رجعت من السفر حكايات رومانى مكرم 1

رجعت من السفر فجاء لقيت امى اجرت شقتى مفروشه وحابسه مراتى فى اوضه على السطوح

 

من صغر وانا بسافر اشتغل وارجع وبعد ما اتجوزت سافرت ست شهور ورجعت فجاء لقيت امى اجرت شقتى مفروشه بجهاز مراتى ومراتى فى اوضه فوق السطوح

 

الساعة اتنين بعد نص الليل.. الدنيا هس هس، والبرد بياكل في العضم وكل الخلق نايمة.

كنت واقف قدام باب شقتي ونبضات قلبي بتسابق رجلي بعد غربة سنتين مرار في الخليج. نزلت فجأة، قطعت التذكرة ولميت شنطتي من غير ما أنطق بحرف لـ مخلوق، قولت أعملهم مفاجأة العمر وأفرح قلبهم.

أنا **”عاصم”**.. شاب مصري من اللي دمهم حامي حامية طوب فرعون، عصبي ومبقبلش العِوج، والغلَط عندي ملوش تبرير، بقلب في ثانية وأجيب عاليها واطيها حتى لو مع أقرب الناس ليا. لما جاتلي فرصة السفر بعد جوازي بشهرين من **”حنان”** بنت الأصول اللي وشها يطرد الهم من القلب، سبتها أمانة في رقبة أمي وإخواتي البنات في بيت العيلة. كنت بحرم نفسي هناك من اللقمة، وببعت الشقى والقرش الأبيض وأخت الطاقية باسم أمي.. عشان تكمل فرش شقتنا، وتصرف على مراتي وتخليها قاعدة هانم في غيابي.

كل ما أرفع سماعة التليفون وأكلم أمي، تقولي بنبرة كلها حنية: *”يا حبة عيني حنان دي شايلينها في نني العين، قاعدة متهنية ومبتشيلش قشاية من الأرض”*. ولما كنت أطلب حنان، كنت بحس بصوتها مخنوق ومكتوم، وراه جبال هموم ووجع، بس عشان عارفة طبعي الحامي وإن الكلمة عندي بطلقة وممكن أهد الدنيا لو حد داس لها على طرف، كانت بتكتم في قلبها وتقولي: *”أنا بخير يا عاصم.. ركز في أكلك وشغلك ومتقلقش عليا، ربنا يرجعك بالسلامة”*.

مكنتش أعرف إن سكوتها ده كان تمنه كرامتها وصحتها، بتداس بالجزم بس عشان تحافظ على علاقتي بأهلي وبيت العيلة! لحد ما جه الأسبوع اللي فات.. تليفونها اتقفل تماماً، وغابت عن الوجود. ساعتها قلبي اتقبض قبضة الموت، حسيت إن في لعبة بتتظبط ومصيبة دايرة من ورايا، محجزتش.. أنا طرت ونزلت مصر.

وقفت قدام باب شقتي، طلعت المفتاح وحطيته في الكالون.. المفتاح مش راضي يلف! الكالون مغيرينه وراكب قفل جديد زيرو!

نزلت بـ إيدي رزق على الباب وزعقت زي المجنون.. ثواني والباب اتفتح، ولقيت في وشي راجل غريب، لابس جلباب وبيقرك في عينه من النوم.

برقتله والدم محبوس في عروقي وسألته بصوت مكتوم من الصدمة: **”أنت مين يا جدع أنت؟! وبتعمل إيه في شقتي الفاضية؟!”**

بصلي من فوق لتحت وقالي ببرود مستفز: *”شقتك إيه يا كابتن؟ أنت شارب حاجة؟ أنا مأجر الشقة دي مفروش من الحاجة والدتك بقالي 6 شهور وعقدي ساري!”*

في اللحظة دي، النور قطع من عيني وعقلي طار مني. نزلت السلم في ثانية زي الإعصار، ورزعت باب شقة أمي برجلي كسرته نصين ودخلت وصوتي زلزل جدران البيت كله: **”مراتي فيييييييين؟!”**

أمي وإخواتي البنات صحيوا مخضوضين، الرعب نزل في ركبهم أول ما شافوني واقف بطولي، بصوا لبعض والوجوه اصفّرت ومحدش فيهم نطق ببق كلمة!

قعدت ألف في الشقة زي الديب الجريح، بفتح الأوض وأصوت، مفيش ليها أثر.. لحد ما عيني جت على باب السلم اللي بيطلع للسطوح.. كان مقفول بقفل حديد غشيم من برة!

قلبي اتقطع.. مسكت ماسورة حديد كانت مرمية على السلم، وهبدت القفل كسرت ميتينه، وطلعت جري.. وهناك، فوق السطوح، وسط العتمة والضلمة والبرد اللي يكسر الحجر، شفت الشوفة اللي كسرت ضهري، الشوفة اللي نزلت دموعي دم غصب عن عيني..

“حنان” مراتي.. البنت اللي كنت بخاف عليها من الهوا الطاير، نايمة في عشة كراكيب وسط الزبالة والخشب القديم، على مرتبة متبهدلة ومقطعة على الأرض، ومتغطية ببطانية خفيفة زي ورقة السيجارة، جسمها كله بيتكتك ويترعش من التلج، وهدومها دبلانة ومتبهدلة من شغل البيت القاسي والخدمة المرة.. والأعظم من كل ده، إن بطنها كانت بارزة قدامها.. مراتي حامل! حامل ومرمية وسط الكراكيب في عز التلج عشان متشتكيش!

عرفت في ثانية إن الأمانة اتخانت، وإن فلوسي وشقايا في الغربة اتكلوا، وشقتي اللي هي شرعاً وقانوناً “مسكن زوجيتها” اتأجرت عشان يلموا فلوسها في جيبهم، وهي اتقلبت خدامة بلقمتها ولما فتحت بقها واعترضت، سحبوا تليفونها وحبسوها هنا في المنفى عشان متعرفش تستنجد بيا..

بس هما نسوا أنا مين.. نسوا إن عاصم لما بيتعمى من الغضب والظلم مبيشوفش قدامه، والدم الحامي مبيبردش. النار اللي قادت في صدري مش هتطفي بزعيق وصوت عالي ولمّ ناس.. دي نار هتاكل الأخضر واليابس. قفلت باب السطوح علينا، ودخلت أخدت مراتي اللي بتترعش في حضني وبكيت،

#الكاتب_رومانى_مكرم

وطلعت تليفوني وكلمت المحامي والنجدة.. وبصيت للسما وحلفت بـ يمين رب غفور رحيم، إني هربيهم من أول وجديد بطريقة لا تخطر على بال جن ولا عفريت، وهخليهم يدفعوا تمن كل دمعة وكل ليلة سُقع نامتها البنت دي!

 

النار اللي كانت قايدة في صدري اتحولت لبرود قاتل، البرود اللي بيسبق العاصفة اللي بتهد الجبال. نزلت بحنان في إيدي، كانت ماشية خطوة ورا خطوة وهي بتترعش ومش مصدقة، كأنها كانت في كابوس وصحيت منه على صوتي. لفيت حواليها بطانيتي، وسندتها لحد ما نزلنا قدام باب شقة أمي اللي كان مكسور.

أمي وإخواتي البنات كانوا واقفين في الصالة، الرعب واكل قلوبهم، وأول ما شافوا حنان وإيدي في إيدها، وبطنها البارزة، أمي حاولت ترفع إيدها وتصطنع العياط وتقول: “يا بني افهم.. دي هي اللي كانت عاوزة تقعد فوق، وهي اللي…”

مقاطعتش كلامها بزعيق، رفعت إيدي وبصيت لها بنظرة خلت الكلمة تقف في زورها. قولت بصوت واطي ومسموع، صوت يرعب أكتر من الصراخ: “حسابكم معايا مأجل.. دقيقة واحدة مش عاوز اسمع فيها نفس.”

لمحت الراجل المستأجر نازل يجري على السلم مخضوض من الدوشة، بصيت له وقولتله: “قدامك نص ساعة تلم حاجتك وتطلع برة الشقة دي، وإلا والـله العظيم هرمي حاجتك وحاجتي من البلكونة، ومحدش هيلومني.” الراجل شاف الشر في عيني، ومشي خطوتين لورا وطلع يقفل شقته ويلم ليلته وهو ساكت.

في غضون عشرين دقيقة، كان سارينة بوكس النجدة بتدوي في الشارع الضلمة، ومعاها عربية المحامي بتاعي وصديق عمري “متر حازم”. الجيران بدأت تفتح الشبابيك وتبص بذهول، بيت العيلة اللي كان معروف بالهيبة، بقوا واقفين في نص الصالة والبوليس داخل عليهم.

دخل الضابط، وبص للمنظر، وشاف حنان اللي باين عليها الإعياء والتبهدل، وبص للباب المكسور. حازم المحامي اتكلم على طول:

“يا فندم، البلاغ عن واقعة احتجاز قسري، وتعذيب، واستيلاء على مسكن الزوجية الموثق بعقد شرعي، وتبديد منقولات زوجية، وطرد زوجة حامل في الشارع واحتجازها في مكان غير آدمي.”

أمي بدأت تصرخ: “ده ابني ودي شقتي وده بيتي! بتجيبلي البوليس يا عاصم عشان حتة بت؟!”

بصيت للضابط وقولتله بقوة: “الشقة دي شقتي بأوراق رسمية وفلوس شقايا، والست دي مراتي، والناس دول حبسوها ومنعوا عنها الأكل والتليفون وأجّروا شقتي بفرشها لحسابهم الشخصي. أنا مش هتنازل عن محضري، والطب الشرعي يثبت حالة مراتي حالاُ.”

الضابط أخد الكل على القسم. رفضت إن حنان تمشي في البوكس، أخدتها في عربية حازم المحامي وطلعنا على المستشفى الأول. الدكتورة لما كشفت عليها، طلعت تقولي وعينها كلها لوم: “المدام عندها هبوط حاد في الدورة الدموية، وسوء تغذية، وآثار برد شديد مأثر على الرئة، والحمد لله إن الجنين لسه عايش.. دي معجزة.”

كتبت الدكتورة التقرير الطبي اللي يدينهم ويوديهم في داهية. سيبت حنان في المستشفى تحت رعاية ممرضة أمينة، وطلعت على القسم والدم بيغلي في عروقي.

في مكتب رئيس المباحث، كانت أمي وإخواتي قاعدين يبكوا ويولولوا، وأول ما دخلت، إخواتي البنات رموا نفسهم على رجلي: “سامحنا يا عاصم.. أمك هي اللي قالت نعمل كده عشان نجهز أختنا الصغيرة بفلوس الإيجار! مكناش نعرف إنك هتنزل فجأة!”

امتلأت عيني بالشر وقولت: “تجهزوا أختكم بكرامة مراتي؟ تلموا قرش حرام من شقايا وتجوعوا مراتي اللي شايلة ابني؟”

وقفت قدام المحضر، ووقّعت على أقوالي، ورفضت كل توسلات الجيران اللي جم يحجزوا ويهدوا النفوس. قولت للكل: “القانون هياخد مجراه، واللي غلط هيتحاسب.”

النيابة أمرت بحبس إخواتي البنات وأمي على ذمة التحقيقات بناءً على التقرير الطبي وشهادة المستأجر اللي اعترف إن أمي هي اللي أجرتله الشقة ووقعت العقد بصفتها، وبناءً على معاينة النجدة للقفل الحديدي اللي كان على باب السطوح.

تاني يوم الصبح، الشمس طلعت وأنا واقف بطولي قدام بيت العيلة، الشقة المفروشة فضيت تماماً بعد ما المستأجر مشي. طلعت الشقة، وقفت وسط الصالة الفاضية، وبصيت حواليا.. الفلوس راحت، والأهل خانوا الأمانة، بس حقي وحق مراتي مش هسيبه.

دخلت المستشفى لحنان، كانت بدأت تفوق ووشها يرد فيه الدم. قعدت جمبها ومسكت إيدها المبتورة من السقعة، وبست رأسها وقولت لها: “حقك رجع يا بنت الأصول، والبيت اللي اتهانتِ فيه، مش هتدخليه تاني غير وأنتِ ست سيده.. واليومين دول هيدفعوا تمنهم غالي أوي.”

بصتلي وحبست دمعتها وقالت: “أنا كنت خايفة عليك من غضبك يا عاصم.. بس كنت عارفة إنك مش هضيعني.”

ابتسمت بوجع وقولت: “عاصم مبيضيعش حق لقمة كلتها في غربة.. والحكاية لسه مخلصتش، اللي جاي كله حساب وعقاب.”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *