زعيم المافيا كان عنده توأم 3
ساد صمت مرعب في الممر، ولم يكن يقطعه سوى صوت أنفاس ياسمين المتلاحقة ونبضات قلبها التي كادت تسمعها من فرط الرعب. كانت نظرات الرجل ذو المعطف الأسود باردة ومصوبة نحوها كفوهة مسدس، بينما تحولت ملامح حسام الدمنهوري إلى قناع من الفولاذ.
تحرك الرجل الغامض خطوة للأمام، ويده لا تزال داخل معطفه، وقال بنبرة خفيضة لـ حسام: “مين دي؟ وشافت إيه؟”
قبل أن ينطق الرجل بحرف آخر، تحرك حسام بسرعة فائقة وقفز بجسده ليكون حائلًا بين ياسمين وبين الرجل، وقال بصوت حاد وصارم: “دي تخصني.. اخرج أنت يا صقر دلوقتي، وكلامنا انتهى.”
نظر صقر إلى حسام طويلًا، ثم نقل نظراته الشكاكة إلى ياسمين، قبل أن يتراجع ببطء ويمر بجوارها وعيناه لا تفارقها، حتى اختفى في ظلام الممر ونزل درجات السلم بخطوات خفيفة كالفهد.
التفت حسام إلى ياسمين، واقترب منها حتى شعرت بهالة نفوذه تطوقها، ثم قال بصوت أشبه بفحيح الأفاعي: “أنتِ بتتصنتي عليا يا ياسمين؟”
تراجعت ياسمين خطوة للخلف، وحاولت استجماع شجاعتها وقالت بصوت مرتعش لكنه يحمل صدقًا: “أنا.. أنا والله ما كنت بتصنت. أنا سمعت حركة غريبة في الممر وخفت على الولاد.. فجيت أشوف في إيه. أنا ماليش دعوة بشغلك يا حسام بيه.. أنا هنا عشان آدم وعمر وبس.”
نظر حسام في عينيها بعمق، محاولًا قراءة ما يدور في عقلها، ثم زفر ببطء وقال وعيناه تحملان همومًا كالجبال: “اللي سمعتيه هنا.. لو طلع بره الأوضة دي، مش حياتك أنتِ بس اللي هتبقى في خطر.. حياة أولادي كمان هتبقى الثمن. البارون ده مش مجرد اسم.. ده كابوس أنا عايش فيه من 6 سنين.”
ابتلعت ياسمين ريقها وقالت بنبرة حانية أذابت قليلًا من قسوة الملياردير: “أنا مش هقول حاجة.. بس طالما الولاد في خطر، ليه عايز تنزلهم الشارع؟ ليه وافقت على شرطي؟”
استدار حسام ونظر إلى الفراغ وقال بنبرة مكسورة لم يسمعها منه أحد من قبل: “لأني تعبت من حبسهم.. وتعبت من تهديد البارون ليا بيهم. طول ما هما عاجزين ومش بيتحركوا، هما تحت رحمته ورحمة رجاله. أنا عايزهم يتعلموا يعتمدوا على نفسهم.. عايزهم يبقوا أقوياء عشان لو جرى لي حاجة في يوم من الأيام، محدش يقدر يكسرهم.”
تأثرت ياسمين بكلامه، وأدركت أن وراء هذا الوحش الكاسر أبًا يحترق من الداخل لحماية أطفاله. قالت بهدوء: “وهم هيبقوا أقوياء يا فندم.. أقوى مما تتخيل. وبكرة الصبح أول امتحان ليهم.”
في صباح اليوم التالي، كانت الأجواء مشحونة.
أصرت ياسمين على أخذ التوأم إلى سوق شعبي مزدحم في وسط القاهرة، وليس إلى حديقة هادئة. اعترض حراس حسام بشدة، لكن حسام، الذي قرر خوض المعركة للنهاية، أمرهم بالانصياع مع فرض رقابة صارمة من بعيد.
وقفت ياسمين مع آدم وعمر في بداية شارع يعج بحركة الناس، وأصوات الباعة الجائلين، وكلاكسات السيارات، وصوت النحاس الذي يدق في الورش المجاورة. كان الضجيج مرعبًا للطفلين اللذين اعتادا على صمت القصر.
تمسك عمر بملابس ياسمين برعب: “طنط ياسمين.. الأصوات كتير أوي ومداخلة في بعض.. أنا خايف، مش سامع حاجة!”
انحنت ياسمين لمستواهما، وأمسكت ب أيديهما وقالت بصوت واثق: “ماتخافوش.. ركزوا في صوت واحد بس. اطلقوا نقرة بلسانكم.. وافصلوا الضوضاء اللي ملهاش لزمة عن الصدى اللي راجع لكم من الحاجات الثابتة. زي ما بنعمل في القصر.. الشارع عبارة عن خريطة، بس مرسومة بالأصوات.”
بدأ آدم يحاول، أطلق نقرة (تك.. تك) وسط زحام المارّة. في البداية بدا مشتتًا، لكن فجأة، بدأت ملامحه تسترخي. التفت يمينًا وقال بدهشة: “في.. في عربية خضار واقفة على بعد خمس خطوات مننا.. صح؟”
ابتسمت ياسمين بفخر: “صح يا آدم! برافو!”
بدأ الطفلان يخطوان خطواتهما الأولى في الشارع الحقيقي، وبدأت الضحكات تعود إليهما وهما يتفاديان المارة وعواميد الإنارة بنقراتهما الذكية، وسط ذهول الحراس الذين كانوا يتابعونهم من داخل السيارات بنظرات لا تصدق.
ولكن، وسط هذه الفرحة، وفي زاوية مظلمة من الشارع، كانت هناك سيارة ميكروباص بيضاء، زجاجها داكن، تقف في الانتظار.
داخل السيارة، كان أحد رجال “البارون” يمسك بهاتفه المحمول، وعيناه مثبتتان على ياسمين والطفلين. تحدث في الهاتف وقال بنبرة خبيثة: “يا باشا.. العصافير خرجت من القفص وماشيين في الشارع من غير حماية قريبة.. والبنت الجرسونة معاهم.”
جاءه الصوت من الطرف الآخر باردًا وآمرًا: “الفرصة جات لحد عندنا.. اخلصوا من البنت، وهاتوا الولاد فورًا. حسام الدمنهوري لازم يعرف مقامه.”
تحركت السيارة الميكروباص ببطء، وبدأت تقترب من ياسمين والتوأم، بينما كانت ياسمين مشغولة بتشجيع عمر، دون أن تدرك أن الكابوس الذي حذرها منه حسام بات على بعد خطوات منها.حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى
انطلقت السيارة الميكروباص بسرعة مفاجئة، وصوت محركها المكتوم كان يزداد حدة وهي تقترب من الرصيف الذي تقف عليه ياسمين والطفلان.
الزحام الشديد وأصوات الباعة في السوق كانت كفيلة بحجب صوت السيارة عن أي شخص طبيعي، لكن بالنسبة لآدم وعمر، كانت أذناهما قد بدأتا في فرز الأصوات بدقة غير عادية.
فجأة، تجمد آدم في مكانه، والتفت برأسه ب ذعر جهة اليمين، ونقر بلسانه نقرة سريعة وحادة، ثم صرخ بأعلى صوته:
“عمر! طنط ياسمين! في حاجة كبيرة وسريعة جاية علينا.. وقريبة جدًا!”
في جزء من الثانية، التفتت ياسمين لترى الميكروباص يندفع نحوهم، والباب الجانبي يفتح ليظهر منه رجلان ملثمان. غريزة الأمومة والحماية تحركت داخلها قبل التفكير؛ اندفعت بقوة ودفعت آدم وعمر نحو زقاق ضيق بين دكانين، بينما اختل توازنها وسقطت على الأرض الصلبة.
امتدت يد غليظة من باب الميكروباص وحاولت الإمساك بياقة قميص ياسمين، لكن سرعة اندفاع السيارة جعلت القبضة تفلتها، ليرتطم الميكروباص بحافة الرصيف بقوة أحدثت دويًا هائلًا، وتجمعت الناس في الشارع وبدأ الصراخ يعلو.
“الولاد فين؟! هاتوهم بسرعة!” صرخ السائق من الداخل.
نزع أحد الملثمين س*لاحه ووجهه نحو الزقاق الضيق، لكن قبل أن يطلق رصاصة واحدة، دوت صرخة إطارات سيارات أخرى ملأت المكان. كانت سيارات الحراسة الخاصة بحسام الدمنهوري قد انطلقت كالبرق بعد أن لمحوا الهجوم.
انهمر الرصاص في الهواء من جهة الحراس، وعمّت الفوضى في السوق. أدرك المهاجمون أن الخطة فشلت، فأغلقوا الباب وانطلقت سيارتهم بسرعة جنونية مخلّفين وراءهم دمارًا في بضائع الباعة.
تسللت ياسمين داخل الزقاق وهي تنزف قليلًا من جبهتها إثر السقوط، واحتضنت آدم وعمر اللذين كانا يرتجفان بعنف. عمر كان يبكي، لكن آدم كان يهمس بذعر: “أنا سمعت صوت الراجل اللي كان مع بابا في المكتب امبارح.. صوته الخشن كان جوه العربية!”
انقبض قلب ياسمين. “صقر” كان هناك بنفسه.
بعد أقل من ساعة، كان القصر يغلي كبركان على وشك الانفجار.
حسام الدمنهوري كان يتحرك في مكتبه كالأسد الحبيس. الزجاج المحطم، والأوراق المبعثرة على مكتبه كانت تدل على نوبة الغضب التي انتابته. وقف أمامه رئيس حراسه ورأسه في الأرض من الخزي.
“بره! كلكم بره!” صرخ حسام بصوت زلزل أركان القصر.
خرج الحراس مسرعين، لتبقى ياسمين واقفة عند الباب، وقد وضعت ضمادة صغيرة على جبهتها. نظر إليها حسام، ورغم الغضب المتطاير من عينيه، إلا أن نظرته كانت تحمل كمًا هائلًا من القلق والذنب.
اقترب منها بخطوات ثقيلة، ونظر إلى جرحها وقال بصوت خفيض متحشرج: “أنا أسف.. أنا اللي حطيتك في الموقف ده. البارون بعتلي رسالة من دقيقة.. بيقولي إن دي كانت مجرد قرصة ودن، والمرة الجاية هياخد جثث مش أسرى.”
ثبتت ياسمين نظرتها فيه وقالت بقوة غير متوقعة: “الولاد هما اللي أنقذونا يا حسام بيه. آدم سمع العربية وهي جاية وحدد مكانها قبل ما أي حد فينا يشوفها. أولادك مش نقطة ضعفك.. أولادك بقوا س*لاحك.”
صدمت الكلمات حسام، ونظر إليها بذهول.
تابعت ياسمين وهي تقترب منه: “البارون مرعوب من إن الولاد يخرجوا، مش عشان هيبقوا صيد سهل.. هو مرعوب لأنهم لو بقوا أقوياء وبيتحركوا، مش هتقدر يضغط عليك بيهم تاني. اللعبة انتهت يا حسام بيه.. والنهاردة لازم تقلب الطاولة عليه.”
لمعت عينا الملياردير ببريق مرعب، بريق رجل قرر ألا يرحم. تراجع إلى مكتبه، وفتح درجًا سريًا وسحب منه مسدسًا أسود صغيرًا، ثم التفت إلى ياسمين وقال بنبرة هادئة وحاسمة:
“البارون فاكر إنه يعرف كل حاجة عني.. بس ما يعرفش إني مستعد أحرق الدنيا عشان ولادي. بكرة بالليل، البارون عامل اجتماع لكل رجال المافيا في السخنة عشان يستلموا شحنة الس*لاح الجديدة.. وأنا هروح.”
نظرت إليه ياسمين بقلق: “وهتعمل إيه؟”
ابتسم حسام ابتسامة مظلمة وقال: “مش أنا اللي هعمل.. إحنا اللي هنعمل. آدم وعمر هيجوا معايا.. والمكان اللي البارون فاكر إنه ضلمة ومحدش يقدر يتحرك فيه.. أولادي هيبقوا هما النور اللي هيقودني لتدميره.”
خيم الظلام الدامس على مخزن ميناء السخنة المهجور. المكان كان عبارة عن متاهة من الحاويات الحديدية الضخمة والآلات الصدئة، والبارون اختار هذا المكان تحديدًا لأن أنوار الميناء مطفأة تمامًا بسبب أعمال الصيانة، مما يضمن له سرية تسليم شحنة الس*لاح.
في الداخل، كان البارون يجلس على مقعد جلدي فاخر، وبجواره “صقر” وعدد من رجاله المدججين بالس*لاح. الأجواء كانت مشحونة، وفجأة، انفتح الباب الحديدي الكبير ليدخل حسام الدمنهوري، وبجواره ياسمين، وخلفهما آدم وعمر.
ضحك البارون ضحكة ساخرة رنت في أرجاء المخزن: “أهلاً يا حسام.. جيت وجايب معاك العصافير الكفيفة والجرسونة؟ أنت اتجننت يا دمنهوري؟ جايبهم معاك لمكان موتك؟”
حسام وقف بثبات وقال بنبرة باردة: “أنا جيت أنهي اللعبة يا بارون. شحنة الس*لاح دي مش هتخرج من هنا، وأنت ملكش أي نفوذ عليا من النهاردة.”
تحولت ملامح البارون إلى الغضب، وأشار لرجاله: “اخلصوا عليهم كلهم.. وسيبوا الولاد.”
ولكن، قبل أن يتحرك أي حارس، ضغط حسام على زر صغير في جيبه. في جزء من الثانية، انقطع التيار الكهربائي تمامًا عن المولد الاحتياطي الوحيد في المخزن. حلّ ظلام كاحل، ظلام بنسبة 100%، لدرجة أن أحداً لم يكن يرى كف يده.
علت أصوات الذعر والشتائم بين رجال البارون:
“الكهربا قطعت!”
“مش شايف حاجة! شغلوا الكشافات!”
في هذه اللحظة، وسط الظلام الذي أصاب الجميع بالعمى، كان هناك شخصان ينبضان بالحياة.
آدم وعمر.
أطلق الطفلان نقرات متتالية وسريعة بألسنتهم (تك.. تك.. تك.. تك). صدى الأصوات كان يرتد من أجساد الحراس، والأسلحة، والحاويات، ليرسم في عقولهم خريطة ثلاثية الأبعاد للمخزن بدقة تفوق الرادارات.
أمسك آدم بيد والده حسام، بينما أمسك عمر بيد ياسمين.
“يا بابا.. في واحد على بعد ثلاث خطوات يمينك، ورافع مسدسه” همس آدم بدقة متناهية.
بلمح البصر، وبتوجيه من يد ابنه الصغيرة، تحرك حسام في الظلام كالشبح، وهجم على الحارس، وجرده من س*لاحه وضربه بأسفل المسدس ليسقط أرضًا دون أن يراه أحد.
وعلى الجانب الآخر، كان عمر يهمس لياسمين: “طنط ياسمين.. صقر واقف عند البرميل اللي على الشمال، وبيتحرك ناحية الباب.”
تحركت ياسمين وحسام بتوجيهات التوأم. كان الطفلان هما “العينين” التي ترى في الظلام، والنور الذي يقود المعركة. نقرات ألسنتهم وصوت صفيرهم الخافت كان يحدد أماكن رجاله بدقة، ومع كل نقرة، كان حارس يسقط أرضًا بنيران حسام أو بضرباته القاضية.
أصيب البارون بالرعب، وصاح بهستيريا وهو يطلق الرصاص عشوائيًا في الهواء: “أنتوا فين؟! أنت بتشوفوني إزاي في الضلمة دي؟!”
جاءه صوت حسام الدمنهوري من خلفه مباشرة، نبرة تحمل حسم النهاية: “أنا مش بشوفك يا بارون.. أولادي هما اللي بيشوفوك.”
وقبل أن يلتفت البارون، وجه حسام ضربة قوية ليده ليسقط المسدس منها، ثم أحكم قبضته عليه وثبته في الأرض، في نفس اللحظة التي اقتحمت فيها قوات الشرطة المخزن بعد أن أبلغهم حسام بالموعد والمكان مسبقًا، لتشتعل الأنوار فجأة وتكشف عن سقوط شبكة البارون بالكامل.
بعد مرور عدة أشهر…
على ضفاف النيل، في حديقة قصر الدمنهوري التي أصبحت تملؤها الممرات الرخامية والخشبية المصممة خصيصًا، كان هناك صوت ضحكات بريئة تملأ المكان.
آدم وعمر كانا يركضان بحرية وثقة، يتفاديان الأشجار والمقاعد بنقراتهما الذكية دون أي مساعدة، وقد تحولا إلى طفلين ممتلئين بالحياة والقوة.
وقف حسام بجوار ياسمين يراقبهما، ولم تكن هناك نظرة شك واحدة في عينيه، بل نظرة امتنان عميقة للمرأة التي أنقذت عائلته.
التفت حسام إلى ياسمين وقال بابتسامة صادقة: “عمرهم ما هيشوفوا النور بعينيهم يا ياسمين.. بس أنتِ خليتيهم يشوفوا الدنيا بقلوبهم وودانهم.”
ابتسمت ياسمين ونظرت إلى التوأم قائلة: “العجز مكانوش في عينيهم يا حسام بيه.. العجز كان في خوفنا عليهم. هما دلوقتي أحرار.. ومحدش هيقدر يقف في طريقهم تاني.”
