حكايات اسما السيد 3
الفصل الخامس
إيديا بردت أول ما شفت الرسالة.
بصيت للشاشة كأني خايفة ألمسها.
اللِينك كان قدامي…
مجرد ضغطة واحدة.
لكن جوايا إحساس مرعب إن حياتي بعدها مش هترجع زي الأول.
آدم قرب فورًا:
— ماتفتحيش أي حاجة غريبة.
أمي كانت مركزة في الشاشة بطريقة غريبة.
كأنها بتفكر أسرع مننا كلنا.
قالت بهدوء:
— ابعت اللينك لآدم الأول.
آدم فتحه من موبايله بحذر.
ثواني…
وشه اتغيّر.
شهق بصوت مكتوم:
— يا نهار أبيض.
قلبي وقع.
— إيه؟!
بصلي بتردد.
واضح إنه مش عارف يوريني ولا لأ.
صرخت:
— آدم اتكلم!
بلع ريقه…
وبعدين لف الموبايل ناحيتي.
كان فيديو قديم.
واضح إنه متصور من كاميرا بيت.
التاريخ فوق:
2011.
الصورة مهزوزة شوية…
بس الناس باينين.
وش سهير.
أصغر شوية.
لكن نفس النظرة.
نفس السيطرة.
وكان فيه راجل واقف قدامها.
راجل طويل، شعره فيه شوية أبيض، وشه مرهق بشكل غريب.
أبو كريم.
عمري ما شفته قبل كده.
كريم كان دايمًا يقول إن أبوه “سافر برّه واستقر”.
الفيديو بدأ بصوت عالي وخناق.
أبو كريم كان بيزعق:
— إنتِ بوظتي حياة الواد!
سهير ردت بصراخ:
— ابني مش هيسيـبني علشان واحدة شمال!
قلبي اتقبض.
كان فيه شاب واقف بعيد…
كريم.
صغير شوية.
بس هو.
وشه مذعور.
واقف بينهم ومش بيتكلم.
أبوه أشار عليه بغضب:
— فوق يا كريم! دي أمك مريضة!
شهقت.
أما سهير…
فاتجننت.
هجمت على الراجل وهي بتصرخ:
— أنا اللي ربيته! أنا اللي ضحيت عشانه! محدش هياخده مني!
الصوت كان مرعب.
مش غيرة أم عادية.
كان هوس.
الفيديو اتشوش لحظة…
وبعدين ظهر أبو كريم وهو بيقول الجملة اللي جمدت الدم في عروقي:
— إنتِ مش عايزة ابنك يتجوز علشان محدش يقرب منك… إنتِ محتاجة دكتور!
سهير ضربته.
بكل قوتها.
والكاميرا وقعت.
الفيديو وقف.
الصمت اللي حصل في الصالة بعدها كان خانق.
أنا حرفيًا كنت سامعة صوت نفسي.
أمي قعدت ببطء على الكرسي.
وقالت:
— يا ساتر يا رب.
أما أنا…
فكنت حاسة بغثيان.
لأن كل حاجة بدأت تركب فوق بعضها.
سلمي.
الدبلة.
التحكم.
النظرات.
الخناقات.
وأسوأ حاجة؟
إن كريم كان عارف.
عارف إن أمه عندها مشكلة.
بس اختار ينكر.
آدم قال بعصبية:
— الواد ده محتاج علاج نفسي هو كمان.
بس أنا ماكنتش سامعاه كامل.
كنت مركزة في لحظة واحدة بالفيديو.
لما أبوه قال:
“فوق يا كريم.”
يعني أبوه حاول.
حاول ينقذه.
وكريم اختار يبقى مكانه.
فجأة موبايلي رن.
كريم.
بصينا كلنا للشاشة.
أمي قالت:
— ماترديش.
بس رديت.
كان لازم أسمع صوته بعد اللي شفته.
أول ما فتح الخط قال بسرعة:
— سارة… بالله عليكِ أي حاجة توصلك ماتصدقيهاش.
قلبي دق بعنف.
— متأخر أوي يا كريم.
سكت ثانية.
واضح إنه فهم.
صوته نزل:
— شوفتي الفيديو؟
غمضت عيني.
— يعني حقيقي.
اتنهد بصوت متكسر.
— الموضوع مش زي ما باين.
ضحكت بصدمة.
— أمك بتضرب أبوك علشان قال إنها مهووسة بيك… ومش زي ما باين؟!
صوته علي:
— ماتتكلميش عن أمي كده!
والله…
حتى بعد كل ده.
حتى بعد الفيديو.
لسه أولويته يحميها.
دموعي نزلت وأنا بضحك بوجع.
— إنت مش شايف؟ مش شايف إن ده مش طبيعي؟!
سكت.
وبعدين قال بصوت واطي جدًا:
— هي تعبت عشاني طول عمرها.
صرخت:
— مش معنى إنها أمك إنها تملكك يا كريم!
الصمت اللي بعد الجملة دي كان طويل.
لحد ما قال:
— أنا بحبك.
قفلت عيني بقهر.
— الحب مش كفاية.
ولأول مرة…
سمعته يعيط.
صوت مكتوم.
راجل مكسور.
— ماتسبينيش لوحدي معاها.
الجملة شقت قلبي نصين.
لأن فجأة…
شفت الحقيقة كاملة.
كريم مش بس تابع لأمه.
كريم أسير.
طول عمره عايش تحت سيطرتها لدرجة إنه فقد القدرة يبقى راجل مستقل.
ولثانية…
ضعفت.
جزء مني كان عايز ينقذه.
لكن أمي خدت الموبايل من إيدي وقفلت المكالمة.
وقالت بحزم:
— أوعي تخلطي بين الحب والشفقة.
الكلمة صحّتني.
لأن فعلًا…
أنا بدأت أحس بالشفقة عليه.
بس الشفقة عمرها ما تبني جواز.
قعدت على الكنبة ودماغي بتلف.
وفجأة…
افتكرت حاجة.
بصيت لأمي بسرعة:
— هو ليه أبوه سابه فعلًا؟
أمي قالت:
— واضح إنه ماقدرش يعيش معاها.
بس جوايا إحساس إن في حاجة أكبر.
وفي اللحظة دي…
وصلت رسالة جديدة.
من نفس الرقم المجهول.
“أبوه ما سابهمش بإرادته.”
اتجمدت.
الرسالة كملت:
“سهير طردته بعد ما حاول ياخد كريم بعيد عنها.”
قلبي بدأ يدق بعنف.
يا نهار أبيض.
يعني الموضوع أعمق بكتير.
كتبت بسرعة:
“إنت مين؟”
الرد جه بعد دقيقة:
“حد شاف الجحيم ده من جوه.”
القشعريرة مشت في جسمي.
وقبل ما ألحق أكتب تاني…
وصلت صورة.
فتحتها.
وشه اتجمد.
كانت صورة قديمة جدًا.
كريم طفل.
عنده تقريبًا ١٠ سنين.
نايم على الكنبة…
وحاضن سهير بطريقة غريبة.
مش حضن أم وابن طبيعي.
كان متعلق فيها بشكل مرضي.
أما هي…
فباصة للكاميرا بابتسامة انتصار.
قفلت الصورة فورًا.
أمي شهقت لما شافتها.
— دي ست محتاجة علاج.
أنا حرفيًا كنت مرعوبة.
لأن فجأة فهمت ليه سهير كانت بتبصلي كأني سارقة حاجة منها.
هي فعلًا شايفاني بسرق “راجلها”.
آدم قال:
— لازم نبلك الرقم ده.
بس أنا كنت محتاجة أفهم.
كتبت:
“إنت تعرف كريم شخصيًا؟”
الرد:
“أكتر مما تتخيلي.”
وفجأة…
مكالمة فيديو جت من الرقم نفسه.
كلنا اتوترنا.
أمي قالت:
— افتحي وإحنا جنبك.
رديت ببطء.
الشاشة كانت سودة ثواني…
وبعدين ظهر وش راجل كبير.
شعره أبيض.
مرهق.
لكن ملامحه شبه كريم بشكل يخض.
شهقت.
هو.
أبو كريم.
صوتي خرج هامس:
— حضرتك…
هز راسه بتعب.
— أنا حسين… أبو كريم.
الصالة كلها سكتت.
حتى النفس بقى تقيل.
قال بهدوء موجوع:
— آسف إنك عرفتي الحقيقة بالطريقة دي.
أنا كنت حرفيًا مش قادرة أتكلم.
سألته:
— ليه سيبت ابنك؟
الراجل غمض عينيه ثواني…
كأنه بيستجمع وجع سنين.
وبعدين قال:
— ما سبتوش… اتاخد مني.
القشعريرة ضربت جسمي.
حكى بصوت مكسور:
— أم كريم كانت بتحبه بشكل مخيف من وهو صغير.
في الأول كنت فاكرها أم متعلقة بابنها.
لكن بعد شوية… بدأت تمنع أي حد يقرب منه.
أصحابه.
قرايبه.
حتى أنا.
أمي كانت سامعة بتركيز شديد.
أما أنا…
فكنت حاسة إني بسمع قصة رعب.
قال حسين:
— أول مرة فهمت إن في مشكلة حقيقية…
لما كريم كان عنده ١٤ سنة.
ورفض يروح رحلة المدرسة علشان أمه كانت بتعيط وتقول إنها مش هتعرف تنام من غيره.
شهقت.
كمل:
— وبعدها بدأت تدمر أي علاقة يدخلها.
أي بنت يكلمها… تعمل مشاكل.
تتصل بيه تعيط.
تمرض فجأة.
تعمل نفسها هتموت.
نفسي بقى تقيل.
كل ده مألوف بشكل مرعب.
حسين بصلي مباشرة وقال:
— أنا حاولت آخده وامشي.
والله حاولت.
بس كريم كان اتبرمج خلاص إنها ضحيته الوحيدة.
الدموع لمعت في عينيه.
— وفي الآخر… خيرته بيني وبينها.
فاختارها.
الصمت قت*لني.
لأن دي كانت نفس اللحظة اللي حصلت معايا.
ولسه بيختارها.
قلت بصوت مكسور:
— يعني مفيش أمل؟
حسين سكت طويل…
وبعدين قال أخطر جملة:
— طول ما هو شايف مرضها حب… مفيش.
دموعي نزلت بصمت.
الراجل كمل:
— اسمعيني يا بنتي…
أنا شوفت في الفيديو نظرتك النهاردة.
دي كانت نفس نظرة سلمي.
ونفس نظرة اللي قبلها.
شهقت.
— اللي قبلها؟
هز راسه بحزن.
— كان في غيركم.
يا نهار أبيض.
يعني سهير بقالها سنين تدمر أي جوازة لابنها.
قال:
— أول واحدة سابت البلد كلها بعد اللي عملته فيها سهير.
جسمي كله برد.
أمي همست:
— ربنا سترها معاكي بدري.
حسين قال بهدوء:
— كريم مش وحش يا سارة…
بس الوجع اللي عاش فيه خلاه مش قادر يبقى زوج.
هو لسه ابن بس.
الجملة كسرت قلبي.
لأنها حقيقية.
وفجأة…
سمعنا صوت تكسير في الشارع تحت البيت.
آدم جرى للبلكونة.
وبص بصدمة:
— يا نهار أسود.
جريت ناحيته.
ولما بصيت تحت…
لقيت سهير واقفة في الشارع.
بتصرخ بشكل هستيري.
وكريم بيحاول يمسكها.
أما هي…
فكانت رامية صور الفرح على الأرض وبتدوس عليها برجليها وهي بتزعق:
— لو مش ليا… مش هيبقى لحد!
وساعتها…
عرفت إن الكابوس لسه في أوله.
يتبع
سهير كانت واقفة تحت البيت وشعرها مفكوك بطريقة مخيفة، والكحل سايح حوالين عينيها وهي بتدوس على صور الفرح بكعبها كأنها بتنتقم من حد ق*تلها، مش مجرد جوازة باظت. الناس اتلمت حوالينها بسرعة، والبلكونات اتفتحت، وكل دقيقة كان الفضول بيزيد أكتر. أما كريم… فكان بيحاول يمسك إيديها وهي بتزقه بعنف وتصرخ: — قولتلهم إيه؟! قولتلهم إيه عني يا حسين؟! صوتها كان طالع بشكل هستيري لدرجة إني حسيت جلدي قشعر. حسين على مكالمة الفيديو سكت أول ما سمع صوتها، وبعدين غمض عينيه بتعب وقال: — أهي دي الحقيقة اللي كنت خايف تشوفيها. قلبي كان بيدق بجنون وأنا ببص من البلكونة. كريم رفع وشه فجأة وشافني واقفة فوق. النظرة اللي في عينيه كانت خليط بين الرعب والرجاء والانكسار. للحظة… قلبي وجعني عليه. فعلًا وجعني. لأنه كان باين عليه تايه. ولد كبير محبوس بين أم مريضة وست كان نفسه يحبها بشكل طبيعي لكنه ماعرفش. سهير شافت إنه بيبصلي، فلفت بسرعة ناحية البلكونة، وأول ما شافتني اتبدلت ملامحها بالكامل. الكراهية اللي في عينيها خلتني أرجع خطوة لورا غصب عني. رفعت إيدها ناحيتي وهي بتصرخ: — إنتِ! إنتِ السبب! إنتِ اللي خربتي ابني! أمي شدتني بعيد عن البلكونة فورًا، لكني كنت لسه سامعة صوتها تحت وهي تعيط وتزعق بطريقة مرعبة. حسين قال من الموبايل بصوت هادي: — اقفلي الشبابيك ومتردوش عليها. دي لما تدخل الحالة دي ما بتبقاش شايفة قدامها. آدم بصله بغضب: — وإنت سايبها كده كل السنين دي؟ حسين سكت ثواني طويلة، وبعدين قال بجملة كسرتني: — لأن ابني كان كل مرة يختارها… وأنا كنت بخسره أكتر. بعدها المكالمة اتقفلت، والصالة فضلت ساكتة إلا من صوت سهير اللي لسه طالع من تحت. وبعد حوالي نص ساعة، أخيرًا كريم قدر يدخلها العربية بالعافية ومشي. بس قبل ما العربية تتحرك، سهير نزلت الإزاز وبصت لفوق ناحية شقتنا وهي بتقول بصوت عالي: — هترجعولي! ابني عمره ما هيعيش من غيري! واللي هياخده مني… هدمره! العربية اتحركت بعدها، لكن صوتها فضل عالق في وداني. الليلة دي محدش فينا نام. أمي كانت قاعدة جنبي طول الوقت، وآدم رايح جاي بعصبية، أما أنا فكنت قاعدة في نص السرير بفستان البيت، حضني مضموم حوالين نفسي، وبحاول أفهم إزاي حياتي اتقلبت للكابوس ده في كام يوم. وقت الفجر تقريبًا، موبايلي رن. كريم. بصيت للشاشة كتير قبل ما أرد. أول ما فتحت الخط، سمعت نفسه متقطع كأنه كان بيجري. قال بصوت مبحوح: — سارة… أنا آسف. سكت. قال بسرعة كأنه خايف أقفل: — أمي تعبت. جالها انهيار عصبي. غمضت عيني بتعب. حتى دلوقتي… بيرجع لأمه أول حاجة. قلت بهدوء: — ربنا يشفيها. سكت ثانية، وبعدين قال: — ممكن أشوفك؟ قلبي وجعني فورًا. لأن رغم كل حاجة… كنت لسه بحبه. ودي كانت أسوأ حقيقة. قلت بصعوبة: — ليه؟ علشان نعيد نفس الكلام؟ صوته اتكسر: — علشان أقولك إني تعبت. الجملة خلتني أفتح عيني. لأول مرة… ماكانش بيتكلم عن أمه. كان بيتكلم عن نفسه. قال بصوت واطي: — أنا طول عمري بخاف أزعلها. طول عمري حاسس إني مسؤول عنها. لو بعدت شوية تعيط، تمرض، تكسر الدنيا… وأنا أرجع أجري عليها. حسيت دموعي بتنزل بهدوء. لأن كلامه طلع من مكان موجوع بجد. كمل: — بس لما شفتك النهاردة… عرفت إني خسرتك أنا كمان. همست بتعب: — أنت خسرت نفسك الأول يا كريم. سكت. وبعدها قال الجملة اللي عمري ما هنساها: — أنا مش عارف أكون راجل طبيعي يا سارة. قلبي اتقبض بقوة. لأنه أخيرًا اعترف. أخيرًا شاف الحقيقة اللي الكل شايفها. لكنه كمل بعدها: — بس أوعدك هتغير. وهنا… عرفت إن النهاية قربت. لأن الناس ما بتتغيرش بكلمة بعد سنين مرض. قلت بصوت كله وجع: — التغيير مش علشاني يا كريم. لازم يكون علشان نفسك. اتنهد، وبعدين قال: — يعني انتهينا؟ السؤال نزل على قلبي كأنه سكينة. لأن رغم كل شيء… كنت أتمنى يقول حاجة تخلي كل ده يختفي. لكن مفيش معجزة. مفيش حب يقدر يعيش وسط العلاقة المريضة دي. دموعي نزلت وأنا بقول: — أيوه يا كريم… انتهينا. سمعته بيعيط فعلًا المرة دي. مش بصوت عالي. العياط المكتوم بتاع الراجل اللي أخيرًا فهم حجم الخراب. وبعد ثواني… قفل السكة. قعدت أبص للموبايل بعدها طويل. وأمي كانت واقفة عند الباب سامعة كل حاجة. قربت مني بهدوء وقعدت جنبي وقالت: — موجوع؟ هزيت راسي وأنا بعيط. حضنتني وقالت: — الوجع اللي ينقذك… نعمة. عدّى أسبوع بعد اللي حصل. الفيديوهات فضلت منتشرة، والناس كلها بتحكي عن “العريس اللي شال أمه بدل عروسته”. بعضهم كان بيتريق، وبعضهم متعاطف، وبعضهم حوّل القصة لنكتة. وأنا في البداية كنت بموت من الإحراج. ماكنتش قادرة أفتح السوشيال ميديا، ولا أرد على حد. لكن بالتدريج… بدأت أحس بحاجة غريبة. راحة. آه، كنت موجوعة. بس مرتاحة إني ما دخلتش البيت ده. مرتاحة إني مشيت بدري. وفي يوم، وأنا قاعدة مع أمي في الصالة نشرب شاي، الباب خبط. آدم فتح… واتجمد مكانه. دخل ببطء وقال: — في حد عايز يشوفك. قلبي اتقبض فورًا. افتكرت سهير. لكن اللي دخل كان حسين. أبو كريم. كان شكله أهدى من أول مرة شوفته فيها، لكن التعب محفور في وشه. وقف قدامي وقال بهدوء: — آسف لو جيت من غير معاد. أمي رحبت بيه بحذر، وقعد. فضل ساكت شوية كأنه بيجمع كلامه، وبعدين مدلي ظرف صغير. أخدته باستغراب. فتحته… ولقيت جواه صور. صور قديمة لكريم وهو صغير. مع أبوه. بيضحك. طبيعي. سعيد. حسين قال بصوت حزين: — قبل ما تضيع حياته. قلبي وجعني. قال: — أنا جيت علشان أقولك حاجة مهمة… متكرهيهوش. بصيتله بدهشة. كمل: — ابني ضحية زي ما إنتِ ضحية. الفرق إنك عرفتي تهربي. أما هو… فاتربى جوه السجن لدرجة بقى فاكره بيت. دموعي نزلت من غير ما أحس. حسين قام ببطء وقال: — يمكن يوم يقدر يتعالج… ويمكن لأ. بس القرار لازم ييجي منه هو. وقبل ما يمشي، وقف عند الباب وقال: — على فكرة… النهاردة أول يوم كريم يسيب أمه ويروح جلسة علاج نفسي. اتجمدت. بصيتله بصدمة. ابتسم بحزن: — شكلك لما سيبتيه… فوقه أخيرًا. ومشي. قعدت مكاني بعدها وأنا حاسة بمشاعر متلخبطة بشكل مرعب. فرحت إنه أخيرًا طلب المساعدة. ووجعت عليه. لكن في نفس الوقت… كنت عارفة إن دوري انتهى. أنا ماكنتش المنقذة. ولا العلاج. أنا كنت الصفعة اللي صحته. وبعد شهور، بدأت حياتي ترجع بالتدريج. رجعت شغلي. خرجت مع صحابي. بقيت أضحك تاني. وأول مرة أبص للمراية من غير ما أشوف البنت المكسورة اللي واقفة بفستان فرحها لوحدها. وفي يوم، كنت ماشية مع أمي في مول، لما فجأة شفت حد واقف بعيد بيبصلي. كريم. كان أهدى. أضعف شوية. لكنه مختلف. ولأول مرة… كان لوحده. عيوننا اتقابلت ثواني طويلة. قرب بهدوء. قلبي دق… لكن مش بنفس الطريقة القديمة. وقف قدامي وقال بابتسامة خفيفة متعبة: — عاملة إيه؟ قلت بهدوء: — كويسة. هز راسه. وبعدين قال: — كنتِ عندك حق. سكتنا شوية. بعدها قال: — أنا آسف إني ما عرفتش أحبك بالطريقة اللي تستحقيها. دموعي لمعت، لكني ابتسمت. — وأنا آسفة إني حاولت أصلح حاجة مكسورة من زمان. ابتسم بحزن. ولأول مرة… ما حسيتش إنه بيشدني ناحيته. حسيت بس بالسلام. السلام اللي بييجي بعد النجاة. قبل ما يمشي، قال: — أمي اتعالجت شوية… ولسه الطريق طويل. هزيت راسي. — المهم إنك بدأت تمشيه. بصلي آخر نظرة… ومشي. وأنا واقفة مكاني أدركت أخيرًا إن بعض الناس مش بيبقوا حب حياتنا… بيبقوا الدرس اللي ينقذ حياتنا. واليوم اللي حسّيت فيه إني اتهنت قدام العالم كله… كان في الحقيقة اليوم اللي ربنا أنقذني فيه من عمر كامل من الذل.:::
تمت
