اعز اصدقائى اسما3
لفصل الرابع: الرجل الذي عاد من المـ,ـوت
ساد الصمت.
حتى أنفاس الموجودين أصبحت مسموعة.
نظرت إلى الحاجة نادية بعد أن أغلقت الهاتف.
قلت بارتباك:
“مين؟”
ابتلعت ريقها.
ثم قالت:
“كريم.”
عقد أحمد حاجبيه.
“ما كريم كان هنا من شوية.”
هزت رأسها بسرعة.
“لا.”
“مش كريم السعدني.”
ثم همست:
“كريم منصور.”
وفجأة تغير وجه أحمد.
كأن شبحًا ظهر أمامه.
لأن كريم منصور كان اسمًا يعرفه الجميع.
الرجل الذي مات قبل خمس سنوات في حادث سيارة مروع.
والرجل نفسه الذي كان شريكًا لأحمد في مشروعه الأول.
بعد أقل من عشرين دقيقة…
توقفت سيارة سوداء أمام المنزل.
وتجمع الضيوف عند النوافذ.
ترجل رجل طويل القامة.
شعره اختلط فيه السواد بالرمادي.
ملامحه حادة.
وعيناه تحملان سنوات طويلة من التعب.
دخل بخطوات ثابتة.
وعندما وقع بصره على أحمد ابتسم ابتسامة خفيفة.
أما أحمد فتراجع خطوة للخلف.
“مستحيل…”
همس بها.
“إنت ميت.”
رد الرجل بهدوء:
“واضح إن الإشاعة دي عاشت أكتر مني.”
كانت القاعة كلها تنظر إليه في ذهول.
أما أنا فلم أفهم شيئًا.
لكن الحاجة نادية قالت:
“احكيلهم.”
تنهد الرجل.
ثم جلس على أقرب كرسي.
وقال:
“أنا ما متش.”
“لكن حد كان عايزني أمـ,ـوت.”
بدأ الجميع يستمع.
حتى الضيوف الذين كانوا يستعدون للمغادرة عادوا للجلوس.
قال كريم:
“من خمس سنين اكتشفت عملية نصب كبيرة داخل الشركة.”
“كنت أنا وأحمد شغالين عليها.”
نظر إلى أحمد.
ثم أكمل:
“لكن قبل ما أبلغ الشرطة بيوم واحد…”
“عربيتي اتعرضت لحادث.”
توقف للحظة.
ثم قال:
“كل الناس افتكرت إني مت.”
“لكن الحقيقة إني عشت.”
“واتنقلت برا مصر للعلاج.”
“وكنت فاقد جزء كبير من الذاكرة.”
سألت بدهشة:
“وده إيه علاقته بينا؟”
نظر إليّ.
ثم قال:
“علاقته بياسمين.”
فشعرت القاعة كلها بالتوتر من جديد.
أخرج كريم ملفًا أسود.
ووضعه على الطاولة.
ثم قال:
“من سنة تقريبًا بدأت أفتكر كل حاجة.”
“ورجعت أدور ورا اللي حصل.”
“واكتشفت اسمًا بيتكرر في كل حاجة.”
“ياسمين.”
اتسعت عينا أحمد.
“إزاي؟”
فتح كريم الملف.
وأخرج صورًا ومستندات.
وقال:
“قبل ما ترتبط بيك أصلاً…”
“كانت ياسمين على علاقة بأحد الأشخاص اللي شاركوا في عملية الاحتيال.”
“وكانت بتوصل معلومات من الشركة مقابل فلوس.”
ساد الصمت.
أما أحمد فجلس ببطء.
وكأن جسده لم يعد قادرًا على حمله.
قال كريم:
“ولما عرفت إني بدأت أشك فيهم…”
“وصلتهم المعلومة.”
“وبعدها بأيام حصل الحادث.”
شهقت إحدى السيدات.
أما الحاجة نادية فأغلقت عينيها.
كأنها تستعيد سنوات طويلة من الخداع.
قال أحمد بصوت مكسور:
“يعني من البداية…”
“كل حاجة كانت كذب؟”
هز كريم رأسه.
“للأسف.”
“حتى علاقتها بيك ما كانتش بريئة زي ما كنت فاكر.”
شعرت بالقشعريرة تسري في جسدي.
لأن الصورة أصبحت أوضح.
ياسمين لم تدمر زواجي فقط.
بل دمرت حياة أشخاص كثيرين.
لكن المفاجأة الأكبر لم تأت بعد.
لأن كريم أخرج ظرفًا أخيرًا.
وضعه أمامي.
وقال:
“وده السبب الحقيقي اللي خلاني أرجع النهاردة.”
نظرت إليه بتوتر.
“إيه ده؟”
قال بهدوء:
“حقك.”
فتحت الظرف.
وبداخله مستند رسمي.
قرأت السطر الأول.
ثم الثاني.
ثم الثالث.
وتوقفت أنفاسي.
لأن المستند كان يثبت أن هناك حسابًا استثماريًا ضخمًا باسم والدي الراحل…
وقد تُرك لي وحدي.
بقيمة تتجاوز خمسين مليون جنيه.
رفعت رأسي بصدمة.
“إيه؟”
ابتسم كريم لأول مرة.
وقال:
“أبوك كان شريكي.”
“وقبل وفاته أوصاني أحافظ على حقك.”
“ولما اختفيت أنا… ضاع كل شيء.”
ثم أشار إلى المستند.
“لكن حقك رجع.”
بدأت دموعي تنزل بصمت.
ليس بسبب المال.
بل لأنني للمرة الأولى منذ سنوات شعرت أن الحياة تعوضني عن جزء صغير مما فقدته.
أما أحمد…
فكان ينظر إليّ في صمت.
يدرك أن المرأة التي تخلى عنها في أصعب لحظاتها…
كانت أغلى بكثير مما تخيل يومًا.
لكن الوقت كان قد فات.
فات جدًا.
لأن بعض الأبواب حين تُغلق…
لا تُفتح مرة أخرى أبدًا.الفصل الأخير: ما بعد العدالة
مرت ستة أشهر.
ستة أشهر كاملة منذ اليوم الذي انهارت فيه حياة ياسمين أمام الجميع.
الناس في البداية لم تتوقف عن الكلام.
كل شخص كان لديه رواية.
كل شخص كان يضيف تفاصيل من عنده.
لكن مع الوقت…
هدأت الضجة.
كما تهدأ كل العواصف.
ويبقى فقط من عاشها يحمل آثارها في قلبه.
أما أنا…
فكنت أحاول أن أتعلم كيف أعيش من جديد.
في أول شهر بعد الحفلة، كنت أستيقظ أحيانًا في الثالثة فجرًا.
أتذكر طفلي.
أتذكر المستشفى.
أتذكر اليوم الذي خرج فيه أحمد من البيت وأغلق الباب خلفه.
ثم أبكي.
ليس لأنني أريده أن يعود.
بل لأن جزءًا مني ظل يتساءل:
“ماذا لو لم تحدث كل تلك الأشياء؟”
لكن مع كل جلسة علاج نفسي…
ومع كل يوم جديد…
بدأت أفهم شيئًا مهمًا.
بعض الأشخاص لا يخرجون من حياتنا ليؤذونا.
بل يخرجون منها لينقذونا من مستقبل أسوأ.
أما أحمد…
فقد خسر كل شيء تقريبًا.
ياسمين في السجن بانتظار المحاكمة.
الطفل ثبت قانونيًا أنه ليس ابنه.
وأغلب أصدقائه اكتشفوا أنه تخلى عن زوجته المكلومة دون أن يسمع منها حتى.
حتى الشركة التي كان يعمل بها نقلته إلى فرع بعيد بعد الفضائح المتتالية.
وفي أحد الأيام…
وصلتني رسالة منه.
كانت قصيرة جدًا.
“أنا لا أطلب فرصة ثانية.
فقط أردت أن أقول إنني آسف كل يوم.”
نظرت إلى الرسالة طويلًا.
ثم أغلقت الهاتف.
ولم أرد.
ليس من باب الانتقام.
بل لأن بعض القصص لا تحتاج إلى رد.
تنتهي فقط.
أما الحاجة نادية…
فأصبحت أقرب إليّ من أي وقت مضى.
كانت تزورني كل أسبوع تقريبًا.
وأحيانًا تطبخ لي بنفسها.
وفي كل مرة كانت تقول:
“أنا خسرت ابنًا لما اختار الطريق الغلط… لكن ربنا عوضني ببنت.”
ثم تبتسم لي.
فأشعر أن القدر لم يأخذ كل شيء.
وفي يوم شتوي هادئ…
كنت جالسة في المكتب الجديد الذي افتتحته باستثماري الخاص.
أراجع بعض الأوراق.
حين دخلت السكرتيرة وقالت:
“في حد عايز يقابل حضرتك.”
رفعت رأسي.
“مين؟”
ابتسمت.
“بيقول إن اسمه كريم منصور.”
دخل كريم.
لكن هذه المرة لم يكن يحمل ملفات.
ولا أسرار.
ولا أدلة.
فقط كوبين من القهوة.
ووضع أحدهما أمامي.
وقال مبتسمًا:
“المرة دي جاي من غير مصايب.”
ضحكت لأول مرة من قلبي منذ سنوات.
مرت الشهور.
ثم سنة كاملة.
وتحولت الصداقة إلى شيء آخر.
شيئًا أكثر هدوءًا.
وأصدق.
وأعمق.
شيئًا لم يُبنَ على الخداع أو الخيانة.
بل على الاحترام.
وفي مساء ربيعي دافئ…
وقف كريم أمام النيل.
وأخرج علبة صغيرة من جيبه.
ثم قال:
“أنا عارف إن قلبك اتكسر قبل كده.”
“وعارف إنك خفتي من الحب.”
“لكن لو تسمحيلي…”
ثم فتح العلبة.
“نفسي أبقى سبب في إنك تصدقي فيه تاني.”
انهمرت دموعي.
لكنها لم تكن دموع حزن هذه المرة.
كانت دموع امرأة نجت.
نجت من الخيانة.
ومن الفقد.
ومن الوحدة.
ومن الألم الذي ظنت يومًا أنه سيقـ,ـتلها.
بعد عامين…
كانت الشمس تدخل من نافذة غرفة الأطفال.
وكانت الحاجة نادية تحمل طفلة صغيرة بين ذراعيها وتبكي من الفرح.
بينما وقف كريم بجانبي يضحك.
وقالت الحاجة نادية وهي تقبل الطفلة:
“شايفة يا سلمى؟”
“ربنا ما بينساش حد.”
نظرت إلى ابنتي النائمة.
ثم إلى زوجي.
ثم إلى السماء خلف النافذة.
وتذكرت ذلك الظرف الوردي القديم.
والجملة القاسية التي كتبتها ياسمين يومًا:
“خسارة إنك ما عرفتيش تديه طفل.”
ابتسمت بهدوء.
لأن الحياة أجابت عنها بنفسها.
وأجابت بطريقة أجمل مما كنت أتخيل.
تمت.