جوزى استلف حكايات رومانى مكرم 2
لم تنتظر صفاء أن ينتهي رنين الهاتف، وبإشارة حازمة من يد والدها، ضغطت على زر الرفض، ثم أغلقته تماماً. نظرت إلى والدها والحيرة تمتزج بالخوف في عينيها: “بابا.. عاصم مش هيسكت، هو طماع وممكن يعمل أي حاجة لو حس إن فلوسه ومكانته في السوق هتضيع.”
جلس الحاج شاكر وراء مكتبه من جديد، وعادت إليه هيبته وثباته الشديد، وقال وهو يشعل سيجارته بهدوء: “عاصم ديله طويل يا بنتي، بس راسه خفيفة. ابن السوق الحقيقي ميبعش الراجل اللي سنده، وعاصم افتكر إن الفلوس بتعمل كبار.. متخافيش، الشبك شبكي وأنا اللي هلمه.”
لم تمر سوى نصف ساعة حتى دوت أصوات فرامل عنيفة أسفل عمارة المكتب، وتبعتها خطوات متسارعة ومرتبكة على السلم. انفتح باب المكتب بقوة، ودخل عاصم ووجهه شاحب كالموتى، وعرقه يتصبب بغزارة، وعيناه زائغتان تبحثان عن طوق نجاة.
لم يكن هذا عاصم المتغطرس الذي كان يجلس بالأمس على الكنبة ويفرد ذراعيه؛ بل كان عاصم الحقيقي عندما يُعرى أمام حقيقته.. مجرد صياد صغير وقع في شباك حوت كبير.
ارتمى عاصم على الكرسي أمام الحاج شاكر، وحاول أن يبتسم ابتسامة صفراء وهو يلهث: “يا حج شاكر.. صلي على النبي في قلبك، الكلام ميبقاش كده بين الأهل.. أنا كنت بهزر مع صفاء، ده أنا بفرفش معاها.. معقولة آكل حقك؟ ده أنت أبويا وبركتنا!”
لم يتحرك الحاج شاكر، ولم ترمش له عين، بل نفث دخان سيجارته في الهواء وقال برود قاتل: “والعربية الزيرو اللي تمنها ملايين يا عاصم؟ كنت بتهزر بيها برضه؟ وشحنة الإسمنت بتاعتي اللي واقفة في الميناء وشركائي اللي مستنيين السيولة؟”
ابتلع عاصم ريقه بصعوبة ونظر إلى صفاء يستعطفها: “يا صفاء.. قولي لأبوكي، إحنا عشرة عمر، أنا بس كنت مضغوط من اللي عمله مدحت أخويا.. أنا هتدبر، هصرف الفلوس.”
هنا وقفت صفاء، ولأول مرة تنظر إليه بنظرة خالية من أي مشاعر، نظرة صلبة استمدتها من قوة أبيها: “أنا مابقاش ليا كلام معاك يا عاصم.. أنت قولت أعلى ما في خيلنا نركبه، وإحنا ركبنا.. كلامك دلوقتي مع الحاج شاكر، وفي المحكمة لو الورقة بتاعتي مجتليش.”
جن جنون عاصم لما سمع كلمة “الطلاق”، فالأمر لم يعد مجرد 850 ألف جنيه، بل أصبح فضيحة في السوق ستدمر سمعته كرجل أعمال، بالإضافة إلى خسارته للأرض والمحلات التي اكتشف للتو أن عقودها النهائية ما زالت في يد الحاج شاكر.
وقف عاصم وصرخ بنبرة تحولت فجأة من الاستعطاف إلى التهديد اليائس: “جرى إيه يا حج شاكر؟! ه تخرب بيت بنتك عشان قرشين؟ أنا مش دافع، وأعلى ما في خيلكم اركبوه تاني! الأرض دي أنا واضع إيدي عليها، ومحدش يقدر يخرجني منها، وعربيتي ماليش دعوة بيها دي كاش.. والفلوس مش هتشوفوا منها مليم دلوقتي وروني هتعملوا إيه!”
لم يهتز الحاج شاكر، بل ابتسم ابتسامة ساخرة هزت ثقة عاصم في نفسه، وأمسك بالهاتف الأرضي للمكتب، وطلب رقماً يعلمه عاصم جيداً.. رقم “المعلم غريب”، أكبر تاجر حديد في السوق، والشرير الذي يخشاه الجميع، والذي يعلم عاصم أنه مديون له أيضاً بمبالغ للشغل.
“أيوة يا معلم غريب.. معاك شاكر.. كنت عايز أقولك إن الواد عاصم اللي شغال معاك في مناقصة الحديد، لسه شاري عربية زيرو بملايين، وفلوس الناس اللي عليه مش عايز يدفعها، وبيقول السوق مريح.. وأنا برفع إيدي عن أي ضمانة ليه في السوق من النهاردة.”
تسمر عاصم في مكانه، وبدأ جسده يرتجف فعلياً. سحب الحاج شاكر ورقة بيضاء من مكتبه، ورماها أمام عاصم مع قلم:
“قدامك حل من التنين يا ابن سوق الندالة.. يا تمضي على شيك بمبلغ المليون و850 ألف جنيه (حق الأمانة وفوقيها تعويض عن التعطيل) وتكتب تنازل عن أي حق ليك في المحلات، وتطلع ورقة بنتي بالمعروف.. يا إما هقفل عليك السوق من بكرة، والمعلم غريب ورجالته هيتصرفوا معاك بمعرفتهم، وعربيتك الجديدة دي مش هتلحق تركبها أسبوع على بعضه.”
نظر عاصم إلى الورقة والقلم، ثم إلى وجه الحاج شاكر الصارم، وإلى صفاء التي أدارت ظهرها له تماماً.. شعر عاصم بأن الأرض تدور به، وأن فخ الطمع الذي حفره لأبيها، قد وقع فيه هو بكامل إرادته.
أمسك عاصم القلم بيده المرتعشة، وبدأ يكتب.. لكن عينيه كانت تلمع بشرارة انتقام غادرة، شرارة توحي بأن الاستسلام الحالي ما هو إلا هدوء مؤقت لتدبير مصيبة أكبر!
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
ضغط عاصم بالقلم على الورقة بقوة كادت تقطعها، ووقع الشيك والتنازل وهو يلهث، كأنه يوقع على وثيقة إعدامه في السوق. رمى القلم من يده، ووقف ينظر للحاج شاكر وعيونه حمراء من الغل والغضب المكبوت: “أهو.. مضيت يا حج.. والتنازل والشيك عندك أهو.. وبنتك ورقتها هتوصلها للمأذون. بس حط في بالك.. عاصم مش الراجل اللي يتلوي دراعه ويقف يتفرج.. والسوق ياما فيه جولات.”
لم يرد عليه الحاج شاكر، بل أشار له بيده نحو الباب بكل برود واستهانة، كأنه يطرد ذبابة حطت على مكتبه.
خرج عاصم ورزع الباب خلفه بقوة هزت جدران المكتب. التفت الحاج شاكر لصفاء، وطبطب على كتفها وهو يسحب الشيك والأوراق: “متعيطيش يا بنتي.. دموعك غالية، والراجل اللي يبيع أصله عشان قرشين، خسارته مكسب.. الفلوس دي هترجع، والكرامة رجعت، والورقة دي هكسر بيها مناخيره في السوق.”
مرت ثلاثة أيام.. صفاء قاعدة في بيتها القديم مع والدتها، محاطة بحضن عيلتها اللي صانها، لكن قلبها مكنش مطمن. عاصم مش من النوع اللي ينسحب بالسهولة دي، عاصم “ابن سوق” وثعلب، والضربة اللي أخدها من الحاج شاكر جرحت كبريائه قبل جيبه.
وفي ليلة اليوم الرابع، رن تليفون الحاج شاكر.. كان المتصل “المعلم غريب”.
فتح الحاج شاكر الخط: “أيوة يا معلم غريب.. خير؟”
جاء صوت المعلم غريب مخنوقاً وملياناً بالتوتر: “الحق يا حاج شاكر.. عاصم مجنون وعملها! الواد من ساعة ما خرج من عندك وهو قالب الدنيا.. راح لمجموعة من “المطاريد” والمسجلين اللي شغالين في الجبل، وباع ليهم شحنة الحديد والأسمنت اللي كانت في المخازن لحسابه النص بالنص كاش، ولم الفلوس وهرب!”
وقف الحاج شاكر والصدمة لجمت لسانه: “هرب؟! هرب فين؟ والفلوس اللي عليه؟!”
رد غريب: “الواد صفى كل حساباته في البنوك في ثانية، والعربية الجديدة باعها لتجار كسر في نفس اليوم بنص تمنها عشان ياخد كاش.. والأنقح من كده يا حاج.. الواد مسبش البلد.. الواد باعت ناس يراقبوا مكتبك وبيتك، وعرفت من عيل من صبيانه إنه ناوي على مصيبة.. قالي نصاً: (عاصم حلف لو مش هيعرف ياخد الفلوس، هيحرق قلب الحاج شاكر على أغلى ما يملك)!”
نزلت الكلمات على الحاج شاكر كالصاعقة. التفت لصفاء التي كانت تجلس قبالته، واهتزت نبرة صوته لأول مرة: “صفاء.. عاصم هرب وصفى كل حاجة.. وناوي على غدر.”
وقبل أن تستوعب صفاء الكلمات، انقطعت الكهرباء فجأة عن الشقة بالكامل، وساد الظلام الدامس.
ساد صمت مرعب لثوانٍ.. وفجأة، سمعوا صوت تحطم زجاج شباك الصالون، وتبعه صوت اشتعال نيران قوي، ورائحة بنزين نفاذة بدأت تتسرب بسرعة البرق في أركان البيت!
صرخت والدة صفاء، وتشبثت صفاء بوالدها وهي تسمع صوت خطوات ثقيلة تجري على السلم الخارجي، وصوت ضحكة جنونية مكتومة من بعيد تشبه ضحكة عاصم!
النيران بدأت تحاصر باب الشقة ومخارجها، والدخان الأسود يعمي العيون.. والحاج شاكر يحاول تحريك جسده المتعب لإنقاذ ابنته وزوجته، بينما النيران تأكل كل شيء خلفهم.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
الدخان الأسود كان يملأ المكان، والنيران تتصاعد عند مدخل الشقة كوحش يلتهم كل ما يقابله. صراخ والدة صفاء لم ينقطع، وجسد الحاج شاكر بدأ يترنح من أثر الدخان وضيق التنفس، لكن هيبته وعزيمته لم تسقط.
أمسك الحاج شاكر بقميص صفاء وبصوت متحشرج قال: “على المطبخ يا صفاء.. المطبخ شباكه على المنور والحديد بتاعه قديم.. اخلصي يا بنتي!”
تحركت صفاء بسرعة تسبقها دموعها، سحبت والدتها التي شلها الخوف، وتبعهم الحاج شاكر وهو يسعل بشدة. كسروا زجاج شباك المطبخ، وبأعجوبة وبمساعدة الجيران الذين تلمموا على صراخهم ورائحة الحريق، استطاعوا الخروج إلى المنور ومنه إلى الشارع قبل أن تأكل النار الشقة بالكامل.
وقف الحاج شاكر في الشارع ينظر إلى بيته وشقى عمره وهو يحترق، وصفاء تحتضنه وتبكي بقهر. في تلك اللحظة، رن هاتف الحاج شاكر الذي كان في جيبه.. رقم مجهول.
فتح الخط، فجاءه صوت عاصم من بعيد، صوت مليء بالغل والجنون والتشفي: “أهو البيت راح يا حاج شاكر.. والنار اللي حرقت قلبي على فلوسي ومكانتي حرقت بيتك.. وأعلى ما في خيلكم اركبوه بقا!”
رد الحاج شاكر، ورغم التعب والدخان، كان صوته كالرعد الذي هبط على أنفاس عاصم: “البيوت بتتبني يا ابن سوق الندالة.. والشقا بيرجع.. بس اللي زيك، ركب خيل الشيطان، ونهايتك هتكون تحت حوافره.. قسماً بجلال الله ما هسيبك.”
لم ينم الحاج شاكر ولا صفاء تلك الليلة. لم يقف الرجل الكبير باكياً على الأطلال، بل تحركت “كلمته” وهيبته في السوق. في غضون ساعات، كانت الشرطة تحاصر مخارج المحافظة بناءً على البلاغ الذي قدمه الحاج شاكر والمعلم غريب بتهمة الحرق العمد، والنصب، وسرقة بضائع الشركاء.
عاصم، بطمعه وغبائه، ظن أن المال الكاش الذي معه سيحميه، وتوجه إلى منطقة جبلية مقطوعة ليختبئ عند المطاريد الذين اشتروا منه البضاعة المسروقة. لكن “ابن السوق” الحقيقي يعرف أن الندل لا أمان له؛ المطاريد الذين لجأ إليهم عاصم، لما علموا أن الشرطة تقلب البلد بحثاً عنه، وأن الحاج شاكر وضع مكافأة مالية ضخمة لمن يدلي بمعلومات عنه، لم يترددوا لحظة واحدة.
وفي الفجر، بينما كان عاصم يظن أنه أمن مكر الدنيا، استيقظ على فوهات البنادق تحاصره، وليس من الشرطة فقط، بل من المطاريد أنفسهم الذين قيدوه وسلموه كالفأر المذعور لرجال المباحث ليقبضوا الثمن.
بعد مرور شهر..
داخل قاعة المحكمة، كان عاصم يقف خلف القضبان، وجهه شاحب، وملابسه ممزقة، وكبرياؤه مدعوس في التراب. لم يعد هناك رجل الأعمال “عاصم”، بل مجرد مجرم ينتظر حكم القضاء بالجرائم المنسوبة إليه والتي ثبتت عليه بالدليل القاطع وشهادة الشهود.
وفي الصفوف الأولى، كانت تقف صفاء، وبجوارها والدها الحاج شاكر، بكامل وقاره وهيبته، ممسكاً بيد ابنته يشد عليها. نظرت صفاء إلى عاصم خلف القضبان، ولم تجد في قلبها له سوى الشفقة والاشمئزاز.
نطق القاضي بالحكم: “حكمت المحكمة حضورياً على المتهم عاصم بالأشغال الشاقة المؤبدة لارتكابه جرائم الحرق العمد مع سبق الإصرار والترصد، والنصب والاحتيال.”
دوت القاعة بالصمت، وسقط عاصم على ركبتيه داخل القفص يبكي وويول، ينظر إلى صفاء ويصرخ: “سامحيني يا صفاء.. قولي لأبوكي يسامحني!” لكن صفاء أدارت وجهها عنه، وأمسكت بذراع والدها وخرجوا إلى النور، تاركين الندل يدفع ثمن نذالته.
### الحكمة من الحكاية:
> **”الأصول مبتتشريش بفلوس، والرجالة بتربطها كلمتها مش جيوبها.”**
> إن المال الذي يأتي على حساب كرامة الناس وأكل حقوقهم هو مال ملعون، يذهب بصاحبه إلى الهلاك. الطمع يعمي البصيرة، ومن استحل أموال من ساندوه ووظفوا “الميراث” وهم أحياء، أماته الله بالحيا وخسر الدنيا والآخرة.
> الزوج النذل لا يؤمن جانبه، والبيت الذي يبنى على الطمع يهدمه الجشع. وفي النهاية.. يظل “ابن الأصول” ثابتاً بأصله وكبريائه، وتذهب زبد أموال الندالة جفاءً، ولا يصح في النهاية إلا الصحيح.
>
