حكايات زهره الربيع 2

بصيت لأحمد ولأم خطيبته والغل أكل قلبي. لفيت وشي لأم العروسة وقولتلها بابتسامة صفرا هزت كبرياءهم: “تعديل إيه يا حجة اللي بتتكلمي عنه؟ الشقة دي مش بتاعة أحمد، الشقة دي شقتي أنا ومراتي، وأحمد داخل يتفرج زيكم بالظبط.. اتفضلوا ورونا عرض كتافكم برة!”

أم العروسة وشها جاب ألوان، وبصت لأحمد بغيظ وقالت: “بقى كده يا أحمد؟ جايبنا تتمنظر علينا بشقة أخوك وتقول شقتي؟!” أحمد وشه احمر وزعق فيا: “جرى إيه يا محمود! أنت هتصغرني قدام نسايبي؟ مش أمي كلمتك وخلصت معاك وكل حاجة تمام؟!”

قربت منه وعيني بتطلع شرار، وقولت بصوت واطي ومخيف: “أمي تحلف على ما تملك يا أحمد.. تحلف على أوضتها، على دهبها، لكن شقايا وشقى مراتي اللي طفحت المر محدش ليه كلمة عليه.. اطلعوا برة!”

الست أخدت بنتها وخرجت وهي بتبرطم وتدعي، وأحمد لف عليا وهو بيصرخ: “والله ما هعديهالك يا محمود، أنت بتكسر فرحتي وبتبوظ جوازتي عشان حتة شقة؟ أنا هروح لأمي!”

سابني وجري، وأنا قفلت باب الشقة بالمفتاح والترباس، وحطيت المفاتيح في جيبي ونزلت وراه.. كنت عارف الإعصار اللي مستنيني في بيت العيلة.

أول ما دخلت البيت، لقيت أمي واقفة في الصالة وبتلطم على صدرها، وأحمد قاعد جمبها عمال يسخنها ويقول: “طردني وطرد خطيبتي يا أمي، كسرني قدام الناس وصغرنا كلنا!”

أمي أول ما شافتني، صرخت في وشي: “يا خسارة تربيتي فيك يا محمود! بتطرد أخوك الصغير وتكسر بحلفاني؟ أنت مبقتش ابني ولا أعرفك ليوم الدين لو الشقة دي مأخدهاش أخوك ورجعتلي كرامتي قدام الناس اللي صغرتني قدامهم!”

الكلام كان زي السكاكين في قلبي، بس افتكرت ناهد وهي خارجة في نص الليل وعيالها في إيدها ودموعها مغرقة وشها. قولت لأمي بثبات: “يا أمي، رضاكي على عيني ورأسي، وأنا مستعد أبوس رجلك ليل نهار.. لكن تظلميني وتظلمي مراتي الغلبانة لأ.. الفيزا أنا سددت تمنها، والفلوس فلوسي، وأحمد لو راجل يشقى ويعمل لنفسه.”

أحمد وقف وزعق: “أنا راجل وغصب عنك! ولو على الشقة أنا مش عاوزها، بس قسماً بالله ما هسيبك ترتاح ولا هسيب الست بتاعتك تدوس على كرامة أمي!”

أمي بصتلي بنظرة جحود وقالت: “اطلع برة بيتي يا محمود.. مش عاوزة أشوف وشك هنا، ولا أنت ابني ولا أعرفك لحد ما تيجي وتديني المفاتيح دي برضاك.. وبنت الشوارع اللي مقوياك علينا دي مش هتدخل البيت ده تاني!”

خرجت من البيت وأنا حاسس إن الدنيا كلها لفت بيا. خسرت أمي، وأخويا بقى عدوي، ومراتي على وش طلاق. ركبت أول ميكروباص ورحت على بيت حمايا.

أول ما دخلت، حماتي قابلتني بوش خشب، وعمي (حمايا) كان قاعد وناهد جمبه باصة في الأرض. قعدت وقولت لحمايا: “يا عمي، أنا طردت أحمد وخطيبته من الشقة، ووقفت في وش أمي، وأهو أنا مطرود من بيت عيلتي ومعاييش غير هدومي ومفاتيح شقتي.. أنا مبعتش ناهد ولا بعت شقاها.”

ناهد رفعت رأسها، وبصتلي والدموع في عينها، بس مكنتش دموع كسرة.. كانت دموع حد مجروح ومصدموم. وقالت: “وقفت في وشهم بعد إيه يا محمود؟ بعد ما اتهنت؟ بعد ما أمك قالت عليا حرباية وأخوك كان عاوز ياخد حاجتي على الجاهز؟ أنت رجعتلي الشقة.. بس كسر الخاطر والـمَهانة اللي عيشتها في البيت ده مين هيرجعهم؟”

حمايا اتنهد وقال: “يا محمود يا ابني، أنت راجل وصنت حق بنت عامةً، بس البيوت أسرار، والشرخ اللي حصل بينك وبين أهلك بسبب الشقة دي هيعيش معاكم العمر كله.. بنتي لو رجعت الشقة دي، هتعيش في نكد وخوف من أمك وأخوك، وكل ما يشوفوها هيحسوا إنها خطفت الشقة منهم.”

قولتله بلهفة: “يا عمي أنا شقتي منفصلة، بعيد عن بيت العيلة.. محدش ليه حكم علينا هناك!”

ناهد وقفت وقالت بلهجة حاسمة صدمتني: “الحكم مش بالحيطان يا محمود.. الحكم بالقلوب. أنا مش هعيش في شقة تمنها غضب أمك عليك، ومش هقعد في مكان يخليني كل يوم أبص في وشك وأفتكر إنك فكرت ولو للحظة تضحي بتعبي عشان ترضي حلفان أمك.. أنا ليا شرط واحد عشان أرجع معاك الشقة دي.”

بصيت لها وأنا مستني الكلمة اللي هتقولها، والشرط ده كان أغرب حاجة ممكن تتخيلها، شرط هيقلب موازين الحكاية كلها…

بصيت لناهد بلهفة وقولتلها: “شرط إيه يا ناهد؟ اطلبي اللي أنتِ عاوزاه، لو عاوزة الشقة تتكتب باسمك بالكامل أنا مستعد، المهم نلم شملنا وعيالنا يربوا في وسطنا.”

ناهد هزت رأسها بالرفض وقالت بصوت قوي ومسموع: “لأ يا محمود، أنا مش طماعة ولا ببص تحت رجلي، والشقة دي شقاك قبل ما تكون شقايا.. شرطي عشان أرجع معاك وندخل الشقة دي، إننا نبيعها!”

الكلمة وقعت عليا زي الصاعقة، حمايا وحماتي نفسهم بصوا لبعض بذهول. وقفت وقولت بصوت مهزوز: “نبيعها؟! نبيع شقة العمر يا ناهد؟ الشقة اللي اخترنا ألوانها وطوبها وسيراميكها حتة حتة؟ الشقة اللي غبت خمس سنين عنكم عشان أشتريها وتلمنا؟!”

دموع ناهد نزلت وقالت: “آه نبيعها يا محمود.. الشقة دي لو قعدنا فيها، هتبقى عاملة زي القبر لينا. كل ما هندخل ونخرج، هنشوف نظرات الغل من أخوك، ودعوات أمك عليك وعليا ه تلاحقنا في الرايحة والجاية. أمك حلفّت وصغّرت نفسها قدام الناس، وطول ما الشقة دي موجودة والناس شايفاك فيها وأخوك برة، أمك مش هتسامحك، وأخوك هيفضل شايل منك، وأنا مش هعيش عمري كله خايفة على عيالي منهم ولا مستنية مصيبة تحصلي في بيتي.”

حمايا خبط بكفه على التربيزة وقال: “كلام البنت صح يا محمود.. البيع هو الحل اللي هيقطع دابر المشاكل. الفلوس هتبقى في جيبك، تشتري بيها شقة في مكان تاني خالص، بعيد عن المحافظة وبعيد عن العيلة، وتبدأ حياتك من جديد لا حد يعرفك ولا حد يبص في لقمكتك.”

الدنيا لفت بيا.. شقا عمري وتعب مراتي في الأسواق هيتباع في لحظة عشان نشتري راحة بالنا؟ بس لما بصيت لعين ناهد وعيالي، عرفت إنها بتتكلم صح. البيت مش حيطان، البيت أمان، والأمان اتهد في المكان ده.

بصيت لها وقولت: “موافق يا ناهد.. هبيعها.”

الخبر نزل في البلد زي النار في الهشيم. محمود عارض شقته الجديدة للبيع كاش! أول ما أمي عرفت بالخبر، جيتلي جري على بيت حمايا، ومعاها أحمد أخويا اللي كان وشه باهت وضايع بعد ما خطيبته وأمها فسخوا الخطوبة ورموا له دبلته لما عرفوا إنه ملوش شقة وإن الكلام كان فستك.

أمي دخلت ودموعها على خدها، بس المرة دي دموع ندم مخلطة بخوف، وقالت لي: “بقى تبيع شقتك يا محمود؟ تبيع شقى عمرك وتفضحنا وسط البلد ويقولوا الأخوع غضب على أمه وأخوه؟ يا ابني أنا كنت عاوزه أستر أخوك، والجهل لواني وخلاني أحلف يمين غبي.. اخص عليك يا ابني تبيع شقتك؟!”

أحمد أخويا بص في الأرض وقال بصوت مكسور: “أنا أسف يا محمود.. أنا السبب في كل ده، الجوازة باظت والناس أكلت وشي، وأنا مش عاوز شقق خلاص، اقعد في شقتك ومتبيعش شقاك.”

بصيت لأمي ولأحمد، ولقيت قلبي بيتقطع عليهم رغم كل اللي عملوه.. دول برضه دمي ولحمي. بس بصيت جمبي لقيت ناهد واقفة ساندة ضهري، ووشها مفيش فيه أي تراجع.

قربت من أمي، بوست إيدها وقولت لها: “يا أمي، اليمين بتاعك أنا هكفّر عنه، هطعم عشر مساكين وهعمل كل اللي يرضي ربنا عشان كفارة يمينك ومتبقيش صغرتي قدام حد.. لكن الشقة هتتباع. أنا مش ببيع حيطان يا أمي، أنا بشتري خطري وكرامة مراتي اللي اتبهدلت، وبشتري سلام نفسي لعيالي.. وأحمد أخويا الصغير، أنا مش هسيبه، هساعده على قد ما أقدر لما يقف على رجليه، بس من عرق جبينه هو مش من شقى غيره.”

أمي عيطت وحضنتني، وعرفت إن السهم خرج من القوس ومبقاش ينفع يرجع.

خلال أسبوعين، كنت بعت الشقة بملغ محترم، وأخدت الفلوس في الشنطة، وجمعت ناهد وعيالي وركبنا القطر وطلعنا على المحافظة اللي جمبنا.. بلد جديدة، ووشوش جديدة، لا حد يعرف قصتنا ولا حد بيبص لنا بحقد.

بدأنا ندور على شقة جديدة، وفعلاً لفينا لحد ما لقينا شقة في منطقة هادية وجنبها مدرسة للعيال. وصاحب الشقة كان راجل طيب، اتفقنا معاه على السعر، وطلعت الشنطة عشان أعد له الفلوس ونمضي العقد ونقفل بابنا علينا لأول مرة في حياتنا..

لكن وأنا بفتح الشنطة عشان أطلع الفلوس، عيني وقعت على حاجة غريبة جوة الشنطة وسط رزم الفلوس.. حاجة مكنتش بتاعتي، ولا ناهد حطتها.. ورقة مطبقة وعليها كتابة بخط إيد أنا عارفه كويس!

أول ما فتحت الورقة وقريت السطر الأول، جسمي كله اتنفض، وبصيت لناهد وأنا مش قادر أصدق اللي مكتوب، والمكتوب ده كان كفيل يغير مسار حياتنا للمرة المليون…

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *