جوزي كان كل ما نزعل 1

جوزي كان كل ما نزعل يهددني بالطلاق عشان إني يتيمة… لحد اليوم اللي قلتله فيه: “موافقة.”

 

من أول سنة جواز…

 

وأحمد اكتشف نقطة ضعفي.

 

إني ماليش أب أرجع له.

 

ولا أم تفتح لي بابها وقت الزعل.

 

ولا أخ كبير يقف في ضهرى.

 

كنت يتيمة من وأنا عندي 17 سنة.

 

وعلشان كده…

 

كل خناقة بينا كانت بتنتهي بنفس الجملة.

 

“مش عاجبك؟”

 

“اتطلقي.”

 

في الأول كنت أعيط.

 

وأحاول أصلح الموقف.

 

وأخاف.

 

مش من الطلاق نفسه…

 

لكن من الوحدة.

 

وكان هو عارف كده كويس.

 

لدرجة إنه بقى يستخدم الكلمة دي في أي حاجة.

 

لو اعترضت على مصروف البيت:

 

“اتطلقي.”

 

لو زعلت من أسلوبه:

 

“اتطلقي.”

 

لو رفضت طلب من طلباته:

 

“الباب يفوت جمل.”

 

ومع الوقت…

 

بقيت أحس إن جوازنا كله واقف على تهديد.

 

مش على حب.

 

ولا احترام.

 

لحد الليلة اللي غيرت كل حاجة.

 

كان راجع من عند أمه متعصب.

 

وأول ما دخل بدأ يزعق.

 

ويتهمني إني السبب في كل المشاكل.

 

حاولت أسكت.

 

لكن المرة دي ما قدرتش.

 

قلت:

 

“كفاية.”

 

فبص لي بغضب وقال الجملة المعتادة:

 

“خلاص… اتطلقي.”

 

لكن المرة دي…

 

ما عيطتش.

 

وما ترجيتش.

 

وما خفتش.

 

بصيت له بهدوء وقلت:

 

“موافقة.”

 

الصمت اللي حصل بعدها كان مرعب.

 

أحمد رمش كذا مرة كأنه ما سمعش صح.

 

وقال:

 

“إيه؟”

 

قلت:

 

“موافقة على الطلاق.”

 

“بكرة نبدأ الإجراءات.”

 

لأول مرة من يوم ما اتجوزنا…

 

اللون اختفى من وشه.

 

ولأول مرة…

 

أنا اللي شفته خايف.

 

لكن المفاجأة الحقيقية ما كانتش رد فعله.

 

المفاجأة كانت إن حماتي نفسها اتصلت بيا بعد أقل من ساعة.

 

وقالت كلام عمري ما تخيلت إني أسمعه منها.

 

وساعتها فهمت…

 

إن أحمد ما كانش بيهددني بالطلاق عشان هو قوي.

 

كان بيهددني بيه عشان فيه سر كبير جدًا كان متأكد إني لو عرفته… أنا اللي هطلب الطلاق.

 

 

حماتي ما كانتش من الستات اللي بتتصل عشان تهدي النفوس، دي الست اللي كانت دايمًا بتشوف إن ابنها “أحمد” ملاك ما بيغلطش، وإن أي مشكلة في البيت بسببي أنا.

علشان كده، لما شفت اسمها على الشاشة وصوتها طالع مخضوض وبتترعش، عرفت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد خناقة عادية.

قالت لي وهي بتنهج:

“أنتِ بجد وافقتي يا هبة؟ أحمد قالي إنك عايزة تتطلقي! أوعي تعملي كده يا بنتي، أحمد بيحبك، والشيطان دخل بينكم، بلاش تخربي بيتك وتفضحينا.”

كلمة “تفضحينا” وقفت في زوري. تفضحهم بإيه؟ هو الطلاق فضيحة في الزمن ده؟ ولا في حاجة تانية؟

أحمد كان واقف قدامي في الصالة، وشه بقا أصفر زي الليمونة، عينه مش جاية في عيني، وعمال يفرك في إيديه بتوتر عمري ما شفته فيه.. الراجل اللي كان من دقيقة واحدة بيقولي “الباب يفوت جمل”، واقف دلوقتي كأنه عيل صغير مستني مصيبة تقع فوق دماغه.

قفلت مع حماتي من غير ما أديها عقاد نافع، وبصيت لأحمد وقلت له ببرود حسيت بقوته لأول مرة في حياتي:

“أنا داخلة أنام.. وبكرة زي ما قلتلك، هنروح للمأذون.”

دخلت أوضتي وقفت الباب، ولأول مرة من سنين ما عيطتش، نمت نوم عميق كأني كنت شايلة جبل وانزاح من على نفسي.

تاني يوم الصبح، صحيت على صوت خبط رزيق على باب الشقة.. فتحت لقيت حماتي ومعاها سلفي الكبير “محمود”. دخلوا وهما الوجوم مغطي وشوشهم، وأحمد طلع من الصالة كان صاحي ومنامش ولابسه الهم.

قعدنا كلنا، ومحمود بدأ الكلام:

“يا هبة يا بنتي، إحنا عارفين إن أحمد غشيم ولسانه متبري منه، وكل شوية يهدد بالطلاق.. بس أنتِ عاقلة، ومفيش بينكم عيال لسه، بلاش نكبر الموضوع.”

رديت عليه بثبات:

“يا أبكار محمود، أحمد ما بقاش يهدد لمجرد الغشم.. أحمد كان بيذلني بيتمي، عشان عارف ماليش ضهر.. ودلوقتي أنا اخترت حريتي، والوحدة أرحم ميت مرة من العيشة مع حد بيستضعفني.”

حماتي فجأة عيطت، وقامت وطت على إيدي.. ست بمقامها وقوتها تعمل كده؟ هنا قلبي نقح عليا.. في إنّ في الموضوع.. السر مش مجرد “خناقة”.

سحبت إيدي وقلت لها:

“في إيه يا طنط؟ إيه اللي مخليكم مرعوبين من طلاقي كده؟”

محمود بص للأرض، وأحمد حط راسه بين إيديه وبدأ يبكي بنشيج غريب..

محمود قال بصوت واطي:

“لأنك لو اتطلقتي يا هبة.. ورفعتي قض..ية عشان تاخدي حقوقك، في أوراق وشيكات ومؤخر هينطلب.. وساعتها البنك هيتحرك، والحقيقة كلها هتكشف.”

قلت له باستغراب:

“حقيقة إيه؟ وبنك إيه؟”

محمود بص لأحمد وزعق فيه:

“انطق.. قول لها أنت عملت إيه من وراها وورايا.. قول لها البيت اللي إحنا قاعدين فيه ده مكتوب باسم مين، والفتافيت اللي كنت بتديهالها كمصروف كانت بتروح فين!”

وهنا، أحمد رفع راسه، وعينه حمرا من الرعب، وبدأ يتكلم وصوته بيرعش، وفي اللحظة دي.. عرفت السر اللي قلب كياني كله، وعرفت إني ما كنتش يتيمة وضعيفة زي ما كان مفهمني، بل كنت ضحية لأكبر لعبة غدر ممكن تتخيلها ست.

أحمد نزل عينه في الأرض، وصوته كان طالع مخنوق ومقطوع وهو بيقول:

“الشقة دي.. والشقة اللي فوقينا.. والمحل اللي في أول الشارع.. كلهم مكتوبين باسمك أنتِ يا هبة.”

أنا حسيت إن الدنيا لفت بيا. شقق ومحلات إيه وباسمي أنا إزاي؟ أنا كل اللي حيلتي من الدنيا معاش بابا الله يرحمه اللي أحمد كان بياخده مني أول بأول عشان “يساعد في مصاريف البيت” على حد قوله!

بصيت لسلفي محمود وأنا مش مستوعبة، فكمل محمود وهو متغاظ من أخوه:

“أخويا الذكي.. من تلات سنين دخل في مشروع مقاولات وخد قروض بضمانات، وعشان كان عليه قضايا قديمة وشيكات مرفوضة وممنوع من التعامل مع البنوك، ملقاش غيرك.. كان بيمضيكي على أوراق وتوكيلات وسط ورق المعاش والدنيا اللي كنتِ بتمضي عليها وأنتِ مش دريانة، وسجل كل الأملاك والأراضي اللي اشتراها باسمك، عشان الحكومة ما تحطش إيدها عليها!”

حماتي كملت وهي بتعيط وتتمسح فيا:

“والقرض الكبير يا بنتي باسمك أنتِ وبضمان الشقة دي.. أحمد لو اتطلقتوا ودخلتوا المحاكم، كل حاجة هتتكشف.. هو مش خايف على الفلوس، هو خايف من السجن، لأنك لو أنكرتِ علمك بالتوكيلات دي ورفعتِ قض..ية تزوير أو استغلال، أحمد هيضيع.. وإحنا هنضيع معاه.”

في اللحظة دي، شريط حياتي كله عدي قدام عيني..

افتكرت كل مرة كنت بطلب منه جنيه زيادة لمصروف البيت وكان بيذلني ويقولي “اتطلقي”.. افتكرت لما كنت بمرض ويرفض يوديني لدكتور ويقولي “أنا مش لاقي أكل”..

كان بياكل حقي، وعايش بفلوسي، ومأمن نفسه وراه بأملاكي، وفي الآخر بيعايرني إني “يتيمة” ماليش ضهر!

أحمد قرب مني، وحاول يمسك رجلي وهو بيبكي بنحيب:

“سامحيني يا هبة.. أنا عملت كده عشان أأمن مستقبلنا.. أنا كنت بهددك بالطلاق عشان كنت مرعوب تكتشفي الموضوع وتسبيني وتضيعيني.. أنا بحبك والله العظيم ومقدرش أعيش من غيرك.”

بصيت له بقرف عمري ما حسيته تجاه بني آدم في حياتي.. الراجل اللي كنت بشوفه قوي ومتحكم، طلع مجرد جبان وحرامي، مستخبي ورا ضعف ست يتيمة.

وقفت بكل طولى، وبصيت لهم هما التلاتة.. حماتي اللي بتبكي، ومحمود اللي باصص في الأرض من الخزي، وأحمد اللي راكع تحت رجلي.

وقلت بصوت قوي هز الحيطة:

“بقالي سنين فاكرة نفسي ماليش ضهر.. وأتاري ضهري كان مليان أملاك وفلوس أنت عايش خيرها.. الطلاق هيحصل.. بس بشروطي أنا.”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *