حماتي أصرت إن فرش شقتي 1
حماتي أصرت إن فرش شقتي الجديدة يروح لبنتها لأنها “أولى بيه”… لكن يوم النقل، حصلت مفاجأة محدش كان عامل حسابها.
اسمي مروة.
ومتجوزة من أحمد بقالي سنتين.
ومن أول يوم جواز، وأنا بحاول أكسب رضا حماتي.
لكن مهما عملت، كان دايمًا في حد أهم مني.
بنتها.
أخت جوزي.
سمر.
سمر كانت متجوزة قبلي بسنة، وكل ما تحتاج حاجة تلاقي حماتي واقفة جنبها.
أما أنا…
فكنت دايمًا “استحملي”.
لحد ما ربنا كرمني أنا وأحمد واشترينا شقة جديدة.
شقة صغيرة.
بس كانت حلم عمرنا.
سنين من الشقا والتوفير.
وشهور وأنا ألف على معارض الأثاث وأختار كل قطعة بنفسي.
أوضة النوم.
الركنة.
السفرة.
حتى الستاير كنت مختاراها لون لون.
وكل يوم أدخل الشقة أبص حواليّا وأتخيل حياتي الجديدة فيها.
قبل النقل بأسبوع، حماتي جت تزورنا.
لفت في الشقة كلها.
وبعدين وقفت قدام غرفة النوم الجديدة وقالت:
“بصراحة الأوضة دي تليق على سمر أكتر.”
افتكرتها بتهزر.
فضحكت.
لكنها ما ضحكتش.
بالعكس.
بصتلي بجدية وقالت:
“ما هي أولى بيها منك.”
اتجمدت مكاني.
“يعني إيه؟”
قالت بكل هدوء:
“سمر داخلة على ظروف صعبة وجوزها شغله واقف… وإنتِ لسه صغيرة وهتعرفوا تجيبوا غيرها.”
بصيت لأحمد مستنية يرد.
لكنه سكت.
وساعتها عرفت إن المصيبة أكبر مما كنت متخيلة.
بعدها بيومين، حماتي جمعت العيلة كلها.
وأعلنت قدامهم:
“اتفقنا إن فرش مروة هيروح لسمر مؤقتًا.”
مؤقتًا!
وكأنها بتتكلم عن شنطة هدوم مش عن تعب وشقا سنين.
اعترضت.
زعلت.
اتخانقت.
لكن محدش سمعني.
حتى أحمد كان كل كلامه:
“خلاص يا مروة… كام شهر وخلاص.”
كام شهر؟
وأنا أقعد في شقة فاضية؟
وفي الآخر وافقت على حاجة واحدة بس.
إني أحضر يوم النقل بنفسي.
ويومها…
وصلت العربيات.
والعمال بدأوا يشيلوا العفش.
حماتي كانت واقفة مبتسمة.
وسمر فرحانة كأنها داخلة بيت جديد.
وأنا واقفة ساكتة.
لحد ما أول عامل فتح الدولاب الكبير علشان ينقله.
وفجأة…
وقف مكانه.
وقال بصوت عالي:
“يا جماعة… في حاجة هنا!”
الكل بص ناحيته.
حماتي قربت بسرعة.
وسمر جريت تشوف.
أما أنا…
فكنت عارفة بالضبط إيه اللي جوه.
لأن الحاجة اللي لقوها كانت آخر حاجة حماتي تتمنى حد من العيلة كلها يشوفها.
وفي لحظة…
وشها فقد لونه.
وسمر اتراجعت لورا.
والعيلة كلها اتسمرت مكانها وهي بتبص على الورق اللي وقع من الدولاب…
الورق اللي وقع من الدولاب مكانش مجرد ورق عادي، دي كانت دفاتر حسابات قديمة، ومعاها عقد بيع وشرا رسمي.
العامل شال الورق من أرضية الدولاب المخفية وناوله لأحمد اللي كان واقف مذهول. أحمد بدأ يقرا ببطء، وملامح وشه بدأت تتغير من الدهشة للصدمة الكاملة. حماتي حاولت تخطف الورق من إيده وهي بتزعق بصوت مرعوش:
“هات الورق ده يا أحمد! دي حاجات قديمة تخصني مفيش داعي للفضول ده!”
لكن أحمد بعد إيده عنها وبص للورق وبص لحماته وقال بصوت حاد لأول مرة:
“حاجات قديم إيه يا أمي؟ ده عقد بيع الشقة القديمة بتاعة أبويا الله يرحمه.. العقد اللي إنتِ قولتي لنا إنه ضاع، وقولتي إن الشقة اتمكنت منها الحكومة بسبب ديون قديمة!”
الصمت حل على المكان. سمر بدأت تفرك في إيدها بتوتر وبصت في الأرض. أحمد كمل قراية وبدأ صوته يعلى:
“مش بس كده.. دي دفاتر الحسابات اللي بتثبت إن الشقة اتباعت بمبلغ ضخم من سنتين.. والشيكات كلها متصرفة باسم سمر وجوزها! يعني الفلوس اللي سمر اشترت بيها أرض وبنت بيها بيتها الثاني، كانت فلوس ورثي أنا وأخواتي؟ وإنتِ جاية دلوقتي تقولي جوزها شغله واقف وعايزة تاخدي فرش بيتي وشقا عمري تديهولها؟”
حماتي اتراجعت خطوة لورا، ووشها بقى أبيض زي القماش. العيلة كلها بدأت تتوشوش، والعمال واقفين مش فاهمين حاجة بس حاسين بحجم المصيبة.
أنا كنت واقفة مربعة إيدي وببص لحماتي بثقة. السر اللي كنت مخبياه ومستنية الوقت المناسب عشان أواجهها بيه، ظهر في أكتر وقت هي كانت فاكرة إنها انتصرت فيه عليا. أنا اللي حطيت الورق ده في الدولاب ده بالذات قبل النقل بيوم، بعد ما لقيته بالصدفة في كرتونة قديمة كانت حماتي سيباها في شقتنا القديمة ونسيت تاخدها.
أحمد بص لأخته سمر وقالها بغضب وعينيه مليانة دموع:
“كنتي عارفة؟ كنتي عارفة إنك واخدة حقي وحق إخواتك وسايبانا بنحتاس وبنلف حولين نفسنا عشان نجيب تمن أوضة نوم؟”
سمر عيطت وقالت:
“والله يا أحمد أمي هي اللي قالت لي ملوش لزوم يعرفوا دلوقتي عشان أحمد لسه صغير ومش هيعرف يتصرف في الفلوس!”
حماتي حاولت تلم الموضوع وقربت من أحمد وقالتله:
“يا ابني اسمعني بس، كله عشان مصلحتكم، وأنا كنت هعوضك..”
أحمد قاطعها بزعيق هز الحيطة:
“تعوضيني بإيه؟ بأنك تاخدي فرش مراتي اللي طفحت الدم عشان تختاره وتديهولها؟”
التفت أحمد للعمال وقالهم بصوت قوي حاسم:
“نزلوا العفش ده كله مكانه.. مفيش حتة خشبة واحدة هتطلع من الشقة دي.”
حماتي بصتلي بنظرة كلها غل وكراهية، لأنها عرفت إن أنا اللي كشفت المستور، وقالتلي بصوت واطي:
“ماشي يا مروة.. طربقتي المعبد على دماغ الكل.. بس افتكري إنك مش هتعيشي مرتاحة بعد النهاردة.”
وفعلاً، العمال بدأوا يرجعوا الحاجه، وحماتي وبنتها مشيوا وهم بيجروا أذيال الخيبة والفضيحة قدام العيلة كلها. لكن الفرحة بتاعة رجوع العفش مكملتش.. لأن اللي حصل بعد ما العيلة مشيت والباب اتقفل علينا أنا وأحمد، كان بداية لكابوس جديد مكنتش متخيلاه..
بعد ما قفلنا الباب والكل مشي، الشقة هديت فجأة.. بس الهدوء ده كان أشبه بالهدوء اللي بيسبق العاصفة.
أنا كنت واقفة باصة للفرش وهو بيرجع مكانه، وفي قلبي إحساس غريب بين الانتصار وبين الخوف من اللي جاي. التفت لأحمد عشان أشوف ملامحه، لقيته قاعد على كرسي السفرة اللي لسه متغلف بالبلاستيك، وحاطط راسه بين إيديه وبيعيط بكسرة.. عمري ما شفته بالضعف ده قبل كده.
قربت منه وطبطبت على كتفه وقولتله:
“أحمد.. أنا أسفة إن الموضوع جه بالشكل ده، بس كان لازم تعرف الحقيقة.”
أحمد رفع راسه، وبصلي بنظرة غريبة عمري ما شفتها في عينيه.. مكنتش نظرة شكر، كانت نظرة عتاب شديدة، ممزوجة بوجع وصدمة. قام وقف وقال بصوت مخنوق:
“أنتِ كنتِ عارفة من إمتى يا مروة؟”
سكت ومردتش، فكرر سؤاله بزعيق هز الشقة الفاضية:
“كنتِ عارفة من إمتى؟! وليه سيبتيني عايش في الكدبة دي؟ ليه سيبتي أمي تصغر وتتفضح قدام العيلة والعمال والغريب والقريب؟ لو كنتِ جيتي قولتلي بيني وبينك، مكنش كل ده حصل!”
اتصدمت من رد فعله، وقولتله بدافع عن نفسي:
“أنا لسه لاقية الورق ده من كام يوم بس في الكرتونة القديمة! ومكنتش هقولك في الوقت ده.. بس أمك هي اللي اضطرتني! أمك كانت عايزة تاخد شقايا وتديه لبنتها اللي واكلة حقك أصلاً! كنت عايزني أعمل إيه؟ أسيبها تسرقني وتسرقك تاني؟”
أحمد مسح دموعه بعصبية وقال:
“دي أمي يا مروة! أمي مهما عملت! أنتِ منقذتيش حقي.. أنتِ انتقمتِ لنفسك ولعفشك وحرقتي قلبي على أهلي قدام الناس كلها! أنتِ حطيتي الورق في الدولاب وعارفة إن العمال هيلاقوه.. خططتِ لكل حاجة عشان تكسري كبريائها!”
الكلام نزل عليا زي المية الساقعة. الراجل اللي وقفت وحاربت عشان مصلحته وعشان بيتنا، شايفني دلوقتي مجرمة وخطافة لقطة، وناسي إن أمه وأخته عاشوا سنين مغفلينه ومضيعين مستقبله.
سابني في الصالة ودخل الأوضة وقفل الباب وراه بعنف.
عدى يومين، والوضع في البيت كان أشبه بالحرب الباردة. أحمد مبيكلمنيش، وبيرجع من بره ينام في الأوضة التانية. وفي اليوم الثالث، تليفونه رن وهو في الحمام.. وبدون قصد مني بصيت على الشاشة، لقيت اسم سمر أخته.
فتحت الخط من غير ما أتكلم، وسمعت صوت سمر وهي بتعيط وبتصرخ وتقول:
“الحقنا يا أحمد.. أمي تعبت وجالها جلطة من يوم النقل ومحجوزة في المستشفى، والدكاترة بيقولوا حالتها خطيرة.. وكل ده بسبب الحرباية اللي أنت متجوزها! أمي بتموت يا أحمد بسبتكم!”
في اللحظة دي أحمد طلع من الحمام وخطف التليفون من إيدي وهو سامع باقي صراخ أخته.. بصلي بنظرة كلها غضب أعمى، ونزل جري من الشقة وسابني لوحدي.
مرت ساعات طويلة وأنا قاعدة على أعصابي، مش عارفة إيه اللي بيحصل، لحد ما الساعة بقت ٢ بالليل. الباب اتفتح، ودخل أحمد.. بس مكنش لوحده.
كانت سمر معاه، وشايلين شنط هدومها، وأحمد باصصلي وعينيه حمرا من الغضب وقال بنبرة حاسمة ومفيهاش أي تراجع:
“أمي في العناية المركزة بين الحياة والموت.. وبيت سمر اتقفل لأن جوزها سابها وطلقها بعد الفضيحة اللي عملتيها في العيلة.. سمر هتعيش هنا في الشقة دي، وفي الأوضة اللي كانت عايزاها.. ولو مش عاجبك يا مروة، الباب يفوت جمل!”