قصة حقيقية وواقعية حدثت في مصر2

## الجزء الثالث: في جحر الذئاب

لم تكد عجلات سيارة الشرطة تتحرك وهي تنقل فؤاد مهران إلى الحجز، حتى التفتت نادية الرفاعي إلى سلمى التي كانت تحتضن طفلها بجسد يرتجف، ليس خوفًا من المكان، بل من هول الحقائق التي تتكشف أمامها كقن..ابل موقوتة.

أشارت نادية بيدها إلى رئيس حرسها الخاص، رجل ضخم ذو ملامح جامدة يُدعى “عمر”، وقالت بنبرة حاسمة: “عمر… سلمى والطفل يدخلوا الجناح الشرقي في القصر. حراسة مشددة 24 ساعة. مفيش مخلوق يعرف بوجودهم، ولا حتى الخدم.”

نظرت سلمى إلى نادية بعينين حائرتين وقالت: “نادية هانم… مين الاسم التاني اللي يوسف كتبه في الرسالة؟ مين اللي ممكن يكون عاوز يخلص من يوسف غير فؤاد؟”

وقفت نادية عند النافذة الكبيرة المطلة على شوارع القاهرة الصاخبة، وأرجعت شعرها الفضي إلى الخلف. قالت بصوت يملأه ندم مرير: “الاسم التاني هو الشخص اللي أنا ائتمنته على مالي، وضغطت على يوسف عشان يشاركه… الشخص اللي كان بيقنعني كل يوم إن يوسف مات قضاء وقدر عشان يخلالي الجو… طارق الرفاعي.”

شهقت سلمى وضمت يدها إلى فمها: “طارق؟ ابن عم يوسف؟”

التفتت نادية وعيناها تشتعلان بقسوة لم يعهدها أحد من قبل: “طارق مش بس ابن عمه… طارق كان الوريث الشرعي الوحيد لكل أملاكي وشركاتي بعد م..وت يوسف، لولا ظهور ابنك النهارده. فؤاد مهران كان مجرد مخلب قط، المحامي اللي بيمضي ويصيغ العقود، لكن الراس الكبيرة اللي خططت ودفعت عشان عربية يوسف تتقلب في الليلة دي… هو طارق.”

انقضت ثلاثة أيام، وكانت أروقة مجموعة شركات “الرفاعي” تغلي كالمرجل. خبر القبض على فؤاد مهران بتهم تزوير واختلاس انتشر كالنا..ر في الهشيم، لكن نادية حافظت على هدوء غريب، وأصدرت بيانًا صحفيًا تؤكد فيه أن الشركات مستقرة وأنها تباشر العمل بنفسها.

وفي مساء اليوم الثالث، انفتح باب مكتب نادية الفخم بدون استئذان. دخل طارق الرفاعي؛ شاب في الثلاثينيات من عمره، يرتدي بدلة من أشهر دور الأزياء، وعلى وجهه علامات قلق حاول جاهدًا إخفاءها وراء قناع من التباكي والاهتمام.

قال طارق وهو يقترب من مكتب نادية: “طنط نادية! أنا مش مصدق اللي بيحصل… فؤاد مهران؟ المحامي بتاعنا يطلع خ..اين وح..رامي؟ أنا جيت أول ما عرفت بالتحقيقات… إزاي ده حصل؟ والشركات هتعمل إيه؟”

ظلت نادية جالسة في مكانها، تطالعه بنظرة باردة خالية من أي تعبير، وكأنها تشاهد مسرحية رديئة الإخراج. قالت بهدوء: “فؤاد طمع يا طارق… فاكر إنه يقدر يسرق فلوس يوسف الله يرحمه من غير ما أحس. بس هو وقع، والتحقيق معاه هيجيب كل اللي وراه.”

تحرك طارق بتوتر، وحاول أن يغير مجرى الحديث: “المهم دلوقتي إننا نلم الموضوع قبل ما البورصة تتأثر. أنا جاهز أستلم كل الملفات القانونية اللي كانت مع فؤاد، وأمسك إدارة الفروع بنفسي عشان أريحك يا طنط… أنتِ تعبتِ، ومن حقك ترتاحي ويوسف الله يرحمه ملوش وريث غيري يشيل عنك الحمل ده.”

ابتسمت نادية ابتسامة غامضة، ثم فتحت درج مكتبها وأخرجت ملفًا جلديًا أسود، وقذفته أمامه على الطاولة. وقفت وقالت: “معاك حق يا طارق… الشغل كتير. وعشان كده أنا قررت أعمل مجلس إدارة جديد، وأضم أطراف جديدة للشركة.”

فتح طارق الملف بفضول، لكن ملامحه تيبست تمامًا، واختفى الدم من وجهه وهو يرى صورًا لعقود زواج شرعي، وشهادة ميلاد حديثة باسم “يوسف يوسف الرفاعي”، ومستندات موثقة تنازل فيها يوسف الراحل عن نصف أسهمه للجنين الذي كان في بطن سلمى.

قال طارق بصوت متحشرج: “إيه… إيه الكلام الفاضي ده؟ مين سلمى دي؟ ومين الطفل ده؟ دي مؤامرة عشان يسرقوا العيلة!”

وفي تلك اللحظة، انفتح الباب الجانبي للمكتب، ودخلت سلمى بكامل أناقتها، تحمل طفلها الرضيع الذي كان يرتدي ملابس فاخرة تليق بوريث عرش الرفاعي. وقفت بجانب نادية بثبات لم تعهده من قبل.

قالت نادية وهي تشير إلى الرضيع: “ده مش كلام فاضي يا طارق… ده يوسف الصغير. الحفيد الشرعي والوريث الوحيد لـ 70% من مجموعة الرفاعي بناءً على وصية أبوه وعقود الشراكة القديمة… يعني من النهارده، أنت ملكش مكان هنا.”

جن جنون طارق، وتقدم نحو نادية بغضب أعمى وهو يصرخ: “أنتِ اتجننتِ يا نادية؟! هتصدقي واحدة شحاتة جاية من الشارع بطفل مش معروف أبوه مين؟ أنا مش هسمح بالمهزلة دي! الورق ده كله هيتمزق!”

وقبل أن يمد يده نحو الأوراق، تحرك عمر، رئيس الحرس، ووقف كالجدار الحائل بينه وبين نادية، ووضع يده على س..لاح..ه بحسم.

تراجع طارق خطوتين للوراء، ونظر إلى نادية وسلمى بنظرة تقطر بالس..م والوعيد. ضحك بسخرية وقام بزر أزرار بدلته وقال بصوت منخفض مرعب: “فاكرة إنك كسبتِ يا نادية؟ فاكرة إن حتة العيل ده والبت دي هيحموا شركاتك؟ الورق ده ملوش قيمة في السوق… والسوق لسه في إيدي أنا. والطفل ده… مش هيعيش كتير عشان يستمتع بالورث.”

استدار طارق وغادر المكتب وهو يصفع الباب خلفه بقوة زلزلت أركان الغرفة.

التفتت سلمى إلى نادية وهي ترتجف من الخوف: “نادية هانم… هو هددنا عيني عينك… ده ممكن يعمل أي حاجة!”

أمسكت نادية بكتف سلمى، ونظرت إلى حفيدها النائم بهدوء، وقالت بصوت قوي كالرعد: “خليه يعمل اللي هو عاوزه… طارق فاكر إنه ذكي، بس هو غبي لأنه كشف كروته بدري. هو نسي إن الورقة الأخيرة اللي سابها يوسف مكنتش بس بتكشف اسمه…”

صمتت نادية للحظة، ثم أكملت وعيناها تلمعان ببريق غامض: “يوسف ساب دليل مادي… شريط تسجيل ليلة الحادثة، مسجل فيه مكالمة بين طارق وبين الشخص اللي نفذ الجري..مة… والشريط ده مش معايا ولا مع الشرطة… يوسف خباه في مكان م يخطرش على بال جن.”

تابعو صفحه رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

## الجزء الرابع: الشفرة الأخيرة

ساد الصمت أرجاء المكتب الفخم بعد كلمات نادية الرفاعي. كانت سلمى تلتقط أنفاسها بصعوبة، والطفل يوسف الصغير يتحرك في حضنها وكأنه يشعر بالخطر المحيط بعائلته.

قالت سلمى بصوت خافت: “الشريط فين يا هانم؟ لو طارق وصله قبلنا، كل حاجة هتضيع، وحق يوسف هيم..وت للمرة التانية.”

التفتت نادية نحو لوحة زيتية قديمة معلقة على الجدار، تمثل لوحة تشكيلية كان يوسف قد رسمها بنفسه في أيام دراسته الجامعة. نظرت إليها بتمعن وقالت: “يوسف كان عبقري، وكان عارف إن مكتبه وعربيته وتليفونه متراقبين من فؤاد وطارق. في السطر الأخير من الرسالة، كتب جملة مشفرة: *’أمي… الحقيقة دايماً مدفونة في المكان اللي بدأنا منه، تحت عينيكي بس إنتِ مش شايفاها’*. طارق هيم..وت ويعرف السطر ده معناه إيه، بس هو غبي ومش هيفهم.”

استطردت نادية وهي تقترب من اللوحة: “المكان اللي بدأنا منه مش بيت العيلة، ولا الشركة… المكان هو أول مشروع يوسف صممه بإيده ونفذه من مصروفه الخاص، ملجأ الأيتام الصغير اللي بناه في أطراف الجيزة… هناك، في مكتبه القديم اللي رفض يهدّه أو يجدده.”

في تلك الأثناء، كان طارق الرفاعي يجلس في سيارته الفارهة، يجري اتصالاً هاتفيًا وعيناه تشتعلان بالغل. قال بنبرة حادة للشخص على الطرف الآخر: “اسمعني كويس… نادية عرفت كل حاجة، والبت اللي اسمها سلمى معاها واد بتقول إنه ابن يوسف. فؤاد مهران اتمسك وهيجرجرنا معاه لو البت دي والطفل فضلوا عايشين. أنا عاوز القصر يتقلب، والبت دي والطفل يختفوا الليلة… فاهم؟ الليلة!”

أغلق طارق الهاتف، وعلامات الجنون تسيطر على ملامحه. لم يكن يعلم أن المليارديرة نادية الرفاعي كانت خطوتها أسرع؛ فقد أمرت “عمر” رئيس حراسها بنقل سلمى والطفل فورًا إلى مكان سري للغاية خارج القاهرة، وتأمين الملجأ القديم بجنود من الحراسة الخاصة.

منطاد الليل هبط فوق القاهرة، وتوجهت سيارة نادية الرفاعي المصفحة نحو ملجأ الأيتام في أطراف الجيزة. المكان كان هادئًا، تحيط به أشجار عالية. ترجلت نادية ودخلت إلى المكتب الصغير الذي لم يفتحه أحد منذ عام. الغبار يكسو المقاعد، وصور يوسف وهو يضحك مع الأطفال تملأ الجدران.

تنقلت نادية بين الأرفف بحذر، حتى وصلت إلى مجسم خشبي صغير للملجأ، كان يوسف قد صنعه بيديه. قلبت المجسم، لتجد في قاعدته تجويفًا سريًا مغلقًا بقفل رقمي.

تذكرت نادية تاريخًا لا يمكن أن تنساه… تاريخ اليوم الذي تولى فيه يوسف إدارة أول عمل له. أدخلت الأرقام، فانفتح التجويف الصغير.

بداخل التجويف، كان هناك جهاز تسجيل رقمي صغير (Dictaphone) ومعه بطاقة ذاكرة مخبأة بعناية. نسخت نادية الملف الصوتي فورًا على هاتفها، وضغطت على زر التشغيل وهي تحبس أنفاسها.

خرج صوت يوسف الراحل، كان يتحدث بحدة وعصبية: *”طارق… أنت فاكرني مش عارف؟ أنت وفؤاد بتسرقوا من حسابات الشحنات الخارجية، والورق كله معايا. لو مراجعتش نفسك ورجعت الفلوس، أنا هبلغ الأموال العامة وهشيلك من العيلة كلها.”*

ثم جاء صوت طارق الرفاعي، باردًا، حاقدًا، وممتلئًا بالتهديد: *”لو عملت كده يا يوسف… مش هيلحق تبلغ حد. الطرق في الشتا بتبقى زلقة، والعربيات الكبيرة مبتحاسبش وهي ماشية في المطر. فكر في مصلحتك ومصلحة البنت النادلة اللي متجوزها في السر.”*

انتهى التسجيل بصوت إغلاق خط الهاتف، يليه صوت يوسف وهو يتنفس بصعوبة ويقول: *”ده دليلي ضد طارق… لو جرى لي حاجة، الشريط ده هو اللي هيجيب حقي.”*

سقطت الدموع من عيني نادية، دموع حارقة تعلن نهاية الصبر وبداية الح..رب الشاملة. وضعت الذاكرة في جيبها وقالت بصوت أشبه بالرعد: “أنت اللي حفرت قبرك بإيدك يا طارق.”

في نفس اللحظة، خارج الملجأ، دوت أصوات فرملة سيارات عني..فة. أحاطت بالمكان ثلاث سيارات دافعة رباعية سوداء، نزل منها رجال مس..لحون ملثمون، يتقدمهم طارق الرفاعي بنفسه، وعيناه تشعان بشر مستطير.

انفتح باب المكتب بقوة، ووقف طارق على الأعتاب، يوجه س..لاح..ه نحو نادية الرفاعي، وبابتسامة نصر مريضة قال: “كنت عارف إنك هتوصليني للمكان يا طنط… يوسف كان دايماً مكشوف بالنسبالي. ودلوقتي… التسجيل ده هيمو..ت معاكي هنا، ويلحقك يوسف الصغير وأمه.”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *