حكايات امانى السيد 3
دخل أحمد الأوضة، وعينه جت على الشنط المحطوطة على السرير. وقف مكانه ثواني، ملامحه اتمسحت منها العصبية وحلّ مكانها ذهول مخلوط بكسرة وغيظ مكتوم. الخناقة اللي تحت وصوت الصريخ اللي كان قالب البيت فجأة سكت، أو يمكن أنا مبقتش سامعة من كتر النبض اللي كان بيغلي في نفوخي.
أحمد قرب من السرير، حط إيده على الشنطة الكبيرة وكأنه مش مصدق: “إنتِ بتعملي إيه يا هالة؟ بتلمي هدومك؟ رايحة فين في وسط المصيبة اللي إحنا فيها دي؟”
بصيتله برود تام، برود غريب عليا أول مرة أحس بيه في حياتي، وقولتله: “ماشية يا أحمد. الشقة دي مبقاش ليا قعاد فيها، والراجل اللي يهدد مراته بالطلاق عشان يداري على سرقة أمه وأخته، ميبقاش سند ولا يتأمن على يوم واحد.”
أحمد وشه احمر تاني وعروقه برزت، وحاول يداري كسرة أمه بانه يفرض سيطرته عليا: “إنتِ بتستغلي إن البيت مكسور والناس شامتين فينا عشان تلوِي دراعي؟ أنا قولتلك كلمة تحت، لو خرجتِ من الباب ده بالشنط دي، مش هترجعي تاني، وأنا مش هبوس على إيدك.”
في اللحظة دي، سمعنا كلكسات عربية نقل تحت البيت، وصوت أبويا وهو بينادي على بواب العمارة وصوته جهوري ويهز الشارع.
أنا بصيت لأحمد وابتسمت بوجع: “أنا مش مستنياك تبوس على إيدي يا أحمد. وأبويا وصل تحت، ومش لوحده، معاه عربية نقل ورجالة عشان أخد جهازي وحاجتي اللي أمك استخسرتها فيا.”
أحمد اتجنن لما سمع صوت أبويا وعربية النقل، جري على الشباك بص وفجأة لفلي وهو بيبرق: “أبوكي جايب عربية نقل في وسط الشارع؟ عايز يفضحنا قدام المنطقة كلها؟ يقولوا إيه؟ العروسة جهازها بيتنقل بعد شهرين جواز؟”
هالة: “والله المحترم يخاف على شكله من الأول وميمدش إيده على حاجة مش بتاعته. إنت وأمك اللي فضحتوا نفسكم لما فكرتوا إن ماليش ضهر.”
أحمد سابني وجري على السلم ينزل لأبويا عشان يمنعه. لميت الشنطتين في إيدي ونزلت وراه.
أول ما وصلت الدور الأرضي، لقيت الصالة تحت عند حماتي مقلوبة، الجيران واقفين على باب الشقة، وأبويا واقف في وسط المدخل وعيونه شرار، وجنبه اتنين عمال طوال وعراض.
أحمد كان واقف قدام أبويا بيحاول يهديه: “يا عمي اصبر بس، مفيش حاجة لكل ده، المشاكل بتتحل ودياً، عيب منظرنا قدام الجيران والشارع.”
أبويا زقه بإيده لورا وبصوت هز العمارة كلها قال: “عيب؟ إنتِ لسه بتعرف العيب يا واد يا أحمد؟ بقالي شهرين مجوزك بنتي بشنطة دهبها وجهازها اللي دافع فيه دم قلبي، تيجي أمك تسرق حاجتها وتقعد بنتي على الأرض، ولما تطلب حاجتها تهددها بالطلاق؟”
حماتي طلعت من جوة الشقة، ووشها كان باهت وعينيها منفوخة من العياط على جوازة بنتها اللي باظت، بس أول ما شافت أبويا والعمال، رجعتلها روح الطمع والشر تاني، وزعقت: “جرى إيه يا راجل يا خرفان إنت؟ جاي تتبلى علينا في بيتنا؟ بنتك دي فتانة وخرابة بيوت، وبنتك هي اللي بوظت جوازة بنتي وبخّت في ودن سلفتها!”
أبويا شاور للعمال وقالهم بلهجة حاسمة: “اطلعوا فوق شقة الأستاذ أحمد، أي حاجة في القايمة تتشال، والست دي لو فتحت بقها بكلمة، المحامي واقف على أول الشارع وهيطلع على القسم ببلاغ تبديد وسرقة، والدهب اللي أخدتوه يتجاب دلوقتي حالا بدل ما أقسم بالله أبيتكم كلكم في القسم النهاردة!”
أخت جوزي بدأت تصوت وتلطم تاني: “يا فضيحتنا يا فضيحتنا! العريس مشي من ناحية وسلفتي بتفضحنا وتلم جهازها من ناحية! يا مامي الحقينا!”
شيماء (سلفتي) كانت واقفة على باب شقتها فوق، بتبص من على المنور وبتضحك بشماتة ومستمتعة بالمنظر تالت ومتلت.
العمال طلعوا جري على شقتي، وأحمد وقف عاجز مش عارف يعمل إيه، يبص لأبوه اللي مش موجود (لأنه متوفي) ولا يبص لأمه اللي عمالة تشتم، ولا يبص للشارع اللي كله اتلم على صوت الفضيحة.
دخل أحمد شقة أمه، وطلع علبة الدهب بتاعي والشبكة اللي كانوا حاطينها في وسط جهاز أخت جوزي، وجه وقف قدام أبويا وحدفها في حجر أبويا بغل: “أهو الدهب زفت أهو! مش عايزين منكم حاجة، وبنتك دي طالق، طالق بالثلاثة يا عمي، وخلّي جازها ينفعها!”
أبويا مسك علبة الدهب وفتحها اتأكد منها، وبص لأحمد بكل احتقار وقال: “طوبى لك يا بني، إنت وفرت علينا قضية طلاق في المحاكم. وبنتي جازها هينفعها وهتتجوز سيد سيدك، بس إنت وأمك اللي بكرة تتدورا على حد يرضى يناسبكم بعد الفضيحة اللي هتبقى على كل لسان في البلد.”
وفي وسط ما العمال نازلين بأول حتة من الركنة بتاعتي من على السلم، حماتي عينيها جت على الركنة وهي نازلة، وفجأة صرخت صرخة مكتومة، وقامت هجمت على العامل اللي شايل الكنبة وهي بتقول: “لااااا! الركنة دي مش هتطلع من هنا! دي قعدتنا ودي عزنا!”… وفجأة وهي بتشد الكنبة من إيد العامل، حصلت حاجة مكانتش على البال ولا الخاطر، خلت الشارع كله يتكتم من الصدمة…
العامل اتفاجأ بهجوم حماتي المجنون عليه، والكنبة الكبيرة كانت تقيلة وفي قلب حتة ضيقة من السلم. من كتر غلها وطمعها، فضلت تشد في الخشب بغباوة وهي بتصرخ: “والله ما هتاخدوها! دي حاجتي!”، لكن إيدها اتزحلقت، ورجليها خانتها من على أول السلم، وفجأة طارت في الهواء واتقلبت ونزلت متدحرجة على ظهرها وسط صريخ أخت جوزي والناس اللي واقفة.
البيت كله اتكتم، والصوت الوحيد اللي كان مسموع هو صوت جسمها وهو بيخبط في السيراميك لحد ما استقرت تحت رجلي وهي عينيها مفتوحة على الآخر وبتطلع نفس بالعافية، ومبقتش قادرة تتحرك ولا تنطق بكلمة، كأنها اتسمّرت في الأرض.
أحمد صرخ بأعلى صوته: “أميييي!”، وجري عليها ودموعه نازلة لأول مرة، حاول يشيلها أو يحركها وهي بتئن أنين مرعب، والناس بدأت تتلم ويزقوا فينا ويقولوا: “حد يطلب الإسعاف بسرعة الست قطعت النفس!”.
في وسط الهيصة دي والدوشة، أخت جوزي قعدت في الأرض تلطم وتقول: “خربت بيتنا يا هالة! أمي ماتت! أمي راحت بسبك وبسبب ركنتك!”، لكن الجيران ردوا عليها وزقوها: “ركنة إيه وزفت إيه دلوقتي! أمك اللي طمعها عماها وراحت تتخانق على حاجة مش بتاعتها، وسعوا عشان الست بتضيع!”.
أبويا مسكني من إيدي وجرني لورا بعيد عن الزحمة، وبص للعمال اللي كانوا واقفين مذهولين وقالهم بنبرة حاسمة: “نزلوا بقية الحاجه على العربية فوراً.. يلا يا رجالة مفيش وقت”. العمال بقوا ينزلوا الحاجه بسرعة الصاروخ، وشيماء سلفتي نزلت من فوق تجري، بس مش عشان تلحق حماتها، دي كانت بتبصلي وهي بتقول بصوت واطي: “سبحان الملك.. ذنبك وذمبي خلصوا في ثانية.. الله يمهل ولا يهمل يا هالة”.
أحمد بصلي وعينيه مليانة دموع وغل، وشاور عليا وقال بصوت مبحوح: “مش هسيبك يا هالة.. أمي لو جرى لها حاجة مش هرحمك لا إنتِ ولا أبوكي!”.
أبويا رد عليه بكل قوة: “أعلى ما في خيلك اركبه يا ابن أمك.. بنتك طلقتها ورميت عليها اليمين قدام الجيران والشهود، وحقها وبتاخده، وأمك ربنا اللي حاسبها على نيتها وسرقتها.. يلا يا هالة”.
ركبت مع أبويا في العربية النقل الكبيرة وسط نظرات الشارع كله اللي اتقسم نصين؛ نص باصص لحماتي وهي بتتشال على نقالة الإسعاف ووشها أزرق تماماً، والنص التاني باصص لجهازي وركنتي وهما محطوطين في العربية والناس بتتهامس على الفضيحة اللي هتعيش فيها العيلة دي سنين وسنين.
طول الطريق وأنا حاطة إيدي على قلبي، دموعي نازلة بس مش زعل على أحمد ولا على بيتي اللي اتهد، أنا كنت ببكي من الصدمة، من السرعة اللي ربنا جابلي بيها حقي في نفس الساعتين اللي اتهنت واتقهرت فيهم.
وصلنا بيت أبويا، ورصينا الحاجه في الشقة القديمة، وأبويا قفل الباب وقعدني جنبه وطبطب عليا: “ارتاحي يا بنتي.. إنتِ هنا في حمايا، والراجل اللي يبيع مراته عشان خاطر طمع أهله ميبكاش عليه”.
عدى يومين، وأنا قافلة تليفوني تماماً ومش عايزة أسمع صوت حد، لحد ما بابا دخل عليا الأوضة بليل، وكان وشه مش مريح وفيه علامات قلق…
أبويا: “هالة.. افتحي تليفونك.. أحمد باعتلك رسايل كتير على الواتساب، ومكلم عمامك كلهم.”
أنا بقلب مقبوض: “خير يا بابا؟ أمّه جرى لها إيه؟”
أبويا اتنهد وقالي: “الست جرتلها جلطة وشلل نصفي بسبب وقعة السلم وزعلها على جوازة بنتها، وأحمد قالب الدنيا.. بس مش بيبعت يهدد المرة دي يا هالة.. ده بيبعت يستغيث ويطلب السماح!”…
فتحت تليفوني وإيدِيا بترتعش، أول ما الشاشة نورت، رسايل أحمد نزلت ورا بعضها زي المطر. فضلت أقرأ وعيني مش مصدقة التحول اللي حصل له. الواد اللي كان من يومين بيرفع إيده عليا وبيطلقني بالثلاثة وبيهددني، كاتب رسايل كلها عياط واستعطاف: “سامحيني يا هالة، أنا اتعميت، ربنا جاب حقك مني ومن أمي في نفس اللحظة.. أمي مابتقومش من السرير، وأختي خطيبها سابها والبلد كلها بتتكلم علينا.. أنا خسرت كل حاجة في ثانية، أبوس إيدك ارجعيلي، أنا مستعد أكتبلك الشقة باسمك وأعملك كل اللي تعوزيه، بس متخربيش بيتي”.
بصيت للرسايل وأنا حاسة بنفور مش طبيعي. مفيش أي مشاعر حركتني ناحيته، الوجع والقهرة والكسرة اللي عشتهام في بيته موتت كل حاجة حلوة جواه.
بصيت لبابا وقولتله بثبات: “أنا مش هيرجعله يا بابا.. اللي يبيع مراته في أول المحطة عشان يرضي طمع أهله، ويقعدها على الأرض ويستخسر فيها شقاها، ملوش أمان.. والست اللي شلتها جلطة دي، ربنا مبيظلمش، ده ذنب جهازي ودهبي، وذنب السجادة العجمي والغوايش بتوع شيماء سلفتي اللي أكلت حقها من سنين ونست إن فيه رب اسمه العدل”.
بابا ابتسم وطبطب على كتفي وقال: “ده الصح يا بنتي، الراجل اللي بيته يتهد عشان ‘ركنة وطقم كوبايات’ ميبقاش راجل، واللي يمد إيده على مال غيره الحرام بياكله وياكل عافيته”.
وفعلاً، رفعت قضية لتوثيق الطلاق اللي رماه عليا قدام الشهود، وأخدت حقوقي كاملة بالقانون، ومفكرتش أبص ورايا ولا لحظة. عرفت بعد كده من شيماء إن بيت حماتي اتقفل عليه الحزن؛ العروسة مبقاش يتقدم لها حد بعد الفضيحة، وأحمد بقى شايل أمه المشلولة بيخدمها ليل نهار وشقا شغال كله على الدكاترة والعلاج، وبقت الركنة اللي طمعت فيها هي المكان الوحيد اللي قاعدة عليه طول اليوم ومبتتحركش منه، كأن ربنا عاقبها بنفس الحاجه اللي سرقتها!
### الحكمة من القصة:
> **”ماتظلمش حد عشان تمنظر حد.. ودعوة المظلوم ملهاش حجاب”**
>
القصة دي بتعلمنا إن الطمع والمنظرة الكدابة مابتجيبش غير الخراب. اللي بيبني فرحة أولاده على قهرة وكسرة أكساد وعيال الناس، ربنا بيقلب فرحته دي لعزاء في ثواني.
* **الحق مابيموتش:** مهما طال وقت الظلم، ربنا بيسلط على الظالم من يكشفه ويفضحه ومن نفس الكأس اللي شرب منه غيره.
* **الأصل بيبان في الأزمات:** الراجل الحقيقي هو اللي يكون سند لمراته ويحميها ويصون كرامتها وشقا أهلها، مش اللي ييجي عليها ويكسرها عشان يداري على غلط أهله تحت مسمى “صلة الرحم”. صلة الرحم مش معناها أكل حقوق الناس بالباطل.
* **المال الحرام يذهب هو وأهله:** كل حاجة اتأخدت بغير حق، كانت السبب في فضيحة العيلة دي ومرض الأم وخراب بيت الابن. خليك قنوع بحقك، واعرف إن “العدل الإلهي” أسرع بكتير مما تتخيل.
