حكايات امانى السيد 1
ابنى متجوز بقاله خمس سنين وجالى من يومين وعايزنى اساعده يتجوز زميلته فى الشغل
مراته كانت بنت هاديه وجميله وبتيجى دايما تساعدنى فى البيت وفوق كل ده وقفت جمبه لما مكنش لاقى شغل ولما بتحصله ازمه بتقف معاه ومخلفه منه بنت جميله سألته ليه عايز تتجوز واحده تانيه غيرها
سكت شوية، وفرك إيديه في بعض، بس المرة دي عينه لمعت وبدأ يتكلم بشغف واندفاع وكأنه بيدافع عن أعظم إنجاز في حياته:
“يا أمي افهميني أرجوكي ومتقاطعينش.. أنا بحب ساندي، بحبها بجد ومش قادر أشوف حياتي من غيرها خلاص! أنا بقالي خمس سنين عايش في قالب صامت وممل، بيت مفيش فيه غير الروتين، والطلبات، ومصاريف البيت، والعيال.. سلوى بقت ست مملة، الحياة معاها عبارة عن نكد ومطبخ وترتيب، مفيش أي روح ولا اهتمامات مشتركة، بقيت بحس إني عايش مع خيال في البيت، مكنة بتجيب فلوس وبس!
لكن مع ساندي؟ أنا لقيت نفسي يا أمي.. بنفهم بعض من نظرة، طموحنا واحد، وبنتكلم بالساعات ومبنزحقش. أنا نفسي أسعدها زي ما هي بتسعدني وتفهمني، هي تستاهل كل حاجة حلوة في الدنيا لأنها رجعت لي روحي اللي كانت ضايعة. أنا مش جاي أظلم حد، بس من حقي أعيش، من حقي أحس إني عايش ومبسوط مع الست اللي اختارها قلبي وشايف نفسي معاها. أنا بطلب منك تقفي جمبي وتساعدني، لإني مش عايز أعمل حاجة من وراكي، وعايزك تكوني أول واحدة تفرحي لسعادتي وتدعميني.”
كمل كلامه، ونبرة صوته عِليت أكتر وبقى فيها نوع من التحدي والجنون، كأنه بيحارب الدنيا كلها عشانها:
“يا أمي أنا مش بكلمك في نزوة ولا إعجاب يومين وهيروح.. أنا بكلمك في روحي! أنا مش هقدر أعيش من غير ساندي، يوم واحد بعيد عنها بيموتني. إنتِ مش متخيلة هي بقت بالنسبة لي إيه.. أنا مستعد أبيع الدنيا كلها، وأخسر أي حاجة وأي حد، بس تفضل معايا وفي حضني. لو الجوازة دي متمتش أنا حياتي هتتدمر وشغلي هيبوظ ومش هعرف أعيش بني آدم طبيعي تاني. أنا شاريها ومستعد أضحي بأي حاجة عشانها، فبالله عليكي تقفي معايا ومتقفيش ضدي، لأن طريقي معاها ملوش رجوع!”
وفجأة، وسط كلامه اللي زي السيل، قطع الصالة صوت شهقة مكتومة.. شهقة كأنها خروج الروح، واصلة من طرقة الأوض.
هو اتجمد في مكانه، والكلام وقف في زوره، ووشه هرب منه الدم تماماً. لفينا إحنا الاتنين ببطء ناحية الصوت.. ولقيناها سلوى!
كانت واقفة، ساندة بضهرها على الحيطة كأن الأرض بتلف بيها ومش قادرة تقف على رجليها، إيد حطاها على بؤها عشان تكتم بقية العياط، والإيد التانية بتترعش. عينيها كانت واسعة من الصدمة، وبتبص له بنظرة عمري ما هنساها.. نظرة واحدة اتكسر فيها كل حاجة حلوة، كل سنين التضحية، وكل الأمان اللي كانت عايشاه معاه. كل كلمة قالها عن إنها “مملة” وإنه “مستعد يبيع الدنيا عشان ساندي” كانت لسه بتتردد في الهوا وبتدبح فيها.
ساد الصمت لثواني، صمت مرعب، لحد ما هو بلع ريقه بالعافية وقام وقف، وبصوت مخنوق ومردد قال: “سلوى؟! إنتِ.. إنتِ هنا من إمتى؟!”
امانى_سيد
التفتت سلوى ببطء، ولم تجب على سؤاله. لم تكن هناك حاجة للإجابة، فدموعها التي انهمرت فجأة كشلالٍ صامت كانت تقول كل شيء. تراجعت خطوتين للخلف، وعيناها مثبتتان على وجهه وكأنها تراه لأول مرة، أو كأنها تحاول استيعاب أن هذا الرجل هو نفسه الذي سهرت بجانبه في ليالي مرضه، وهو نفسه الذي اقتسمت معه رغيف الخبز في أيام ضيقه.
تحرك هو خطوة نحوها، مادا يده بارتباك شديد وهو يحاول تدارك الموقف:
“سلوى.. اسمعيني بس، الكلام مكنش قصدي بيه كده، أنتِ فاهمة غلط..”
لكنها لم تتركه يكمل. رفعت يدها المرتعشة في وجهه لتأمره بالصمت، وبصوت مبحوح، خرج من أعماق قلب مكسور، قالت:
“متقولش حاجة.. مفيش حاجة غلط اتفهمت. أنت قولت كل حاجة.. قولت إنك مستعد تبيع الدنيا ومستعد تخسر أي حد.. وأنا وبنتك طلعنا من ضمن الـ (أي حد) اللي ساهل تخسرهم.”
حاولت الأم التدخل لتهدئة الموقف، واقتربت من سلوى محاولة احتضانها:
“يا بنتي استهدي بالله، قولي لا إله إلا الله، الشياطين دخلت بينكم، اقعدي وافهمي منه..”
استدارت سلوى نحو الأم، ونظرت إليها بنظرة ممزوجة بالانكسار والامتنان، وقالت والغصة تخنق حلقها:
“يا طنط، أنا جيت هنا النهاردة عشان أساعدك زي كل مرة، وجايبة معايا حاجات بنتك بتحبها.. مكنتش أعرف إني جاية أسمع جنازة عمري وشبابي. أنا مش زعلانة منك، أنتِ فوق راسي، بس ابنك.. ابنك دبحني من غير ما يتهز له رمش.”
في هذه اللحظة، ومع تصاعد التوتر، تبدلت ملامح الزوج فجأة. تملكه الخوف من خسارة كل شيء، لكن كبرياءه الأعمى وشعوره بالذنب اللذين تحولا إلى هجوم جعلاه يصرخ بنبرة حادة، محاولاً الدفاع عن موقفه المشوه:
“أيوة يا سلوى! واجهي الحقيقة بقا! أنتِ بقيتي باردة، مهتمة بالبيت والنكد والطلبات وبس! مابقاش فيه كلام بيننا، مابقاش فيه روح! أنا بني آدم ومن حقي أتحب وأعيش!”
وقعت الكلمات عليها كالصاعقة، لكنها هذه المرة لم تبكِ. مسحت دموعها بعنف، وتصلب جسدها، ونظرت إليه بنظرة حادة لم يعهدها فيها من قبل، وقالت بنبرة قطعت حبال صوته:
“أنا بقيت مكنة للطلبات؟ والنكد؟ ومين اللي حولني لمكنة يا أستاذ يا محترم؟ مين اللي شيلته فوق كتافي لما كنت قاعد من غير شغل وكنت ببيع دهبي عشان نلاقي ناكل؟ مين اللي كنت برجع من شغلي أطبخ وأنظف وأراعي بنته وأوفر له لقمة نضيفة وهدوم متقندة عشان ينزل يقابل (ساندي) بكامل أناقته وروحه الخفيفة؟! أنت مكنتش عايش في قالب صامت.. أنت كنت عايش في فندق خمس نجوم ببلاش، وأنا الشغالة اللي بتدير الفندق ده عشان سيادتك تتفرغ للحُب الطاهر!”
انعقد لسان الزوج ولم يجد ما يرد به، بينما كانت الأم تنظر إلى ابنها بنظرات مليئة بالخزي والغضب من طريقته وأسلوبه.
تابعت سلوى وهي تتجه نحو الباب بخطوات ثابتة رغم ارتعاش جسدها:
“ساندي اللي رجعت لك روحك، تستاهلك وتستاهل طموحك.. مبروك عليك روحك الجديدة يا ابن الناس. أنا خارجة من حياتك، ومش هسيب لك فيها خيال.. هسيبها لك فاضية خالص عشان تملاها بشغفك.”
وضع يده على مقبض الباب ليمنعها من الخروج، وهتف بذعر:
“سلوى أنتِ رايحة فين؟ متمشيش كده، بنتنا ذنبها إيه؟”
نظرت إلى يده المقبوضة على الباب، ثم رفعت عينيها إلى عينيه وقالت ببرود مخيف:
“شيل إيدك.. بنتك هتعيش مع أم عاشت بكرامتها، مش مع أب مستعد يبيعها ويبيع أمها عشان نزوة في مكتب. من اللحظة دي.. أنت غريب عني.”
فتحت الباب بقوة وخرجت، تاركة خلفها دويّ إغلاق الباب الذي زلزل أركان الشقة، وصمتاً ثقيلاً خانقاً ساد المكان، بينما وقف هو في منتصف الصالة، شاحب الوجه، تائهاً بين جنون رغبته في “ساندي”، وبين الهاوية التي بدأ يشعر أنه يسقط فيها بعدما انكسر أمان بيته للأبد.
بمجرد أن أُغلق الباب بعنف، تهاوى الزوج على أقرب مقعد وكأن قواه قد خارت تماماً. وضع رأسه بين كفيه، وأخذ يتنفس بصعوبة، وصوت ضربات قلبه يكاد يُسمع في أرجاء الصالة الساكنة. الصدمة شلّت تفكيره؛ لم يكن يتوقع أبدًا أن تنتهي مواجهته مع أمه بهذا السيناريو الكابوسي.
التفتت إليه أمه، وعيناها تشتعلان غضباً وحزناً على ما آل إليه حال بيته. اقتربت منه وبصوت حاد كالسيف قطعت ذلك الصمت:
“عاجبك كده؟ أهو البيت اتهد فوق دماغك ودماغها! السبع رجالة اللي كنت بتتكلم بيهم طاروا في الهوا لمجرد إنها شافت حقيقتك!”
رفع رأسه إليها، ملامحه كانت مزيجاً من الرعب والإنكار، وقال بصوت متحشرج:
“أنا مكنتش عايزها تعرف كدة.. مكنتش عايز أكسرها يا أمي، أنا بس كنت عايز حقي في الدنيا! هي اللي ملقحتش تفهم، هي اللي قفلت الباب ومشيت!”
صرخت فيه أمه بقلة حيلة:
“تفهَم إيه؟! تفهم إنك كنت بتدور على واحدة تانية في الوقت اللي هي طافحة فيه الدم عشان تشيل بيتك؟ تفهم إنك مستعد تبيعها بعد كل اللي عملته معاك؟ فوق يا ابني.. أنت مش في رواية رومانسية، أنت في واقع دمرت فيه ست ملهاش ذنب غير إنها وثقت فيك وسندتك في وقت الكل اتخلى عنك!”
وقف مكانه بانتفاضة، وكأن دفاعه عن “ساندي” هو القشة الوحيدة التي تبقيه حياً وسط هذا الانهيار، وهتف بنبرة مشحونة بالتحدي والهروب من الذنب:
“أنا مش نكران للجميل! أنا هديها كل حقوقها، مش هظلمها في مليم، والبت هيفضل يصرف عليها ومستعد أعملهم كل اللي يعوزوه.. بس أنا من حقي أعيش مع اللي بتفهمني! ساندي مش ذنبها حاجة، ساندي هي اللي صلباني في الشغل وهي اللي مخلية عندي طاقة أكمل!”
أشاحت الأم بوجهها عنه بقرف وقالت:
“اشبع بساندي بتاعتك يا ابن بطني.. بس افتكر كلامي ده كويس: البيت اللي يتبني على كسر خاطر ست أصيلة، عمر عتبه ما هتشوف المَرقَة. اخرج برة بيتي.. اخرج ودور على سعادتك المزعومة، ومتجيش تعيط لي لما تكتشف إنك بعت الماس بالتراب.”
خرج من بيت أمه يجر أذيال الخيبة، والندم ينهش في أطرافه رغم كبريائه. نزل إلى الشارع، والجو كان عاصفاً يشبه ما يدور في صدره. أخرج هاتفه بتردد، ضغط على اسم “ساندي”، وجاءه صوتها الرقيق الناعم عبر الهاتف:
“أيوة يا حبيبي.. طمني، عملت إيه مع مامتك؟ وافقت؟”
بلع ريقه بصعوبة، وحاول أن يجعل صوته طبيعياً:
“ساندي.. الموضوع تعقد خالص. سلوى كانت هناك.. وسمعت كل حاجة.”
ساد الصمت على الجانب الآخر من الخط لثوانٍ، قبل أن يتغير نبرة صوت ساندي تماماً، ويختفي ذلك الدفء ليحل محله توتر حاد وقلق مبالغ فيه:
“يعني إيه سمعت كل حاجة؟! أنت اتجننت يا شريف؟ أنت مش قولت لي إنك هتلمح لمامتك الأول لوحدكم؟ إزاي تسيبها تسمع كلام زي ده؟ أنت كدة هتعملي مشكلة في الشغل! لو الموضوع ده اتعرف في الشركة أو حد عرف إني طرف في خراب بيتك، برستيحي ومكاني هيتأثروا! أنت لازم تتصرف وتنهي الحكاية دي بعيد عني تماماً!”
صُدم شريف من رد فعلها. كانت هذه هي المرة الأولى التي يسمع فيها ساندي تتحدث بنبرة حادة وخائفة على “برستيجها” ومكانتها، دون أن تسأله هو عن حاله أو عما يشعر به بعد أن انخرب بيته قبل دقائق.
تمتم بذهول:
“ساندي.. أنا بيتي اتهد، ومراتي مشيت وخدت بنتي، وأمي طردتني.. وأنتِ كل اللي هامك الشغل والبرستيج؟”
ردت ساندي بنبرة عملية جافة:
“شريف، أرجوك متخلطش الأمور. أنا بحبك وأنت عارف، بس أنا ست عملية وعندي طموح ومستقبلي خط أحمر. رتب أمورك، طلق مراتك أو حل مشاكلك معاها، ولما تخلص الليلة دي كلها وتكون جاهز ومستقر، ابقى كلمني عشان نشوف هنعمل إيه. مع السلامة دلوقتي عشان ورايا اجتماع.”
أُغلق الخط في وجهه. وقف شريف في منتصف الرصيف، والهواء البارد يلفح وجهه. شعر لأول مرة ببرودة قاسية تتسلل إلى أعماقه. نظر إلى الهاتف في يده بضياع.. الكلمات التي قالتها سلوى قبل أن ترحل بدأت تتردد في أذنيه كصوت طبول الحرب: *(أنت مكنتش عايش في قالب صامت.. أنت كنت عايش في فندق خمس نجوم ببلاش).*
وفي نفس اللحظة، كانت سلوى تجلس في تاكسي، تحتضن حقيبتها الصغيرة بـيدين ترتجفان، وعيناها مثبتتان على أضواء الشوارع المارة بسرعة. لم تكن تبكي؛ فالصدمة كانت أكبر من أي دموع. أخرجت هاتفها، ومسحت كل الصور التي تجمعها به، ثم ضغطت على رقم والدها، وبصوت تحجرت فيه كل المشاعر، قالت:
“بابا.. أنا جاية في الطريق، أنا وبنتي. جهز لي مكان عندك.. لإن رحلتي مع شريف انتهت للآبد.”