ابن أختي “أمير” 3

نظراتي اتسمّرت على قصاصة الجرنان القديمة، وجسمي كله بدأ يتنفض بترعيشة أقوى من الأول ميت مرة. الضابط لقط ملامح وشي اللي اتقلبت، وسحب الورقة من إيدي بسرعة. عينيه برقت وهو بيقرأ الخبر، وبص لعمر اللي كان متكتف على الأرض والعساكر بيجروه لبرة.

الضابط زعق للعساكر: “استنوا عندكوا! خدوا المتهم ده على العربية فوراً وتحت حراسة مشددة، ومحدش يخليه يتكلم مع أي حد!”

عمر وهو بيتجر على السلم، التفت براسه وبصلي بابتسامة صفرا مرعبة وسط وشه المليان دم وعرق، وقال بصوت فحيح زي الأفاعي:

“قلتلك يا سارة.. السر مش في الشنطة لوحدها.. ريم كانت غبية، افتكرت إنها لو عرفت الماضي هتقدر تهرب مني!”

العساكر سحبوه ونزلوا بيه، وصوته بدأ يختفي بالتدريج مع دوشة الناس اللي ملمومة في الشارع تحت البيت. الصالون فضي ماباقيش فيه غيري أنا وأمير، والضابط اللي كان بيمسك الفلاشة والأجندة بحذر، وأمي وخالاتي اللي كانوا قاعدين في الأرض بيبكوا بنحيب يقطع القلب.

الضابط قرب مني وقال بنبرة حاسمة وعملية:

“يا آنسة سارة، القضية دي مبقتش مجرد قتل خطأ أو حتى قتل عمد بسبب سرقة شركة.. إحنا قدام قاتل متسلسل بيتبع نفس الأسلوب. لازم تحصلينا على القسم فوراً إنتي والطفل عشان تفريغ الفلاشة وسماع الأقوال، والنيابة هتوصل هنا خلال قليل لمعاينة الجثة والمكان.”

أومأت براسي وأنا مش قادرة أنطق. مسكت إيد أمير الصغيرة، اللي كانت دافية بشكل غريب مقارنة ببرودة الجو وبرودة قلبي في اللحظة دي. أمير بصلي وقال بصوت واطي وهادي:

“خالتو.. ماما قالتلي إن الست اللي في الصورة دي كانت بتجيلها في الحلم دايماً، وتصحيها من النوم عشان تقولها على اللي هيحصل.”

كلام أمير نزّل عليا زي الصاعقة. ريم كانت عارفة؟ كانت عارفة ومخبية؟ وليه سكتت لحد ما الموت خطفها؟

أخدنا الضابط في عربية البوكس، وطول السكة للقسم، كنت حاضنة أمير وهو ساند راسه على كتفي وعينيه مفتوحة بتبص للفراغ، وكأنه لسه بيفكر في كلام أمه. أول ما وصلنا، الضابط دخلنا مكتبه واستدعى خبير تكنولوجي من الأدلة الجنائية عشان يفتح الفلاشة على جهاز الكمبيوتر.

الخبير حط الفلاشة، وبدأ يظهر على الشاشة فولدر واحد بس مكتوب عليه اسم: **”إلى من يهمه الأمر.. حق ريم وهند”.**

الضابط ضغط كليك، وظهرت قدامنا ملفات وفيديوهات متسجلة بكاميرا موبايل مخفية. الفيديو الأول كان عبارة عن تسجيل لعمر وهو بيتكلم في الموبايل بعصبية في صالة شقته، وصوته كان واضح جداً وهو بيقول:

“يا فندم أنا غيرت اسمي ونقلت أسيوط بقالي سنين ومحدش يعرف طريقي.. قضية هند اتقفلت قضاء وقدر ومفيش مخلوق يقدر يفتحها تاني.. الفلوس اللي سحبتها من شركة ريم هعوض بيها العجز اللي فات، ومحدش هيحس بحاجة.”

لكن الملف التاني كان هو المفاجأة اللي قلبت كيان الأوضة كلها.

ماكانش فيديو.. كان ملف “PDF” عبارة عن تقرير طبي شرعي مسرب ومكتوب عليه “سري للغاية”، بيخص الزوجة الأولى “هند”. والتقرير كان بيثبت إن الوفاة ماكانتش بسبب السقوط من البلكونة.. هند ماتت بكسر في فقرات الرقبة *قبل* ما تقع، يعني انضربت أو اتخنقت الأول! وجنب التقرير، كانت ريم كاتبة ملحوظة بخط إيدها:

**”عمر مش شغال لوحده.. عمر فيه حد كبير في البلد بيمسح وراه كل مصيبة، والحد ده هو اللي ساعده يغير هويته ويزور ورقه بعد ما قتل هند.. والحد ده هو…”**

وقبل ما عيني تقرأ الاسم اللي ريم كاتباه، النور في القسم كله انقطع فجأة!

سكون غريب ومريب نزل على الممر برة المكتب، وسمعنا صوت خطوات عساكر بتجري ودوشة برة، وفجأة.. الباب بتاع المكتب انفتح براحة وسط العتمة، وظهر خيال راجل طويل واقف على العتبة، وصوت قداحة بتولع نورت وشه للحظة واحدة..

الراجل ده ماكانش غريب علينا.. ده كان حد من قرايبنا اللي كانوا واقفين في العزا وبيواسونا من أول الليلة!

تابعو صفحه رومانى مكرم

الضوء الضعيف الخافت اللي طلع من القداحة نوّر وش الراجل ده لثوانٍ معدودة، بس الثواني دي كانت كفيلة تخلي قلبي يقف من الرعب.

الراجل اللي واقف على باب المكتب وبكل برود الدنيا، كان “حسين”.. ابن خال ريم وأنا، واللي شغال مستشار قانوني كبير ورئيس مجلس إدارة الشركة اللي عمر كان ماسك حساباتها! حسين اللي كان واقف في المدافع الأولى في العزا، وبيطبطب على أمي، وبيصرخ في عمر ويقوله “حرام عليك ضيعت البنت”!

حسين قفل القداحة، فالعتمة رجعت تضلل المكان تاني، بس صوته الرزين الهادي اخترق السكون:

“الكهربا هتيجي حالاً يا فندم.. عطل فني بسيط في لوحة المفاتيح برة.”

الضابط حس بحركة مش طبيعية، إيده راحت تلقائي على جراب مسدسه وهو بيقول بحسم:

“إنت دخلت هنا إزاي يا سيادة المستشار؟ ومين سمحلك تدخل مكتب التحقيق والملفات دي معروضة؟”

حسين ضحك ضحكة مكتومة وسامّة، وبمنتهى الهدوء خطى خطوتين لجوه المكتب وقال:

“أنا جاي أطمن على بنت عمتي سارة وابنها أمير.. وجاي أقولك يا سيادة الضابط إن الفلاشة اللي في إيدك دي مالهاش أي قيمة قانونية.. لأنها ببساطة، خرجت من حوزة مكان الجريمة بدون إذن نيابة، والملفات اللي عليها ‘مفبركة’ بمعرفة ريم الله يرحمها.. ريم كانت بتمر بازات نفسية وعمر كان بيحاول يعالجها.”

النور جه فجأة، والإضاءة البيضاء لSection المباحث رجعت بقوة.

شفت حسين واقف بكامل أناقته، ملامحه خالية من أي توتر، وكأنه هو اللي سايق المكان كله. الضابط بص للشاشة، ولقيت الاسم اللي ريم كانت كاتباه في نهاية الملحوظة قبل ما النور يقطع كان فعلاً: **”حسين.. هو اللي غطى على قضية هند، وهو اللي بيشغل عمر عشان يسرق حسابات الشركات ويهربها لبرة”.**

الضابط وشه اتخطف، وبص لحسين وقال:

“الملفات دي هتوصل للنيابة العامة والنائب العام بنفسه يا حسين بيه.. والتقرير الطبي الشرعي بتاع الزوجة الأولى هينفتح التحقيق فيه من جديد.”

حسين قرب من مكتب الضابط، وسند بإيديه الاتنين على المكتب، وبص في عين الضابط وعينيه ضيقت بشر:

“التقرير ده ملوش أصل في مصلحة الطب الشرعي يا حازم بيه.. الأصل اعدم من سبع سنين. والنسخة اللي على الفلاشة دي.. ‘فوتوشوب’. ريم كانت عايزة تبتزني أنا وجوزها بعد ما عرفنا إنها بتمر بمرض وهلوسة.”

التفت ليا وبص لأمير بنظرة خلت الواد يكلبش في عبايتي أكتر، وقال بنبرة هادية بس تخوف:

“هاتي الشنطة يا سارة.. وهاتي الموبايل الصغير. كفاية فضايح لحد كده في العيلة.. إحنا دافنين أختك والناس برة بتاكل وشنا.”

أنا لسان اتلجم.. حسيت إننا وقعنا في فخ أكبر من عمر بكتير.. عمر كان مجرد أداة، مجرد إيد بتنفذ القذارة، لكن العقل المدبر والظهر الساند كان من دم أولاد خالتي!

في اللحظة دي، أمير ساب إيدي براحة.. وخطى خطوة واحدة لقدام.

بص لحسين وقال بصوت طفولي بريء بس غريب:

“أونكل حسين.. إنت دايماً كنت بتيجي لماما لما بابا بيسافر.. وماما كانت بتخاف منك أوي.. بس هي قالتلي حاجة قبل ما تموت.”

حسين ملامحه اتهزت لأول مرة، ووطى ليفل طوله لأمير وقال بحدة مخفية:

“قالتلك إيه يا أمير؟”

أمير طلع من جيبه الصغير مفتاح غريب ومصدي.. ماكانش مفتاح شقة العيلة اللي قفل بيها الباب على عمر.

وقال:

“قالتلي إن بابا غبي واشترى السّم من برة.. بس إنت كنت سايب علبة السّم الحقيقية في مكتبك اللي في بيتنا.. وماما صورتك وإنت بتحطها في درج مكتبك السري.. وقالتلي إن المفتاح ده بيفتح الدرج ده.. وأنا اديت النسخة التانية لعمو العسكري اللي كان واقف برة قبل ما ندخل هنا!”

حسين وشه اتقلب ١٨٠ درجة، والدم هرب من عروقه.

في نفس اللحظة، باب المكتب اتفتح بعنف، ودخل عسكري وهو بينهج ويقول للضابط:

“يا فندم! قوة المباحث اللي راحت تفتش شقة المتهم عمر بناءً على البلاغ الأولي.. لقت خزنة سرية في مكتب حسين بيه اللي في الشقة.. وجواها زجاجات لمادة كيميائية مطابقة لتقرير الوفاة القديم.. ومعاها أوراق تحويلات بنكية باسم حسين بيه!”

الضابط حازم رفع مسدسه فوراً في وش حسين وزعق:

“إيدك وراك يا حسين بيه!.. إنت قيد الاعتقال بتهمة التحريض والمشاركة في القتل والتزوير!”

حسين رجع لورا وهو بيبص لأمير بنظرة جنون، وعمر كان صوته جاي من الممر برة وهو بيصرخ بعد ما عرف إن كل حاجة اتكشفت.

بس وأنا باصة لأمير وحاضناه.. لقيت الواد بيبتسم ابتسامة خفيفة، ويسحب من لعبته حاجة تانية خالص.. كارت ميموري صغير جداً كان مستخبي جوه راس اللعبة، ويديهولي وهو بيهمس في ودني:

“خالتو.. ده التسجيل الحقيقي اللي ماما سجلته لحسين وبابا وهم بيتفقوا يقتلوها.. ماما قالتلي السّر كله هنا.. ومش هيطلع إلا في المحكمة.”

مسكت كارت الميموري الصغير في إيدي، وجسمي كله كان بيرتعش. الكارت ده كان هو المسمار الأخير في نعش الظلم اللي عاشت فيه ريم أختي.

الضابط حازم ماستناش ثانية واحدة؛ أمر العساكر فوراً بتقييد إيدين حسين بالكلابشات وسط ذهوله وصدمته اللي شلت حركته تماماً. حسين، المستشار القانوني الكبير اللي كان فاكر إن نفوذه هيحميه، انهار كبريائه في لمح البصر وبقى يتلفت حواليه وهو مش مصدق إن طفل عنده 8 سنين هو اللي هدم إمبراطورية الشر بتاعته.

أخدت الضابط حازم الكارت مني وحطه في جهاز قراءة الكروت، وشغل الملف الصوتي الوحيد اللي كان جواه. الصالون في مكتب المباحث اتملى بصوت ريم الواضح والنقي، بس المرة دي ماكانش فويس نوت مرعوب.. ده كان تسجيل سري هي مسجلاه من تليفون مخفي في الصالة.

صوت عمر كان طالع وهو بيزعق وخايف: “يا حسين ريم عرفت كل حاجة! عرفت بموضوع هند وعرفت بالفلوس اللي بنحولها لحسابك برة.. الست دي لو بلغت إحنا الاثنين هنضيع!”

وجاء صوت حسين بكل برود وثقة: “تضيع لوحدك يا عمر.. أنا ماليش اسم في أي ورقة. اتخلص منها بنفس الطريقة.. وقعة من على السلم، والطب الشرعي عندي تظبيطه.. اخلص منها الليلة وإلا هخلص منك إنت!”

التسجيل كان اعتراف كامل وصريح بالصوت والصورة للاتنين. الضابط حازم بص لحسين وقال بلهجة منتصرة: “خلاص يا سيادة المستشار.. اللعبة انتهت.”

تم ترحيل عمر وحسين للنيابة العامة وسط حراسة مشددة، والتحقيقات ماخدتش وقت طويل بسبب الأدلة الدامغة اللي ريم سابتها، وبسبب شجاعة أمير اللي نفذ خطة أمه بالحرف الواحد. النيابة أمرت بإعادة فتح قضية “هند” الزوجة الأولى، وتوجيه تهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد لعمر، وتهمة التحريض والاشتراك والتزوير لحسين.

بعد مرور كذا شهر، كنا واقفين أنا وأمي وأمير قدام باب المحكمة بعد ما القاضي نطق بحكمه العادل: الإعدام شنقاً لعمر، والسجن المؤبد لحسين.

العدالة اتحققت، وحق ريم رجع، بس المكسب الحقيقي كان الطفل البطل اللي واقف جنبنا.

خرجنا للجنينة اللي قدام المحكمة، والشمس كانت طالعة دافية وجميلة. أمير بص للسما ونفس عميق وبصلي، ولأول مرة من يوم العزا، شفت ضحكة حقيقية وصافية مرسومة على وشه الطفولي.

سحب إيدي وقالي: “خالتو سارة.. أنا سمعت الصوت خلاص.”

سألته وأنا ببتسم والدموع في عيني: “صوت إيه يا حبيبي؟”

رد عليا وهو بيحضن لعبته لأخر مرة: “صوت ماما.. وهي بتقولي شكراً يا أمير.. روح عيش حياتك بقى.”

ومن اليوم ده، أمير مبقاش يبص لورا تاني، وأنا أخدته في حضني وعاهدت ربنا ونفسي إني هكون ليه الأم والخالة، وهعوضه عن كل لحظة رعب عاشها عشان ينقذ حق أمه.. ريم نامت في سلام، وأمير بدأ يعيش في سلام.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *