فرح اختى وعمامى حكايات رومانى مكرم 1
بكرا فرح اختى وعمامى اخوات أبويا 7رجاله واولادهم 14شاب وبقالهم سنين زعلانين من ابويا مش بنكلم بعض انا روحت لعمامى واولادهم وقولتهم بكرا فرح بنتكم وعاوزكم تقفو معانا وتشرفو بنتكم
رد ولاد عمى وقالو وابوك كان شرف مين والى عملو زمان فينا كلنا
رد عمى الكبير وقال الكل يخرس خالص
دى بنتنا ولحمنا ودمنا وانهارده الحنه يلا بينا نروح ونشرف لحمنا
بالفعل دخلو جهزو نفسهم وكلهم لابسو زى بعض جلاليب الصايده الى تشرف
ودخلنا الحنه كلنا الفرح كله وقف على لم شافهم لانى اغلب الحنه كانت اهل العريس
وابويا اول ما شافهم واقف فى وشهم وقال
كانت ليلة الحنّة تغلي غليان في ساحة الدوّار الواسعة، ديك اللي محوّطة بالسور العالي ومفروشة بالفراشة الصعيدي الحمرا والصفرا المبهجة. أنوار الكهارب الملونة كانت تقيد وتطفي على الحيطان وتشيع بهجة، وصوت المزمار البلدي يرج الأرض رجّ، يدفعه دندف الطبول الصاخبة اللي تملا الصدور هيبة وناسوخ. الساحة كانت غرقانة بالناس، عاد أغلب الحضور كانوا أهل العريس؛ واصلين بقوتهم وماليين المكان كيف ما يكونوا أصحاب الملك، وإحنا الجانب بتاعنا كان غلبان وقليل الحيلة.. خلوّ الظهر والعزوة كان باين ويقطع القلب، وكسرة العين في وش بوي ليلة فرح بنته كانت واضحة كيف الشمس في بريق عينيه الحزين، وهو يتلوى بين الضيوف يرحب بيهم بابتسامة مكسورة، يداري بيها مرار السنين اللي عاشها وحيد، مقطوع من شجرة واصل بسبب الخلافات القديمة اللي جفت فوقيها الدماء ومجفتش آثارها في القلوب.
قبل ساعتين من اللوك الصاحي ده، كنت واقف في وسط مضافة أعمامي. سبع رجالة كيف الجبال الموقرة، قاعدين على الكنب البلدي بجلاليبهم السكروتا والبلدي الداكنة وعمايمهم البيضا النضيفة، وحواليهم يتلفوا أربعة عشر شابّ، صغار سن لكن وعرين، تشتعل في عيونهم حماسة الشباب وعناد المظلمة القديمة. أول ما خطيت عتبة المضافة، ساد صمت ثقيل يفلق الصخر. تنحنحت، وبلعت ريقي اللي نشف من الهيبة، وعليت صوتي وقلت بقلب ملهوف: “يا عمامي.. يا ولد عمي.. بكرة فرح بنتكم. فرح لحمكم ودمكم. الساحة في الدوار هناك مليانة بأهل العريس، وإحنا لوحدينا مالناش والي. أنا مش جاي أفتش في دفاتر قديمة ولا جاي أقول مين غلطان. أنا جاي أقول إن بنتكم محتاجة ضهر وسند تترمي عليه، وعاوزكم تقفوا معانا وتشرفوا بنتكم قدام الغريب قبل القريب.”
هبّ واقِف واد عمي الكبير، وعيونه تطق شرار، وقال بصوت حاد زلزل العروق: “وأبوك كان شرف مين؟! والّي عمله زمان فينا كلنا وعمايله الواعرة نسيتوها؟! جايين تفتكروا إننا لحمكم ودمكم لما اتزنقتوا وعوزتونا الوجت؟!”
اللقمة وقفت في زوري والكلمات خنقتني، ورجعت خطوة لورا وأنا حاسس بالذل والانكسار، لكن فجأة، ضربت عصاية عمي الكبير، كبير العيلة والراس العاقلة فيها. وقف بطوله الفارع، وبص لأولاده وأخواته بنظرة صقر حامٍ، وهدر بصوت هز الحيطان: “الكل يخرس واصل! الكلمة كلمتي والشور شوري. دي بنتنا ولحمنا ودمنا، والّي يمس طرف طوبتها يمس عمايمنا كلنا الأرض. والنهاردة الحنة.. يلا بينا نروح ونشرف لحمنا وندوسوا على أي زعل!”
كانت الكلمات دي أمر عسكري ميرجعش فيه واصل. في دقايق معدودة، المضافة انقلبت خية نحل. دخلوا الرجالة والشباب، وتأهبوا كيف عساكر رايحة تاخد بتار الشرف. خرجوا كلهم في زفة تهز الأرض، لابسين جلاليب الصعايدة المعتبرة اللي تشرف، قماشها واجف ويفرح، وحاطين الشيلان الكشميري على أكتافهم، وماسكين عصيهم الأبنوس اللي تضرب الأرض بجرّة واحدة ومشي متناسق. كيف ما يكون جيش من الملوك زاحف يرجّ كبرياء العيلة.
مشيت أنا قدامهم والخرير والفخر مالي صدري. وأول ما وصلنا لبوابة الدوار بتاعنا، حصلت الفجيعة اللي محدش كان يظنها واصل.
بمجرد ما عتبت رجلي أعمامي وأولادهم ساحة الدوار، خفت صوت المزمار شوي بشوي لحد ما انقطع خالص. الكلام جف في الحواج، والتفتت روس مئات الحاضرين من أهل العريس والمعازيم ناحية البوابة في ذهول ومصمصة شفايف. المشهد كان يقشعر ليه البدن؛ واحد وعشرين راجل من صلب راجل واحد، داخلين كتلة بشرية واحدة، تفيض بالهيبة والشموخ، يمشوا بخطوات رصينة هزت طين الساحة. الهمس اشتغل بين أهل العريس: “مين الجبال دول؟! مش قالوا مالهمش عزوة؟! دول عيلة يهدوا بلد!
_رومانى_مكرم
في اللحظة دي بالذات، كان بوي واجف في وسط الساحة، شايل في يده صينية النحاس وعليها الحجة والضيافة، مذهول من الصمت اللي حلّ فجأة في الفرح. دار ببطء ناحية البوابة عشان يشوف إيه الخبر وإيه اللي سَكّت المزمار.
وقع بصر بوي عليهم. جمد الدم في عروقه، واتسمر مكانه كيف الصنم، وسقطت صينية النحاس من يده لتتكسر على البلاط وتتحطم كاسات الشربات، وصوت رنتها كان هو الوحيد المسموع في الدوار كله. تلوّن وشه بألف لون، واهتز طوله بشدة وكأنه يشوف غُيّاب رجعوا من القبور بعد ما قطع الأمل فيهم. بص لأخواته السبعة اللي هجرهم وهجروه سنين وطال بيناتهم الجفا، وبص لأولادهم الأربعة عشر اللي كبروا وبقوا رجالة ماليين هدومهم وعصيهم في أيديهم.
تقدموا أعمامي بخطوات تقيلة وواثقة لحد ما بقوا على بعد خطوتين منه واجفين سد منيع، وعيونهم السودة مثبتة في عيونه.
وابويا اول ما شافهم..وقف فى وشهم وقال..
ياتره هيحصل ايه وابوه هيعمل ايه وايه السر الى بقاله سنين
وابويا أول ما شافهم.. وقف في وشهم وقال بصوت متحشرج ماليان شجن وبكاء، صوت طالع من قاع السنين اللي عاشها مكسور الظهر: “يا مرحب بالعزوة.. يا مرحب بلحمي ودمي اللي حماني وسد في غيبتي.. نورتوا داركم يا خوتي، نورتوا فرح بنتكم يا ولد عمي!”
وما هي إلا لحظة واحدة، مرت كأنها دهر، ورمى بوي نفسه في أحضان عمي الكبير. ارتمى في حضنه كيف العيل الصغير اللي لقى أمه بعد توهة وطول غياب. عمي الكبير فتح دراعاته على وسعهم وضم بوي لصدور ماليانة شهامة، وضربه على ظهره بقوة وعيونه هو كمان غيمت بالدموع. وفي ثواني، اتلموا السبع رجالة فوق بعض، حضن جماعي زلزل قلوب كل اللي واقفين، مشهد يخلي الصخر يلين ويَبكي من كتر المحبة اللي صحيت بعد نوم سنين.
فجأة، وسط ذهول المعازيم كلهم وأهل العريس اللي برقت عيونهم من الصدمة، بوي فك نفسه من حضن خوته السبعة، وبحركة سريعة كيف البرق، مد يده تحت الجلباب وسحب مسدسه، ورفع يده لفوق ناحية السما..
**”طاخ.. طاخ.. طاخ.. طاخ!”**
ضرب نار واعر ورا بعضه، علب رصاص كاملة اتفرغت في جوف السما، صدى الصوت كان يرج جبال الصعيد رج، وينفض الغبار عن قلوب طال عليها الجفا. ضرب النار ده مكانش مجرد فرحة، ده كان إعلان رسمي وبلاغ للدنيا كلها: **”أنا مابقتش لوحدي.. أنا ظهري رجع اتسند، وعزوتي أهي واجفة كيف الأسود!”**
الشباب الأربعة عشر، أولاد أعمامي، ما كدبوش خبر؛ أول ما شافوا بوي بيضرب نار، سحبوا هم كمان سلاحهم وشارعوا السما بالرصاص، الساحة انقلبت زلزال من الفرحة، والمزامير اشتغلت بأعلى صوت والطبول دبت في الأرض، واختلطت أصوات الزغاريد اللي شقشقرت من بيوت الحريم بصوت الرصاص اللي يفرح قلب الحزين.
انطلقت حلقة الرقص، ونزلوا أعمامي وأولادهم العصي الأبنوس، يلفوا حولين بوي وحواليا في حلقة عز وهيبة لم تشهدها البلد من سنين واصل. أهل العريس اللي كانوا داخلين بقلب جامد، تراجعوا لورا، وعيونهم زاغت وتبدلت علامات التكبر لعلامات خوف وهيبة من الجيش اللي دخل الساحة فجأة وبدل الموازين كلها.
لكن وسط الفرحة العارمة دي، والضرب اللي لسه شغال، لمح عمي الكبير راجل من كبارات أهل العريس واجف في زاوية ضلمة برا الساحة، وبيتكلم في التليفون وصوته واطي وعلامات الغدر والشر باينة في عيونه وهو عيبص على أعمامي.. عمي الكبير لمح النظرة دي، وشه قلب خشب، ونزل يده اللي كانت ساندة على بوي، وشاور لولد عمي الكبير وهمس في ودنه بكلمتين خلوا الواد يبرق ويمسك عصايته الأبنوس بـيديه الاتنين ويتجه بهدوء وحذر ناحية بوابة الدوار الخارجية..
