباب ورايا، وسبتهم في الصالة.. الحاجة صفاء وشها كان جايب ألوان الطيف، ووائل واقف في نص الصالة ماسك الـ 200 جنيه وكأنه شاحتها..
اللعيب الحقيقي مبيكشفش ورقه كله من أول جولة.. والتقيل، التقيل بجد، كان لسه هيبدأ الأسبوع الجاي لما يكتشفوا المفاجأة الكبيرة اللي مجهزاهالهم في حسابات الشقة نفسها..
نزلت من الشقة وأنا سامعة صوت وائل وهو بيزعق بره للمحصل ويحاول يستعطفه عشان يأجل الفاتورة، وصوت حماتي الحاجة صفاء وهي بتدعي عليا بـ “خرابة البيوت”. ركبت عربيتي، اتنفست نفس عميق، وولعت التكييف. فتحت الموبايل وكلمت “سارة” صاحبتي المحامية.
— أيوة يا سارة، جهزي لي ورق دعوى التمكين من الشقة، وورق عقد الإيجار القديم اللي باسمي وباسمه، وكمان كشف الحساب البنكي اللي يثبت إني أنا اللي دافعة تمن الشقة والأقساط كاملة من حري مالي.
سارة ردت بذهول:
— ميرا، إنتي نويتي على إيه؟ خلاص كدة؟
— لا يا سارة، لسه، أنا مبسبش حقي.. أنا كنت شارية الراجل وبقول بكره يتصلح، بس لما يبيعني لأمه عشان “قرشين” ويسيبها تذلني في تعبي وشقايا، يبقى يستاهل يشوف الوش التاني للمديرة المالية.
رجعت البيت متأخر، حوالي الساعة 11 بالليل. الشقة كانت ضلمة كحل، ومفيش غير كشاف الموبايل بتاع وائل اللي منور في الصالة. التكييفات مقفولة، والجو خنقة ويخنق. المحصل نفذ تهديده وشال العداد لأنهم معرفوش يتصرفوا في المبلغ.
أول ما فتحت الباب، وائل قام وقف زي المجنون:
— مبسوطة كدة؟ عاجبك قعدتنا في الضلمة والحر دي؟ بقى معاكي محفظة مليانة فلوس وتسيبيني أتبهدل قدام الجيران والمحصل يشيل العداد؟
الحاجة صفاء خرجت من أوضتها وهي بتهش على وشها بجرنان من الحر، وصوت غوايشها ملوش أي رنة انتصار المرادي، صوتها كان طالع مخنوق:
— دي مش وش نعمة يا وائل.. أنا قولتلك من الأول، دي ست جاحدة، اقطع عنها المية والنور لحد ما تتربى!
بصيت لهم ومن غير ما أنطق كلمة واحدة، دخلت أوضتي، طلعت كشاف شحن صغير ومنور، وشغلت مروحة صغيرة بتشتغل بالشحن كنت شرياها ومجهزاها للأزمات دي. قعدت على السرير في الطراوة، وسبتهم بره في الصالة بياكلوا في نفسهم من الحر والضلمة.
تاني يوم الصبح، نزلت الشغل من غير ما أبص في وش حد فيهم. وفي نص اليوم، كلمت سمسار عقارات من المعارف التقالة اللي بيخلصوا الشغل في التجمع.
— أيوة يا باشمهندس كريم، الشقة اللي في الدور التاني في العمارة اللي ورايا، لسه معروضة للإيجار المفروش؟
كريم: — أيوة يا أستاذة ميرا، لسه موجودة، وصاحبها مسافر وعايز حد ثقة.
— تمام، أنا هاخدها من أول الشهر الجاي، وهدفعلك الإيجار والمقدم حالا كاش.. بس العقود تتكتب باسمي أنا لوحدي.
أنا مكنتش بهرب.. أنا كنت بـ “أأمن خطوط الرجوع”.
يوم 20 في الشهر الجديد.. يعني قبل قبض المرتب بكام يوم. كانت الأوضاع في البيت وصلت لقمة الانفجار. الأكل بقى عبارة عن جبنة قريش وعيش ناشف، ووائل مبقاش معاه بنزين لعربيته وبقى يروح الشغل بالمواصلات، والحاجة صفاء كل يوم يجيلها هبوط وتطلب من وائل يجيب لها دكتور، ووائل يصرخ ويقولها: “معيش يا ماما! الفيزا مفيهاش مليم وميرا قافلة حنفية الفلوس!”
في ليلة الخميس، دخلت الصالة ولقتهم قاعدين هما الاتنين، وشهم شاحب، وتحت عينيهم أسود من قلة النوم والحر. وائل بصلي بنظرة انكسار حقيقية، المرادي مكنش فيه زعيق ولا فرعنة:
— ميرا.. إحنا اتهد حيلنا.. بقالنا شهر عايشين في جحيم. أنا أسف.. وماما أسفة.. خلاص، الغي طلب البنك والـ HR ورجعي المرتب زي الأول، وإنتي اللي هتمسكي البيت كله من بكره، ومش عايزين نشوف فيزا ولا فلوس.
الحاجة صفاء هزت راسها بصعوبة ولأول مرة تسكت وماتنطقش ولا كلمة سم.
قعدت قدامهم على الكرسي الرخام، وحطيت رجل على رجل، وابتسمت ابتسامتي الشهيرة:
— تؤ تؤ يا وائل.. إنت فاهم غلط. أنا مبلغيش قراراتي المادية.. ده أولاً. ثانياً، الإدارة المالية مش لعبة، يوم لماما ويوم لميرا.. ماما مسكت الإدارة وفشلت في أول شهر، وطيرت السيولة، وسابت البيت يتقطع عنه النور.. وطالما “المدير العام” فشل، يبقى الشركة كلها لازم يحصلها “تصفية”.
وائل بربش بعينه بخوف:
— تصفية يعني إيه؟
— يعني الشقة دي يا حبيبي.. أنا كلمت صاحب العمارة، وبصفتي أنا اللي دافعة أقساط الشقة ومقدمها من حسابي، وممضياك على شيكات بنكية بتمن مديونياتك القديمة اللي سددتها عنك.. فالعقد القديم هيتفسخ، وأنا نقلت ملكية الشقة باسمي أنا لوحدي بشكل قانوني رسمي تمن الشيكات اللي معاك.
الحاجة صفاء صرخت ووقفت على رجليها:
— إنتي بتقولي إيه يا خطافة الرجالة يا خربين البيوت؟ عايزة تطردي ابني من شقته؟
بصيت لها بكل ثبات:
— شقته؟ شقته منين يا حاجة صفاء؟ بالـ 4000 جنيه بتوع المرتب؟ ولا بالدبابير والديون اللي كانت عليه؟ الشقة دي شقتي.. ومن بكره، قدامكم 24 ساعة بالظبط.. تلمي غوايشك ونوتة الحسابات بتاعتك، وتأخدي ابنك المأنتخ ده وترجعوا على بيتكم القديم في شبرا.
وائل وقف وهو بيترعش، والدموع في عينه:
— ميرا.. إنتي بتطلبي الطلاق؟ بتنهي سنتين جواز عشان فلوس ومصروف؟
— أنا مبهدلتش الجواز يا وائل.. إنت اللي بعتني عشان ترضي لقمة طمع في عين مامتك.. إنت اللي استهترت بيا وفاكر إن سكوتي وطيبتي ضعف.. أنا مديرة مالية، ومستحيل أستثمر في مشروع “خسران” وفاشل زيك.. قدامكم لغاية بكره بالليل، لو ملقتش الشقة فاضية، ورق دعوى الطرد والتمكين والشيكات هيروح للنيابة الصبح.
سبتهم واقفين في نص الصالة، الضلمة مغطية المكان، بس المرادي الضلمة كانت مغطية على ملامح صدمتهم الأخيرة.. دخلت أوضتي ولميت شنطتي الصغيرة اللي هروح بيها الشقة المفروشة الجديدة مؤقتاً لحد ما يغوروا من هنا..
بس الحكاية لسه مخلصتش.. لإن وائل والحاجة صفاء مكنوش يعرفوا إن فيه “مفاجأة قانونية” تانية أنا مجهزاهالهم في المحكمة الصبح، هتخليهم يلفوا حوالين نفسهم سنين قدام.. ودي كانت الجولة اللي قبل الأخيرة..
أول ما عقرب الساعة جه على 8 الصبح، كنت واقفة قدام مجمع المحاكم. الهوا الطاير في أكتوبر كان بيرد الروح، وأنا براجع خطوتي الأخيرة مع سارة صاحبتي المحامية. كانت ماسكة في إيدها حافظة مستندات زرقا، وبتبص لي بابتسامة إعجاب:
— ميرا، إنتي مسبتيش ليهم ثغرة واحدة يتنفسوا منها. الشغل المالي اللي عملتيه في ورق الشقة والشيكات يقفل القض..ية من أول جلسة.
— اللي يستهين بذكاء ست شقيانة في قرشها يا سارة، يستاهل يتعلم الأدب بالقانون. يالا بينا.
دخلنا وقدمنا كل الأوراق: دعوى طرد للغصب بعد إنهاء العلاقة الإيجارية، وارفاق الشيكات البنكية اللي وائل كان مضالي عليها في قعدة صلح قديمة لما سددت له ديون فيز المشتريات وقرض العربية. الشيكات دي كانت “ميزان القوة” اللي محتفظة بيه لليوم الأسود.. واليوم الأسود جه.
رجعت البيت على الساعة 5 بعد الظهر. فتحت الباب بالمفتاح، ولقيت المشهد الأخير اللي كنت مستنياه.
شنط الهدوم الكبيرة والكراتين كانت مالية الصالة. الشقة رجع فيها النور بعد ما وائل استلف من طوب الأرض عشان يدفع للمحصل ويشحن العداد، بس عشان يلموا حاجتهم في النور!
الحاجة صفاء كانت قاعدة على كرسي من كراسي السفرة، غوايشها الدهب مبقتش ترن، كانت لامة إيدها على صدرها ووشها أصفر وعينيها مطفية كأنها كبرت عشر سنين في يومين. ووائل واقف في نص الأوضة، شايل كرتونة في إيده، وشه للأرض.. أول ما شافني دخلت، حط الكرتونة وبص لي بنظرة رجاء أخيرة:
— ميرا.. إحنا خلاص ماشيين.. ملوش لزوم المحاكم والقضايا. أنا هطلقك بالمعروف بس بلاش تدمري مستقبلي بالشيكات.. أنا ابنك الصغير ضاع لو دخلت السجن.
قربت من الكومودينو اللي في الصالة، سحبت نوتة الحسابات الصغيرة بتا الحاجة صفاء اللي كانت رمياها، وفتحتها وبصيت لهم:
— بالمعروف؟ إنت عرفت المعروف فين يا وائل لما وقفت تتفرج على أمك وهي بتحدد لي 1000 جنيه مصروف من شقايا وتعب 12 ساعة شغل؟ عرفت المعروف فين وأنا بسدد ديونك وأقساطك وإنت مأنتخ بتلعب لودو؟
حماتي اتكلمت بصوت مرعش ومكسور، مفيش فيه أي أثر للسم القديم:
— خلاص يا بنتي.. حقك عليا أنا.. أنا اللي طمعت في خيرك وافتكرتك هفأ.. سيبي ابني في حاله واستروا على بعض.
بصيت لها بثبات وهدوء تام:
— يا حاجة صفاء، أنا ست عملية جداً، وممضيتش وائل على الشيكات دي عشان أسجنه.. أنا مضيته عليها عشان أحمي نفسي من غدركم. ورق المحكمة مش هيتحرك خطوة واحدة، والشيكات ه تفضل في خزنتي في البنك، بشرط واحد.. الطلاق يتم حالا، إبراء تام، تتنازل عن كل حاجة، ومسمعش صوتكم ولا أشوف وشكم تاني في حياتي. لو وفيتوا بالاتفاق.. الشيكات دي هتفضل مجرد ورق ملوش قيمة.. لو فكرتوا تلفوا وتدوروا، التنفيذ هيبدأ في نفس الساعة.
وائل بلع ريقه وبص لأمه اللي هزت راسها بالموافقة بسرعة وهي بترتعش.
— أنا موافق يا ميرا.. بكره الصبح عند المأذون.
— تمام.. الباب يفوت جمل، يالا اتفضلوا، شقتي وحشاني وأنا عايزة أرتاح.
شالوا شنطهم وخرجوا من الباب.. وائل بص وراه بدمعة ندم حقيقية، بس الندم اللي بيجي بعد فوات الأوان بيبقى ملوش سعر في سوق الرجال. قفلت الباب وراهم بالمفتاح، ورزعت القفل ورانا.. تكة المفتاح دي كانت أعلن رسمي لانتهاء سنتين من العك والاستنزاف.
دخلت الحمام، فتحت المية السخنة، وأخدت دُش طويل نزلت بيه كل قرف الأيام اللي فاتت. لبست بيجامة ستان مريحة، وعملت لي فنجان قهوة مظبوط.
قعدت في البلكونة الكبيرة بتاعت شقتي (شقتي أنا لوحدي بقوة القانون)، الهوا كان جميل والتجمع هادي. طلعت الموبايل وفتحت أبلكيشن البنك، وبصيت على رقم حسابي السري.. الرقم كان بيلمع، ومعاه لمعت عيني بانتصار حقيقي.
أنا ميرا شاهين.. اللي الميزانيات الكبيرة بتتحنى تحت إيدها.. والنهاردة، قفلت الميزانية الأهم في حياتي، وطلعت منها بكسبان واحد بس: كرامتي، وحريتي، ومستقبلي.