اتعرفت امبارح حكايات رومانى مكرم 2
الستارة اتهزت بقوة، وحسام هجم عليها وشدها بكل غله.. لكن المفاجأة إن مكنش فيه حد مستخبي وراها!
كانت مجرد مروحة مكتب صغيرة محطوطة على الأرض ومربوطة بـ “تايمر” واشتغل في اللحظة دي بالظبط عشان الهوا يحرك الستارة ونبص ناحيتها!
وفي نفس ثانية الاندهاش دي، سمعنا صوت رزعة باب الشقة اللي بره.. الباب الرئيسي اتقفل واتربس علينا من بره!
جرينًا أنا وحسام كالمجانين على الصالة، حسام فضل يزق في الباب ويحاول يكسره تاني لكن الشخص اللي قفله قفله بـ “قفل حديد” خارجي تقيل.. أدهم حبسنا جوة!
حسام قعد على الأرض وهو حاطط رأسه بين إيديه ومبرق: “أدهم بيعمل كده ليه؟ إحنا عملنا له إيه عشان يراقبنا ويحبسنا ويهددنا؟!”
سحبت موبايل أدهم اللي حسام كان لسه ماسكه في إيده، وبدأت أفتحه وأفتش فيه ودموعي نازلة، دخلت على الرسايل المحذوفة والأرشيف.. ووقفت مكاني مذهولة.. الصدمة المرة دي مكنتش من أدهم.. الصدمة كانت تخص حماتي!
لقيت شات كامل ومسحوب وممسوح أكتر من مرة بين أدهم وبين تليفون حماتي القديم.. تاريخ الشات ده بدأ من قبل جوازي من حسام بشهر واحد!
فتحت الرسايل المكتوبة بينهم.. حماتي كانت بتقول لأدهم: “البنت دي هتاخد ابني مني يا أدهم، دي ممشياه وراها وعاوزة تبعده عني وعن البيت.. أنا عاوزه حسام يطلقها بأي طريقة.. عاوزاها تطلع من الجوازة دي مكسورة ومجنونة عشان يرجع لحضني تاني.”
وأدهم كان رادد عليها: “متخافيش يا خالتي.. أنا عايش في شقة أمي ومحدش يعرف، وبراقبها خطوة بخطوة، وهخليها هي اللي تطلب الطلاق وتجري في الشوارع تصوت.. بس قرشي يوصلي أول بأول.”
جسمي كله ساب وقعدت على الركبي.. حماتي؟ حماتي هي اللي اتفقت مع أدهم من الأول عشان يخرب بيتي؟ هي اللي كانت بتدفع له فلوس عشان يراقبني ويخوفني ويوصلني لمرحلة الجنون؟!
حسام شاف وشي اتخطف، سحب الموبايل وقرأ الرسايل.. الموبايل وقع من إيده، ووشه بقا أبيض زي الورقة، ومبقاش قادر ينطق.. أمه.. الست اللي كان بيدافع عنها ويقول مستحيل تفهم في التكنولوجيا، كانت هي المحرك الأساسي لكل الكابوس ده!
وفجأة.. موبايل أدهم رن في إيد حسام..
المرة دي مكنتش رسالة.. دي كانت مكالمة فيديو (Video Call)!
حسام فتح الخط بآلية وهو مش في وعيه.. والشاشة فتحت.
ظهر أدهم.. كان لابس قميص أسود، وواقف في مكان ضلمة، لكن الإضاءة اللي جاية على وش منوراه.. ووراه كان فيه حيطة شكلها غريب.. حيطة شقتنا إحنا!
أدهم ضحك ورفع الكاميرا لفوق.. وظهرت الصدمة الأبشع اللي خلت قلبي يقف..
حماتي كانت قاعدة على كرسي في صالة شقتي أنا وحسام، مربوطة بحبال من إيدها ورجلها، وبقها متقفل ببلاستر عريض، وعينها بتطلع شرار وخوف وتبكي من غير صوت!
أدهم قرب الكاميرا من وشها وقال بصوته الحقيقي، صوت شاب بارد ومرعب: “خالتي العزيزة كانت فاكرة إنها بتشغلني لحسابها.. كانت فاكرة إن الكره اللي في قلبها ليا ولباقي العيلة محدش عارفه.. بس الطمع وحش يا حسام.. خالتك اتفقت معايا على مرتك، ونسيت إن الشقة دي باسم أمي، وإن حقنا في الميراث اللي أبوك أكله علينا زمان لازم يرجع.. والنهاردة، الخطة اتغيرت تمامًا.. مفيش طلاق.. فيه جناية!”
حماتي بدأت تصرخ من وراء البلاستر وتتهز برعب، وأدهم طلع من جيبه “مطواة” وفتحها وسنها لمع في الكاميرا وهو بيبتسم وبيبص لحماتي..
وحسام بدأ يصرخ في الموبايل زي المجنون: “أمييييي! سيب أمي يا أدهم.. هقتلك يا أدهم وربنا هقتلك!”
أدهم قفل السكة في وشنا.. والشاشة اسودت.
بصينا لبعض أنا وحسام.. إحنا محبوسين في الشقة اللي في الوش، وأدهم جوة شقتنا مع حماتي اللي كانت ناوية على خراب بيتي، والسكينة في إيده!
الصوت قطع، والشاشة اسودت، والدنيا كلها اسودت في عينينا.
حسام رما الموبايل على الأرض وبدأ يضرب في الباب المقفول بجنون، بيخبط بدماغه وبإيديه ورجليه وبيصرخ بعلو صوته: “يا أدهمممم! سيب أمي يا أدهم! افتح الباب يا ابن…”
لكن الباب الحديدي الخارجي كان أقوى من جنونه. الشقة كانت معزولة تمامًا، وعمتي مسافرة، ومفيش أي حد في السير ده هيسمعنا والوقت لسه بدري.
جريت وراه وسحبته من قميصه وأنا بنهار: “حسام! الشباك! شباك الأوضة اللي بيطل على بلكونتنا!”
حسام استوعب الكلمة وكأنه طوق نجاة، جرينا على الأوضة اللي فيها الكاميرا. بصينا من الشباك.. المسافة بين شباك أدهم وبلكونة شقتنا مش بعيدة، حوالي متر ونص بس، لكن إحنا في الدور الخامس! أي غلطة معناها الموت.
حسام قعد على ركبه وبدأ يفك الحامل الخشبي التقيل بتاع الكاميرا، وطلع بيه على سور الشباك. كان عاوز يمده لحد البلكونة عشان يعدي عليه، أو يرمي نفسه!
“أنت بتعمل إيه يا حسام؟! هتموت!” صرخت وأنا ماسكة في ظهره.
“أمي هتموت جوة يا سارة! أمي بتموت بسبب اللي عملته فينا.. مش هقف أتفرج!” زعق وفي عينه دموع وغل عمري ما شفته.
وفي اللحظة اللي كان حسام بيحاول يوازن نفسه فيها على السور، سمعنا صوت صرخة مكتومة قوية جاية من جوة شقتنا.. صوت حماتي! ومعاها صوت تكسير خشب وحاجة بتقع على الأرض.
حسام مبقاش يشوف قدامه، حدف الخشبة وخد عزم ونط!
قلبي وقف وأنا بشوفه طاير في الهواء بين الشقتين.. إيديه لمست سور بلكونتنا، وجسمه اتعلق في الهواء للدور الخامس! صرخت بأعلى صوت عندي وأنا داريت وشي بإيديا.
لكن حسام، بغريزة البقاء وقوة الغضب، قدر يرفع جسمه ويزق نفسه لجوه البلكونة. وقع على الأرض، وقام في ثانية، كسر زجاج باب البلكونة بحجر ودخل الشقة.
أنا بقيت واقفة في شقة أدهم، مشلولة، ببص من الشباك ومش سامعة غير صوت ضرب وتكسير وتخبيط مرعب جوة شقتي.. حسام وأدهم بيخلصوا قديم وجديد.
فجأة الصوت سكت تمامًا..
دقيقة.. اتنين.. تالتة.. مفيش أي صوت طالع.
“حسام! حسام رد عليا! أنت كويس؟!” كنت بصرخ من الشباك ودموعي بتعمي عيني، لكن مفيش رد.
لحد ما لقيت باب البلكونة بتاع شقتي بيفتح ببطء..
وظهر منه شخص.. لابس قميص أسود، ومغطى وشه بدم..
مكنش حسام.. كان أدهم!
أدهم بصلي وابتسم ضحكة صفرا مرعبة، ورفع إيده.. كان ماسك فيها مفتاح القفل الحديدي بتاع الشقة اللي أنا محبوسة فيها! ولقيته بيشاورلي بالمفتاح وبيقول بصوت عالي: “حسام خلاص ريح.. ودلوقتي جه دورك يا عروسة عشان نفتح الباب.”
لف ضهره ودخل الشقة تاني.. وأنا ركبي لمست الأرض، وعقلي طار.. حسام مات؟ حماتي ماتت؟ وأدهم جاي يفتح عليا الباب عشان يخلص عليا؟!
سحبت نفسي وجمعت كل قوتي، وجريت على المطبخ بتاع شقة أدهم.. أدور على أي حاجة أدافع بيها عن نفسي قبل ما يوصل السلم ويفتح الباب.. وفجأة، وأنا بقلب في المطبخ المكركب، عيني وقعت على ورقة مطوية محطوطة جوة برطمان قزاز.. ورقة مكتوبة بخط إيد حماتي!
سحبت الورقة بسرعة من البرطمان وإيدي بتتنفض، فتحتها وأنا برتعش وعيني بتجري على السطور. مكنتش رسالة عادية.. ده كان “عقد بيع وشراء” شقة أدهم!
حماتي مكنتش بس بتدفع له فلوس عشان يخرب بيتي.. دي كانت بايعة له شقتها القديمة (شقة عيلتها اللي حسام المفروض يورث فيها) بالبخس، ومكتوب في ظهر العقد شرط غريب بخط إيدها: *”يتم تفعيل العقد وتسليم الشقة لأدهم فور إتمام طلاق حسام وسارة وطردها من بيت العيلة مكسورة.”*
يعني حماتي ضحت بورث ابنها وكتبت كل حاجة لأدهم بس عشان تخلص مني! الطمع والغل عموا عينيها، ومكنتش تعرف إنها بتسلم رقبتها ورقبة ابنها لـ “مجنون” مستعد يخلص على الكل عشان ياخد كل حاجة.
وفجأة.. سمعت صوت خطوات تقيلة على السلم بره..
خطوات بتتحرك ببطء وثقة.. صوت المفاتيح وهي بتتهز في إيده كان بيعمل رنين مرعب في ودني. الخطوات قربت.. وقفت قدام الباب.
حطيت العقد في جيب جلاليبي وجريت استخبيت ورا باب المطبخ، مسكت في إيدي السكينة الصغيرة اللي كنت جايباها معايا من شقتي، وكتمت نفسي وأنا دموعي بتنزل في صمت.
صوت القفل الحديدي وهو بيتفتح بره كان زي ضربات قفص صدري.. الباب اترزع واتفتح، وصوت أدهم وهو بيدخل الشقة وبيقول بصوت عالي وساخر: “سارة.. يا سارة! رحتي فين يا عروسة؟ أنا جيت وجبتلك المفتاح.. مش عاوزه تشوفي حسام وحماتك العزيزة واصلين لفين؟”
صوت خطواته كان بيقرب من المطبخ.. الأرض الخشبية كانت بتزيق تحت رجله.
دخل المطبخ.. الكشاف اللي في إيده نور الحيطة اللي ورايا. أنا مكنتش شايفة وشه، بس شايفة ضله الضخم وهو بيقرب.
وفي اللحظة اللي خطى فيها جوة المطبخ وظهره بقا ليا، جمعت كل كرهي وخوفي وعزمي، وطلعت من ورا الباب وصرخت بأعلى صوت عندي، ورشقت السكينة في كتفه من الظهر بكل قوتي!
أدهم صرخ صرخة مكتومة ووقع الكشاف من إيده، ولف عليا وعينه حمرا زي الدم، مسك إيدي اللي فيها السكينة وبدأ يضغط عليها عشان يكسرها، وهو بيجز على سنانه: “فاكرة نفسك هتقدري عليا يا بنت…”
الضربة مجتش في مقتل، وجسمه كان أقوى مني بكتير.. بدأ يزقني لورا لحد ما ظهري خبط في رخامة المطبخ، والسكينة بدأت تقرب من رقبتي أنا!
وأنا خلاص بنهي حياتي وبغمض عيني مستنية الموت.. سمعت صوت زئير مرعب جاي من الصالة..
صوت حسام!
حسام مكنش مات.. كان غرقان في دمه، قميصه مقطوع، وماسك في إيده “شومة خشب” من بقايا الباب المكسور.. هجم على المطبخ وزق أدهم بكل غله، ونزل بالشومة على دماغه!
أدهم وقع على الأرض غرقان في دمه وفقد الوعي تمامًا.
حسام ساب الخشبة وترمي في حضني وهو بينهج ونفسه طالع بالعافية: “سارة.. أنتِ كويسة؟ عملك حاجة؟”
دموعي نزلت وأنا بمسح الدم من على وشه: “أنا كويسة.. أنا كويسة يا حسام.. أمك فين؟!”
حسام مسك إيدي وهو بيعرج ورجعنا لشقتنا جري.. الصالة كانت مقلوبة كأن زلزال ضربها.. وحماتي كانت لسه مربوطة على الكرسي، بس وشها كان أزرق من كتمة النفس والرعب.
حسام جري فك البلاستر من على بقها وفك الحبال.. أول ما فكت، مكنتش قادرة تبص في عيني.. كانت بتبكي بنحيب وذل وهي بتبص للأرض، وجسمها كله بيرييل من الخوف.
حسام بص لها بنظرة عمري ما شفتها في حياته.. نظرة كسرة وقرف، وطلع تليفونه وطلب الشرطة..
قعدت على الكنبة وأنا حاطة إيدي في جيبي، ولمست العقد اللي حماتي مضياه لأدهم عشان تخرّب بيتي.. العقد اللي هيقلب الترابيزة على الكل.
الشرطة وصلت بعد عشر دقائق، ودخلوا شقة أدهم وقبضوا عليه وهو سايح في دمه.. والظابط دخل شقتنا وبدأ يسألنا عن اللي حصل.
حسام كان لسه هينطق ويقول إن أدهم هجم علينا عشان يسرقنا.. لكن أنا وقفت، وطلعت الورقة من جيب وجلاليبي، وحطيتها قدام الظابط!
بصيت لحماتي اللي عيونها برقت برعب وموت وهي شايفاني بطلع العقد، وقولت للظابط بصوت ثابت:
“الحكاية مش سرقة يا فندم.. الحكاية أكبر من كده بكثير.. والورقة دي فيها الدليل.”
#الكاتب_رومانى_مكرم
