اهل جوزي حكايات رومانى مكرم 2
## الجزء الثالث
خرجت من قاعة المحكمة وأنا حاسة إن جبل كان شايل على نفسي وانزاح. ريم كانت ماسكة في إيدي ودموعها مش راضية تقف، بس المرة دي كانت دموع راحة ونصرة. المحامي بتاعها قرب مننا وقال وعلامات الذهول والإعجاب على وشه: “المنظر اللي حصل جوه ده تاريخي يا مدام مها.. إنتِ مش بس أنقذتي ريم، إنتِ دمّرتي الترتيب اللي بقالهم شهور بيخططوا له. جوزك وسلفك دلوقتي هيتعرضوا على النيابة بتهمة التحريض على الشهادة الزور والبلاغ الكاذب، وده غير قضية التحرش اللي هتترفع على جوزك برسايله وصوته.”
شكرت المحامي، وبصيت لريم وقولتلها: “أنا لازم أمشي يا ريم.. لازم ألحق أخرج من البيت ده قبل ما حماتي تفوق من الصدمة وترجع.” ريم حبت تيجي معايا بس رفضت وقولتلها: “لا، خليكي مع أهلك ومحاميكي، أنا هعرف أتصرف.”
ركبت تاكسي ورجعت على الشقة. طول الطريق وأنا ببص من الشباك والأسئلة بتاكل عقلي.. إزاي عشت السنين دي كلها مع إنسان بالبشاعة دي؟ إزاي كنت مأمنة لواحد خاين، ومخادع، ومستعد يرمي محصنات بالباطل علشان يداري قذارته؟
وصلت البيت، فتحت الباب وكنت بنهج من السرعة. دخلت أوضتي، طلعت الشنط الكبيرة وبدأت ألم هدومي، حاجتي، دهبي، وكل ورقة تخصني. وأنا بلم الهدوم، سمعت خبط رزع على باب الشقة.. خبط جنوني يهد حيطة.
قلبي دق برعب، بس جمدت نفسي ورحت بصيت من العين السحرية. لقيتها حماتي.. وشها كان أحمر وعينها طالع منها شرار، ومعاها ابنها التالت (سلفي الصغير).
فتحت الباب وأنا واقفة في النص ومنعتهم يدخلوا. حماتي أول ما شافتني صرخت بأعلى صوتها والعماري كلها سمعت: “يا خربابة البيوت! يا فاجرة! بقى تبيعي جوزك وأهله عشان واحدة غريبة؟! حبستي عيالي يا مها؟ والله ما هسيبك!”
جت تهجم عليا، بس سحبت نفسي لورا وقولت بصوت قوي وثابت زلزل السلم: “لمي إيدك يا حماتي! عيالك المحترمين محبوسين بتهمة التزوير والشهادة الزور.. والتحرش بمرات أخوه! ابنك الكبير كان عاجبه إن مراته تتظلم، وابنك التاني -اللي هو جوزي- كان بيميل على مرات أخوه ولما اتصد عمل اللعبة دي.. إنتوا بيت مبني على الغش والظلم، وأنا مش هقعد فيه دقيقة واحدة!”
سلفي الصغير اتقدم وهو بيبرق وقال: “إنتِ هتعملي فيها شريفة؟ مش هتخرجي من هنا بحاجة، والشقة دي مش هتاخدي منها قشاية!”
طلعت موبايلي وقولتله وأنا بوجهه في وشه: “الموبايل ده لايف دلوقتي مع المحامي بتاعي، وأي مد إيد أو منع ليا إني أخد حاجتي وقايمتي، هتبقى قضية تبديد وسرقة تضاف للقضايا اللي فوق. أنا لامة هدومي ودهبي بس دلوقتي، والقايمة هتيجي تتاخد بالمليم وبقوة القانون وفي حضور محضر.. وسع من وشي أنت وهي!”
منظري وثقتي خلوهم يتراجعوا خطوة ورا.. الخوف دخل قلوبهم لأنهم عرفوا إني مابقتش “مها الغلبانة” اللي بتمشي وراهم. سحبت شنطي وخرجت من الشقة بكل كبرياء، نزلت السلم وأنا سامعة دعوات حماتي وصريخها ورايا، بس الكلمات مكنتش بتلمسني.. كانت بتقع تحت رجلي.
أول ما وصلت بيت أهلي، وفتحت الباب لأمي وأبويا، ارتميت في حضنهم وانفجرت في العياط. حكيتلهم كل حاجة من طقاطق للسلام عليكم. أبويا وقف وقال وعينه مليانة دموع وغضب: “راجل يا بنتي.. بنت أصول ومتربية، ومفيش كلب من دول يقدر يمس شعرة منك بعد النهاردة، واليوم اللي نصرتي فيه مظلومة، ربنا هينصرك فيه وهيرجعلك حقك تالت ومتلت.”
عدى يومين، وفي اليوم الثالث، وأنا قاعدة مع أمي، موبايلي رن.. كان المحامي بتاعي.
رديت بسرعة: “خير يا أستاذ؟”
المحامي قال بنبرة فيها مفاجأة: “مدام مها.. جوزك بعت لي المحامي بتاعه من الحجز، وطلبوا يعرضوا عليكي عرض.. بس العرض ده وراه سر كبير هما خايفين يتكشف لو القضية كبرت!”
مسكت الموبايل جامد وقولت: “سر إيه؟ وعرض إيه؟”
المحامي سكت شوية وبعدين قال الجملة اللي خلفت حساباتي كلها: “جوزك مستعد يطلقك غيابي، ويمضيلك على وصولات باستلام القايمة والمؤخر كاملين من غير ما تدخلي محاكم.. بشرط واحد؛ إنك تتنازلي عن التسجيلات الأصيلة اللي معاكي، لأن المحامي بتاعهم اكتشف إن التسجيلات دي فيها صوت حد تاني خالص من العيلة وهو بيخطط للموضوع كله.. حد لو اسمه اتذكر في القضية، العيلة دي كلها هتدخل السجن مش بس جوزك وأخوه!”
تنحت ومبقتش عارفة أرد.. مين الطرف الثالث المستخبي ورا الستار؟ وفجأة رن جرس الباب.. ولما أبويا فتح، كانت الصدمة واقفة على العتبة!
## الجزء الرابع
أبويا فتح الباب، وأنا قمت وراه والفضول والرعب بياكلوا قلبي. أول ما الباب فتح بالكامل، لقيت زوجة سلفي الصغير (أميرة).. كانت واقفة ووشها باهت، ودموعها مغرقة عينيها، ولابسة عباية سمرة وشكلها متبهدل على الآخر.
أبويا بص لها باستغراب وقال: “مين حضرتك يا بنتي؟ وعايزة مين؟”
أميرة بصت لي وقالت بصوت مكسور ومخنوق: “أنا أميرة يا مها.. سلفتك. أبوس إيدك خليني أدخل، أنا جاية لك ومستقبلي ومستقبل عيالي في إيدك إنتِ!”
أبويا بصلي، فهزيت راسي بمعنى “دخلها”. دخلت أميرة الصالون، وكانت بتترعش بطريقة غريبة. قعدت على طرف الكرسي، وأنا وقفت قدامها ومربعة إيدي وقولت بجفاء: “خير يا أميرة؟ إيه اللي جابك هنا؟ وليه بتقولي إن مستقبلك في إيدي؟”
أميرة انفجرت في العياط، ونزلت تحت رجلي ومسكت في عبايتي وهي بتقول: “سامحيني يا مها.. أنا اللي في التسجيلات! أنا الطرف الثالث اللي المحامي قالك عليه!”
حسيت كأن صاعقة ضربتني. رجعت خطوة لورا وقولت بذهول: “إنتِ؟! إنتِ اللي بتخططي مع جوزي وحماتي عشان تظلموا ريم؟!”
أميرة رفعت راسها وهي بتعيط بحرقة: “والله العظيم أنا كنت مجبرة! حماتك وسلفك الكبير هما اللي ماسكين عليا ذلة.. من سنتين، قبل ما أتجوز سلفك الصغير، كنت بمر بظروف صعبة وغلطت غلطة كبيرة، وحماتك عرفت وشالت ورق يثبت الغلطة دي معاها، وكانت بتذلني بيه كل يوم. لما ريم بدأت تقف لحماتك وتدافع عن حقها، حماتك قررت تخلص منها، وجوزك استغل الفرصة عشان ينتقم من ريم اللي رفضته.. وحماتك أجبرتني أنا اللي أكلم المحامي وأرتب معاه الكلام، وأنا اللي اقترحت اسمك عشان تشهدي لأنهم عارفين إنك طيبة وهتخافي من كلامهم!”
جسمي كله كان بيترعش وأنا بسمعها. بصيت لها بقرف وقولت: “وعلشان تحمي نفسك، تروحي تديري مؤامرة وتدِمري شرف واحدة تانية مأذتكيش في حاجة؟! وتجريني معاكي لشهادة زور تدخلي جهنم؟!”
أميرة بكت وقالت: “أنا عارفة إني واطية وغلطت.. بس المحامي بتاعهم قالي إن المحكمة لو فرغت الشريط والتسجيلات اللي معاكي، صوتي هيتجاب، وساعتها جوزي هيطلقني وحماتك هتنشر الورق اللي معاها ويضيع مستقبلي ومستقبل عيالي.. هما وافقوا يدولك كل حقوقك؛ القايمة والمؤخر والطلاق، بس تتنازلي عن القضية والتسجيلات ومتسلميش النسخة الأصلية للنيابة، أرجوكي يا مها.. وافقي وخذي حقوقك واستريني!”
أبويا اتدخل في اللحظة دي وقال بحزم: “اخرجي بره يا بنتي.. بنتي مش هتتستر على مجرمين، والحق لازم يبان كله.”
أميرة فضلت تترجاني وتعيط لحد ما أبويا خرجها وقفل الباب.
قعدت على الكنبة وأنا دماغي بتلف. لو وافقت على العرض، هاخد حقي كامل ورأسي مرفوعة ومن غير محاكم ومحاضر تبهدلني لسنين.. بس في نفس الوقت، المجرمين دول هيفلتوا من العقاب الجنائي، وأميرة اللي شاركت في ظلم ريم هتفضل برة. ولو رفضت، هدخل في معركة طويلة في المحاكم، بس هجيب حق ريم وحقي تالت ومتلت من العيلة دي كلها.
قررت مأخدش القرار لوحدي. اتصلت بريم وحكيت لها كل اللي حصل بالحرف، وقولت لها: “يا ريم.. أميرة جاتلي، والعرض كذا كذا.. أنا مش هتحرك خطوة ولا هقبل العرض ده إلا لو إنتِ وافقتي، لأن شرفك وظلمك هما الأساس.”
ريم سكتت على الناحية التانية من الخط لفترة طويلة، وكنت سامعة صوت أنفاسها المخنوقة. بعدين قالت بنبرة غريبة فاجأتني: “مها.. وافقي على العرض!”
قولت باستغراب: “أوافق؟! يعني هنسيبهم يخرجوا منها؟ وأميرة تفلت؟”
ريم ضحكت بوجع وقالت: “هما مش هيخرجوا منها يا مها.. وافقي خدي قايمتك وحقوقك كاملة وورقة طلاقك في إيدك برضاهم، واشترطي إن حماتك تسلم أميرة الورق اللي بتذلها بيه قدام عينك.. ده حقك وحقي إننا نخلص من الكابوس ده بأقل خسائر، بس إنتِ فاكرة إن العيلة دي هتنظف بعد اللي حصل؟”
سألتها: “تقصدي إيه؟”
ريم قالت بصوت غامض: “جوزي وأخوه محبوسين دلوقتي على ذمة التحريات، والفضائح ملت المنطقة والكل عرف إنهم كانوا عايزين يتبلوا عليا.. العيلة دي اتهدت خلاص. وافقي على العرض يا مها، وخلينا نقفل الصفحة دي ونبدأ حياتنا.”
اقتنعت بكلام ريم. كلمت المحامي بتاعي وقولتله: “أنا موافقة على التسوية.. بس بشرط: الطلاق يخلص فوري، القايمة تيجيلي لحد باب بيتي من غير نقص مسمار، وحماتي تيجي بنفسها تسلمني ورق أميرة اللي بتهددها بيه.”
المحامي نقل الشروط، وتحت ضغط الحبس والخوف من الفضيحة الكبرى، العيلة وافقت على كل حاجة. وفي خلال يومين، كانت قايمتي كلها واصلة تحت بيت أبويا في عربيات نقل، واستلمت ورقة طلاقي الرسمية، وحماتي جت وهي كاسرة عينها، ورمت لي الورق بتاع أميرة وهي بتبص لي بغل وتقول: “أهو الورق وأهو حاجتك.. ارتحتي؟ خربتي البيت!”
قولتلها ببرود: “البيت الخربان من جوه بيقع لوحده يا حماتي.. والحمد لله إني خرجت منه سليمة.”
سلمت الورق لأميرة اللي كانت مش مصدقة وبست راسي وهي ماشية، وحسيت إني عملت الصح.
عدى شهر على الموضوع ده.. بدأت أرجع لحياتي الطبيعية، ونزلت دورت على شغل، وريم كمان بدأت ترتب حياتها من جديد بعد ما أخذت طلاقها وحقوقها كاملة بناءً على موقفنا في المحكمة.
وفي يوم، كنت قاعدة في كافيه مع ريم بنشرب قهوة وبنتكلم في المستقبل، وفجأة تليفون ريم رن.
ردت، ولقيت وشها اتقلب فجأة وبقى أبيض كأنها شافت شبح، والموبايل وقع من إيدها على الترابيزة.
بصيت لها بخوف وقولت: “في إيه يا ريم؟ مالك؟ مين اللي كان بيكلمك؟”
ريم بصت لي بعيون مليانة رعب حقيقي وقالت بصوت بيترعش: “مها.. جوزك.. جوزك مخرجش من الحبس زي ما المحامي قالنا.. جوزك هربان، والمحامي بتاعي لسه مكلمني وبيقول إن فيه مخبر شاف جوزك واقف تحت بيت أبوكي ومعاه سلاح!”
الدم هرب من عروقي، وبصيت لريم وأنا حاسة إن الكابوس مخلصش.. ده يلا دوب بدأ!
