رجعت من شغل حكايات رومانى مكرم 1
رجعت من شغل لقيت مراتي وابني بيموتوا.. وأمي بتقول عليها “كسلانة”.. ولما الدكتور شاف كدماتها طلب البوليس فوراً!
“لو شيل العيل تقيل عليكي يا **رحمة**، مكنش له لزمة تبقي أم من الأول!”
دي كانت أول جملة سمعتها وأنا داخل أوضة نومنا.
أنا اسمي **مصطفى**، عايش في حتة شعبية على أطراف الجيزة، وبشتغل مدير عمليات في شركة نقل تقيل (تريلات وبضائع). مراتي **رحمة** خلفت أول فرحتنا، **سليم**، من ست أيام بس.
كانت لسه بتتحرك ببطء، ضهرها واجعها من الولادة، ووشها مخطوف ومصفر، ومع ذلك كانت بتبتسم ابتسامتها التعبانة بتاعة الست الأصيلة اللي بتحاول تبين إنها قادرة على كل شيء. كنت بشوفها بتصحى في نص الليل ترضع الواد وتعتذر لي وهي بتعيط إنها “مش قادرة تروق البيت”.
أمي، الحاجة **فاطمة**، عمرها ما بلعت **رحمة** ولا حبتها.
كانت دايماً تقول عليها “لسانها طويل” و”مستقلة بزيادة” و”رافع راسها قوي لكونها ست بيت”. وأختي **شيرين** كانت دايماً بتبخ السم وراها، وتكرر نفس الكلام كأن كلام أمي ده قرآن نازل.
قبل ما **رحمة** تولد بشهور، الأمور قلبت لأسوأ لما أمي بدأت تضغط عليا عشان أشتري شقة بفلوس شقايا وتحويشة عمري… بس تتكتب باسمها هي!
أمي قالت لي وقتها: “عشان الحاجه تفضل في العيلة يا **مصطفى**.. النسوان بتروح وتيجي يا ضنايا، لكن الأم مبتتعوضش”.
**رحمة** رفضت الكلام ده من أول يوم.
وقفت معايا في المطبخ وهي بتبعيط وقالت لي: “مش هسمحلك تضيع مستقبل ابننا عشان ترضي ست بتكرهني وعايزة تخرب بيتي”.
وهنا أنا عملت أكبر غلطة في حياتي… قلت لنفسي إنها بتبالغ وخدت الكلام على إنه “نقر ونقير” حموات.
لما **سليم** شرف، افتكرت إن قلب أمي هيلين. جات المستشفى ببوكيه ورد، وشالت الواد وبوسته من جبهته ووعدتني إنها هتقف جنبا في كل حاجة.
بعدها بثلاث أيام، حصلت مصيبة وشغل طارئ في مخازن الشركة في الإسكندرية. كان لازم أسافر فوراً. التوقيت كان زي الزفت، بس أمي عرضت بكل طيبة إنها تقعد مع **رحمة**.
قالت لي وهي بتطبطب عليا: “سافر يا حبة عيني وشوف شغلك وأنت مطمن.. أنا مربية وعارفة الأصول، مراتك دي غشيمة ومحتاجة اللي يوجهها”.
أختي **شيرين** ضحكت وقالت: “ماتبقاش دراما يا **مصطفى**.. أنت مش مهاجر يعني، كلها كام يوم وراجع”.
**رحمة** كانت قاعدة على سرير المستشفى، ساكتة تماماً.. بصت في عيني بنظرة واحدة كانت بتقول كل حاجة: “ماتسيبنيش وتمشي”.
لكن أنا، بغبائي، مشيت.
طول الثلاث أيام كنت بتصل بيهم في اليوم كذا مرة.. وأمي هي اللي دايماً بترد:
“**رحمة** نايمة”.
“**سليم** رضع وزي الفل”.
“كل حاجة تحت السيطرة يا واد”.
ولما سمعت صوت **رحمة** أخيرًا في اليوم الثالث، صوتها كان طالع بالعافية، كأن الكلام بيجرح حلقها:
“**مصطفى**… أرجوك ارجع.. الحقني”.
دمي نشف في عروقي.
“في إيه؟ إيه اللي حصل؟”
وقبل ما أسمع ردها، أمي سحبت منها التليفون.
وقالت بضحكة صفرا: “مفيش حاجة يا واد، تلاقها بس بتدلع.. الستات البكرية بيجيلهم اكتئاب ولادة وبيحبوا يعملوا حوارات”.
بس في حاجة جوايا انكسرت، وقلبي نقح عليا.
في اليوم الرابع، قطعت تذكرتي ورجعت من غير ما أقولهم. نزلت اشتريت شنطة حفاضات، وعلبة حلويات من المخبز اللي **رحمة** بتموت فيه، وكوفتة خضرا صغيرة عشان **سليم**.
وصلت البيت، لقيت باب الشقة موارب ومش مقفول.
الريحة جوه كانت استغفر الله العظيم.. ريحة أكل حمضان ومعفن. التلفزيون صوته عالي لآخر الدرجة. وفي الصالة، أمي وأختي **شيرين** نايمين على الكنب ومتبغددين بالبطاطين، وحواليهم أطباق كركبة وكوبايات حاجة ساقعة فاضية في كل حتة.
حسيت بلقمة وقفت في زوري، وركبتني مية عفريت.
جريت على أوضة النوم.
**رحمة** كانت مرمية على السرير.. مش نايمة، دي كانت شبه غايبة عن الوعي.
شفايفها متشققة ومبيضّة، وشها رمادي كأن مفيش فيه نقطة دم، وشعرها ملزوق على قورتها من العرق. كان باين عليها إنها كانت بتصرخ وتستغيث لأيام ومحدش عبرها.
وجنبها، **سليم** الصغير كان بيعيط بصوت مكتوم ومخنوق كأنه بيشخر.. وشه كان قايد نار من السخونية، والحفاضة بتاعته غرقانة ومتبهدلة، وجسمه الصغير كان زي الجمرة.
“**رحمة**!!”
فتحت عينيها بالعافية ولما شافتني، دموعها نزلت من غير صوت.. مكنش فيها حيل حتى تعيط.
همست لي بضعف: “خدوا مني التليفون.. وحبسوني”.
قبل ما أنطق بكلمة، أمي ظهرت على باب الأوضة بكل برود.
“أوه، جيت يا **مصطفى**؟ فكك منها دي بتتمارض وبتحب تعيش دور الضحية”.
وأختي **شيرين** وقفت وربعت إيديها وقالت: “دي بتعمل كده عشان تلفت انتباهك وتقومك علينا”.
شلت **سليم** بسرعة وحضنته، وحسيت بنار جسمه في صدري..
في اللحظة دي فهمت إن مراتي وابني مش محتاجين خناق ولا عتاب.. دول محتاجين مستشفى فوراً لأنهم بيموتوا.
زقيتهم هما الاتنين وطلعت أجري بمراتي وابني.
أمي فضلت تصرخ ورايا من على السلم: “بكرة تشوف إن كل ده تمثيل ومسرحية من الحرباية دي عشان تكسر كلامي!”.
أول ما دخلت بيهم طوارئ قصر العيني، الدكتور كشف على **رحمة** وبعدها على **سليم**، وبص لي بنظرة غل وغضب عمري ما هساها في حياتي.
وقال لي بصوت جهوري: “مراتك وابنك بيموتوا من الجفاف الحاد.. بقالهم أيام مشربوش نقطة مية!”.
وبعدين مسك إيد **رحمة** ورفع كم الجلابية وبص لي وقال:
“والكدمات والزرقان اللي في جسمها ده محتاج تفسير حالا.. أنا طلبت نقطة الشرطة اللي في المستشفى والبوليس زمانه على وصول!”.
#الكاتب_رومانى_مكرم
أنا وقفت مذهول.. ومكنتش مصدق المصيبة الأسود من قرن الخروب اللي كنت على وشك إني أكتشفها…
ترى هيحصل إيه في مصطفى لما يعرف السواد اللي عملوه أمه وأخته في غيابه؟ وإيه سر الكدمات دي؟ وهل رحمة وسليم هيقوموا بالسلامة ولا الفاس وقعت في الراس؟
ارتجفت إيدي وأنا ماسك إيد ابني **سليم** اللي كان محطوط على أجهزة التنفس والمحاليل، وبصيت لـ**رحمة** اللي كانت بين الحيا والموت، خراطيم الجلوكوز مغروسة في عروقها الناشفة. الدكتور كان باصص لي بنظرة كلها اتهام وقرف، وافتكرني أنا اللي عملت فيها كده، لحد ما أمين الشرطة دخل الأوضة ومعاه دفتر التحقيق.
“مين اللي عمل فيها كده يا أستاذ؟” سألني أمين الشرطة بصوت حاد وهو بيفتح المحضر.
لسه مكنتش مستوعب، لساني كان مربوط، بس الدكتور اتدخل وقال: “المدام عندها جفاف حاد لدرجة الفشل الكلوي المؤقت، والطفل لولا سترة ربنا كان مات في الساعات الجاية بسبب ضربات الشمس والجفاف.. والأهم من ده، الست فيها كدمات سحل على ضهرها ورجليها، وعلامات أصابع حد كان كاتم نفسها”.
في اللحظة دي، **رحمة** بدأت تفتح عينيها ببطء، بصت حواليها برعب، ولما شافتني دموعها نزلت، وبصوت مبحوح زي حشرجة الموت قالت للمحقق: “حماتي وأخت جوزي.. هما اللي عملوا فيا كده”.
أمين الشرطة بدأ يكتب وراها، وأنا ركبي خست ومشلتنيش، قعدت على الأرض من الصدمة. **رحمة** كملت كلامها وهي بتنهج: “بعد ما **مصطفى** سافر بساعات.. دخلوا عليا الأوضة. أمي حماتي قالت لي: (هناخد الواد نربيه إحنا، وأنتِ هتوقعي على تنازل عن الشقة وتطلبي الطلاق، وإلا مش هتشوفي النور تاني).. ولما رفضت وصوتت، **شيرين** كتمت نفسي بمخدة، وأمي سحلتني من شعري على الأرض عشان تخد السلسلة الذهب اللي في رقبتي وتليفوني.. وحبسوني في الأوضة من غير لقمة ولا نقطة مية.. كانوا بيدخلوا يرموا لي حفاضة الواد الوسخة ويقولوا لي (موتي أنتِ وابنك عشان نصفي الورث لأخونا)”.
السواد اللي سمعته خلاني أحس إن الدنيا بتلف بيا. أمي؟ الست اللي شالتني وتعبت عشاني، تعمل في مراتي وابني اللي مكملش أسبوع في الدنيا كده؟ عشان فلوس وشقة؟ وأختي اللي من دمي تشارك في ق*تل طفل رضيع؟
وقفت على رجلي وعيني طالع منها شرار. أمين الشرطة بص لي وقال: “النيابة هتتحرك فوراً، وعنوان بيتكم معانا”.
قلت له بصوت مرعب من كتر الغل: “أنا جاي معاكم.. أنا اللي هسلمهم بإيدي”.
ركبت عربية البوكس مع القوة، وكل خطوة كانت العربية بتقرب فيها من البيت، كان قلبي بيتحول لحجر. وصلنا الحتة الشعبية، والناس اتلمت لما شافت البوليس داخل البيت.
طلعت السلم جري، وورايا العساكر. زقيت الباب الموارب اللي كان لسه بريحته العفنة. لقيت أمي وأختي قاعدين بياكلوا محشي وبيضحكوا، وأول ما شافوا الظابط والعساكر، لقمة أمي وقفت في زورها ووشها اتقلب ألوان.
أمي وقفت وبدأت تصرخ وتصوت: “الحقوني يا ناس! الواد جايب لي البوليس عشان يطردني من بيته! يا فاجر يا عاق!”.
أختي **شيرين** بدأت تلطم على وشها وتصيح في الجيران من الشباك: “يا ناس شوفوا أخويا بيتبلى علينا عشان يرضي مراته الحرباية!”.
بس المرة دي، غشاوة الغباء كانت اتمسحت من على عيني. مكنش فيه مكان للضعف. بصيت للظابط وقلت له: “هما دول يا فندم.. هما دول اللي شرعوا في ق*تل مراتي وابني وسرقوا دهبها وحبسوهم”.
العساكر هجموا عليهم وكلبشوا إيديهم. أمي وهي بتتجر على السلم، بصت لي بنظرة كلها غل وقالت: “مش هسامحك يا **مصطفى**.. غضبانة عليك ليوم الدين عشان حتة نسوان!”.
رديت عليها ودموعي نازلة من القهر: “أنتِ اللي مكنتيش أم يا **فاطمة**.. الأم مبتق*تلش ابن ابنها.. أنتِ وأختك هتعفنوا في السجن”.
المنطقة كلها عرفت الفضيحة، والجيران بقوا يبصوا لهم بقرف وهم بيتركبوا عربية الترحيلات بعد ما الكل عرف اللي عملوه في الست الوالدة طازة.
رجعت المستشفى وجسمي كله بيترعش. دخلت الرعاية المركزة. الدكتور طمني وقال إن **سليم** الصغير بدأ يستجيب للمحاليل وحرارته نزلت، لكن **رحمة** لسه حالتها الحرجة بسبب الإجهاد والجفاف والكسور الخفيفة اللي في ضلوعها نتيجة السحل.
قعدت تحت رجليها، مسكت إيدها المربوط فيها الخراطيم، وبكيت بحرقة عمري ما بكيتها في حياتي. بكيت على غبائي، وعلى ثقتي العمياء اللي كادت تنهي حياة أغلى ما أملك.
فتحت عينيها وبصت لي، النظرة دي مكنش فيها عتاب، كان فيها سؤال واحد مكسور ومخيف لسه بيدور في بالها وبالي عن اللي جاي..