بعد يومين حكايات رومانى مكرم 2
خطوات المحامي وأفراد الأمن كانت بتسمع في الصالة الفاضية، صدى الصوت كان بيزيد من رعب الموقف بالنسبة لمصطفى وعيلته.
المحامي وقف بكل برود، وطلع من شنطته محضر إثبات حالة وصورة من دعوى الطرد المستعجل، وبص لمصطفى وقال له بنبرة قانونية جافة: “يا استاذ مصطفى، معاك بالظبط عشر دقايق تلم الشنط اللي بره دي أنت وأسرتك الكريمة وتتفضلوا، لأن أي محاولة لدخول الفيلا أو التواجد في محيطها من اللحظة دي هتعتبر اقتحام لملكية خاصة، وده هينضاف للبلاغ المتروح في قسم الشرطة.”
أبو مصطفى مسك ابنه من هدومه وهزه بعنف وهو بيزعق: “ضيعتنا! ضيعت هيبتنا وفلوسنا، وجايبنا نتطرد على ملا وشنا في الكومباوندات قدام الناس؟ فين الفلوس اللي قولت انك أمنتها في حسابك؟”
مصطفى مكنش قادر يرد، عينيه كانت رايحة جاية بيني وبين المحامي، وبدأ يستوعب حجم الكارثة. الفلوس اللي حولها لحسابه وحساب أبوه اتجمدت بقرار سريع من النيابة كإجراء تحفظي بعد بلاغ السرقة وخيانة الأمانة اللي اتقدم الصبح بدري، يعني حتى الفلوس اللي سرقها مابقاش قادر يلمسها.
أما منار، فكانت واقفة عند الباب بتبكي بحرقة وتعدل في الشنط، وبتبص لي بنظرات غل مخلوطة بإنكسار، وقالت وهي بتشهق: “حرام عليكي.. هترمينا في الشارع في الساقعة دي؟ إحنا ملناش ذنب في اللي عمله مصطفى!”
بصيت لها ورديت بمنتهى الحسم: “أنتِ جاية تعيشي في بيتِك الجديد وتورثي، ومحدش فيكم فكر يسألني أو يستأذنني، وكنتوا جايين على أساس إني مطرودة. اللي يرضى بخراب بيوت غيره، يستحمل اللي يحصله.”
حماتي في اللحظة دي حست إن طول السنين اللي عاشتها في كبرياء مزيف اتهد في دقيقة، قربت مني وحاولت تمسك إيدي وهي بتعيط وتترجاني: “يا بنتي، عشان خاطري بلاش فضايح، خليه يرجع الفلوس ونتفاهم، بلاش حبس، ده جوزك برضه!”
سحبت إيدي منها براحة وقولت لها: “جوزي كان المفروض يحميني، مش يسرقني ويهددني بالشارع. القانون هو اللي هيتفاهم معاه دلوقتي.”
مصطفى، لما لقى إن كل الأبواب اتقفلت في وشه، وبقى شكله صغير جداً قدام أبوه وأمه وأخته اللي كانوا شايفينه البطل اللي نقلهم لطبقة تانية، ملامحه اتمسحت منها كل ذرة كبرياء. نزل على ركبه في وسط الرخام الفاضي، وبدأ يتوسل بصوت مخنوق بالدموع: “أنا أسف.. أنا غلت، الشيطان وزني وعمى عيني لما شفت الملايين دي كلها تحت إيدي.. أبوس إيدك بلاش قضية السرقة، دي فيها سجن وضياع لمستقبلي كله! أنا هعملك كل اللي أنتِ عايزاه.”
وقفت وبصيت له من فوق لتحت، النظرة دي كانت كافية تخليه يعرف إنه مات بالنسبالي.
وفجأة، تليفون المحامي بتاعي رن، رد وسمع المكاملة، وملامحه اتغيرت وبص لمصطفى بنظرة غريبة، وقفل التليفون وقال: “البنك لسه مبلغنا بحاجة جديدة يا مدام…”
المحامي نزل النظارة بتاعته وبص لمصطفى بنظرة كلها شفقة على الغباء اللي وصل له، وقال بنبرة صوت هزت الصالة الفاضية: “البنك لسه مبلغنا إن الأستاذ مصطفى مكنش بس بيسحب كاش.. ده امبارح بالليل، استغل التوكيل قبل ما يتلغى بكام ساعة، وقدم على قرض قيمته 5 مليون جنيه بضمان أسهم الشركة القديمة بتاعتك، وزور إمضائك على طلب الصرف المبدئي!”
في اللحظة دي، مصطفى صوته اتقطع تماماً والدموع جمدت في عينيه. التزوير في أوراق بنكية ورسمية يعني “جناية” مش مجرد جنحة خيانة أمانة ممكن تنتهي بتنازل أو غرامة.. يعني سجن مشدد وضياع حتمي.
أبوه لما سمع كلمة “تزوير وجناية”، اتجنن وفقد السيطرة على نفسه. مسك مصطفى من ياقة قميصه وفضل يضربه على وشه وهو بيصرخ بأعلى صوته: “وديتنا في داهية! الفلوس اللي حولتها لحسابي دي كده بقت فلوس تزوير ونصب! أنا راجل عشت عمري كله بسمعتي، تحبسني وتفضحني في آخر عمري عشان طمعك وسواد قلبك؟”
مصطفى كان زي الجثة الهامدة، مبيتحركش ولا حتى بيدافع عن نفسه من ضرب أبوه، الصدمة شلت عقله وتفكيره تماماً.
منار أخته أول ما شافت المنظر، ولمحت من الشباك الإزاز الكبير عربية الشرطة وهي بتدخل من بوابة الفيلا الخارجية، سحبت شنطها بكل غل وجريت برة الصالة وهي بتصرخ: “أنا ماليش دعوة بيه.. أنا مش عايزة أعرفكم تاني! هو اللي طمع وهو اللي سرق!”، سابت أخوها في لحظة انكساره ونفدت بجلدها عشان متدخلش معاه في السيناريو المرعب ده.
أما حماتي، فإنهارت تماماً وقعدت على الأرض الرخام الباردة، ودموعها نازلة من غير صوت. الكبرياء المزيف والغرور اللي دخلت بيه القصر اتمسح في ثواني، وبقت بتبص لابنها اللي كانت شايفاه “الملك” وهو بيتهان ويتدمر قدام عينيها.
أنا قربت من مصطفى خطوتين، وبصيت له وهو راكع على الأرض تحت إيد أبوه، وقولتله بمنتهى البرود والثبات: “الغباء دايماً نهايته سودة يا مصطفى.. أنت كنت فاكر إنك بتلعب مع واحدة هبلة هتاخد شقا سنينها وتتفرج عليك؟ أنت نسيت إن أنا اللي بنيت الشركة دي من الصفر ومن غير مساعدة حد؟ يعني الدماغ دي هي اللي عملت الملايين اللي أنت طمعت فيها.. تفتكر هغلب في حتة عيل زيك؟”
المحامي شاور لأفراد الأمن يفتحوا الباب الرئيسي للفيلا على آخره.. ودخل ظابط المباحث ومعاه العساكر، وصوت الكلبشات الحديدية كان بيرن في الصالة الفاضية ويسمع في كل ركن.
الظابط قرب وبص لمصطفى بصرامة: “أنت مصطفى..؟ مطلوب القبض عليك بتهمة التزوير في أوراق رسمية وبنكية والاستيلاء على أموال الغير، ووالدك مطلوب معملة محضر كشريك ومستفيد من الأموال المسروقة.”
مصطفى وهو بيتسحب والعساكر بتمسكه والكلبشات في إيده، بصلي بكسرة عمري ما شوفتها في عيون إنسان، وعينيه كانت مليانة رجاء وأمل إني أنقذه.. بس أنا لفيت ضهري وبصيت من الشباك على الجنينة الواسعة.
الظابط أخد مصطفى وأبوه، وخرجوا برة الفيلا وسط صراخ وعياط حماتي اللي كانت بتجري وراهم وهي مش قادرة تقف على رجليها.
الفيلا فضيت تماماً ومبقاش فيها غيري أنا والمحامي بتاعي وسط صدى الصوت والرخام الفاضي.
المحامي ابتسم وبصلي وقاللي: “كده الجزء الأول من الخطة نجح والضربة كانت قاضية يا مدام.. بس لسه المفاجأة الكبيرة بتاعة بكرة في المحكمة.. المفاجأة اللي هتقضي على مصطفى وعيلته تماماً وتخليهم يندموا على اليوم اللي فكروا فيه يدخلوا حياتك.”
بصيت له وابتسمت بثقة.. والمفاجأة دي كانت…
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
المحامي ابتسم وقال: “المفاجأة يا مدام إننا مش بس جمدنا الحسابات وقبضنا عليه.. إحنا بكره الصبح هنرفع قضية ‘تعويض مدني مؤقت’ بـ 10 مليون جنيه عن الأضرار الأدبية والمادية وتشويه سمعة شركتك، وبالمستندات اللي معانا، المحكمة هتحجز على الشقة القديمة بتاعة أبوه، وعلى نصيب مصطفى في أي ورث أو ممتلكات.. يعني العيلة دي مش بس مش هتعيش في قصر، دول مش هيلاقوا سقف يداريهم بعد ما يخرجوا!”
خرج المحامي وقفل الباب وراه، وسابني واقفة لوحدي في وسط القصر الفاضي.
بصيت للمساحة الواسعة حواليا، ولأول مرة من سنين حسيت بنسمة هواء باردة ونقية بتدخل صدري. الصدى اللي كان مالي المكان مكنش صدى فراغ، ده كان صوت انتصاري، صدى كرامتي وشقايا اللي رجعوا لي كاملين مكملين.
مصطفى وعيلته خرجوا من الكومباوند في عربية البوكس، وقدام عيون الجيران والأمن اللي كانوا واقفين يتفرجوا عليهم بذهول.. الفشخرة والمنظرة اللي كان بيموت فيها، اتقلبت لأكبر فضيحة جرسة في منطقتهم الجديدة والقديمة.
بعد شهور من الجلسات والتحقيقات، المحكمة أصدرت حكمها العادل:
**السجن المشدد 7 سنوات لمصطفى بتهمة التزوير الجنائي في أوراق بنكية رسمية وسرقة أموال وممتلكات خاصة.**
**والسجن سنة مع إيقاف التنفيذ لوالده كشريك في تبديد الأموال، مع الحجز على ممتلكاتهم لسداد التعويضات المادية اللي حكمت بيها المحكمة لصالحي.**
أما منار أختها، فرجعت تدور على مكان تعيش فيه بعد ما خسرت كل حاجة، وحماتي بقت عايشة في شقة إيجار صغيرة، بتندم كل يوم على اللحظة اللي وافقت فيها ابنها على طمعه وظلمه.
### الحكمة من القصة:
> **”شقا عمرك هو سندك، والطيابة مش معناها السذاجة.”**
> أكبر غلطة ممكن تقع فيها الست الناجحة هي إنها تدوب كيانها المادي واستقلالها في كدبة اسمها “إحنا واحد” لمجرد إرضاء غرور راجل. الأمان الحقيقي مش في قفل الباب، الأمان في وعيك، وفي إنك تفضلي صاحية ومأمنة ورقك وشقاكي.
> اللي بيبني من الصفر طوبة طوبة، بيبقى عنده الذكاء والقوة إنه يهد المعبد كله فوق دماغ اللي يحاول يسرقه، والراجل اللي بيقنع نفسه إن نجاح مراته ملكه هو لمجرد إنه “راجل البيت”، نهايته دايماً بتكون ركعة ذل فوق بلاط بارد.. بلاط عريان زي حقيقته بالظبط.
>