ورثي حكايات رومانى مكرم 1

أنا خدت ورثي من بابا حوالي مليون و400 ألف جنيه، وكنت شايفاهم الأمان الوحيد ليا بعد وفاة أبويا… الفلوس دي كانت تعب عمره كله، وكان دايمًا يقول لي:

“خلي معاكي حاجة تسندك يا بنتي، الدنيا مبتأمنش لحد.”

 

بعد جوازنا بسنة، الأسعار ولعت، والدهب كل يوم بسعر جديد، فقلت أجيب دهب وأركنه، يبقى ضهر ليا وقت الشدة.

لكن جوزي أول ما عرف إني بفكر كده، قعد معايا وقال بهدوء:

 

“ليه نرمي الفلوس في دهب؟ ما نجيب شقة أحسن… أصل ثابت، وسعرها هيزيد.”

 

الكلام دخل دماغي فعلًا، خصوصًا إنه فضل يحسبها قدامي: “الدهب ممكن تبيعيه وتصرفيه، لكن الشقة هتفضل لينا وللولاد.”

 

وافقت بعد تفكير طويل… بس كان جوايا خوف.

أنا شفت ستات كتير ضاع حقها بعد الجواز، وكنت عارفة إن الفلوس دي ورثي أنا، مش شقا حد تاني.

 

في ليلة وإحنا بنتفرج على إعلانات الشقق، قلتله بهدوء: “ماشي نشتري الشقة… بس تتكتب باسمي.”

 

فجأة وشه اتغير.

الابتسامة اختفت، وقفل اللاب قدامه وقال: “باسمك إيه؟”

 

قلت وأنا بحاول أشرح: “دي فلوسي أنا… وإحنا هنعيش فيها عادي، بس تبقى ضمان ليا.”

 

رد بسرعة ونبرة صوته عليت: “ضمان من مين؟ هو أنا غريب؟”

 

حاولت أهديه: “مش قصدي حاجة وحشة… بس دي فلوس ورثي.”

 

سكت ثواني، وبعدها قال الجملة اللي خلت قلبي يقبض: “الشقة هتبقى لينا وللولاد، وإحنا واحد… وأنا الراجل، طبيعي تتكتب باسمي.”

 

بصيتله وأنا مش مستوعبة: “بس أنا اللي دافعة تمنها كله.”

 

قام وقف وقال بعصبية: “يعني إنتِ مش واثقة فيا؟”

 

ومن اللحظة دي، البيت اتقلب.

كل ما أفتح الموضوع يزعق، ولو سكت يومين يرجع يلمح: “واضح إن أهلك لعبوا في دماغك.”

 

والموضوع بقى أكبر من شقة…

بقيت حاسة إني داخلة معركة على حقي، وهو شايف إن طلبي إهانة لرجولته.

#الكاتب_رومانى_مكرم

وفي يوم، رجعت من عند أمي لقيته بيتكلم في التليفون بصوت واطي…

أول ما دخلت سكت فجأة.

 

لكن قبل ما يقفل، سمعت جملة واحدة بس خلت جسمي تلج:

و

 

لقيت جوزي بيبص لي بارتباك واضح، حاول يداريه بسرعة وهو بيقفل الموبايل ويقول بنبرة مصطنعة: “أهلاً يا حبيبتي، جيتي إمتى؟”

الجملة اللي سمعتها كانت لسه بتِصِّر في ودني زي صفارة إنذار.. سمعته بيقول بوضوح: **”خلاص يا صاحبي، الشقة هتبقى باسمي الأسبوع الجاي، وهي مش هتعرف حاجة إلا بعد ما نمضي.”**

الدنيا لفت بيا، وحسيت إن الأرض بتميل. “هو كان بيكلم مين؟ ومين اللي بيمضي؟” الأسئلة كانت بتنهش في دماغي، بس ملامح أبويا الله يرحمه ظهرت قصاد عيني، وكلامه رجع يرن في عقلي: *”الدنيا مبتأمنش لحد يا بنتي.”* في اللحظة دي بالذات، الخوف اللي كان جواه اتحول لصلابة غريبة. مابقتش الست الخايفة من المشاكل، بقيت الست اللي بتدافع عن أمانها.

أخدت نفس طويل، وابتسمت ابتسامة هادية ومصطنعة ولقيتني برد عليه:

“لسه واصلة حالا يا حبيبي.. مالك واقف مرتبك كده ليه؟”

فرك إيده وقال بتوتر: “لا أبداً، ده واحد صاحبي كان بيكلمني في حوار الشقة اللي قلتلك عليها، وعايزنا نروح نشوفها بكرة.”

هزيت رأسي بالموافقة وقلت: “تمام، نروح ونشوفها.”

طول الليل مكنتش قادرة أغمض عيني. عقلي شغال تفكير.. جوزي اللي عشت معاه سنة، اللي كان بيحسسني بالأمان، بيخطط من ورايا عشان ياخد تعب أبويا ويخليه باسمه؟ للدرجة دي الطمع عماه؟ وللدرجة دي كان شايف طلبي بحقي إهانة لرجولته، في حين إن تفكيره في حقي مش إهانة لأي مبدأ؟

تاني يوم، نزلنا عشان نشوف الشقة. كانت شقة في منطقة راقية، واسعة، وتشطيبها ممتاز. جوزي كان عينه بتلمع وهو بيتفرج عليها، وكأنه خلاص ملكها. صاحب الشقة والسمسار كانوا واقفين، وجوزي أخد السمسار على جنب وبدأ يتكلم معاه بصوت واطي.

انتهزت الفرصة وقربت من صاحب الشقة الأصلي، راجل كبير في السن، ملامحه طيبة وفيها وقار. قلتله بصوت هادي من غير ما جوزي يلاحظ:

“يا حاج، أنا اللي دافعة تمن الشقة دي كامل من ورث أبويا الله يرحمه.. وجوزي عايز يكتبها باسمه من ورايا. أرجوك، لو جابلك عقود جاهزة أو طلب منك تتنازل ليه هو، ارفض وقوله لازم صاحبة الفلوس هي اللي تمضي.”

الراجل الكبير بصلي بصدمة، وظهرت على وشه علامات الضيق، وهز رأسه وقال بصوت واطي: “عيب عليه.. ولا يهمك يا بنتي، اعتبري الموضوع عندي.”

بعد ما خلصنا فرجة، قعدنا في مكتب السمسار عشان نتفق. جوزي طلع من شنطته عقد ابتدائي كان جهزه مع محامي صاحبه، وحطه قدام صاحب الشقة وقال بثقة تامة:

“اتفضل يا حاج، ده العقد الابتدائي، والاسم مكتوب فيه اسمي أنا.. والمدام معاها الشيكات والفلوس جاهزة.”

صاحب الشقة بص للعقد، وبص لجوزي بنظرة حادة، وفجأة رمى القلم من إيده وقال بنبرة قوية هزت المكان:

“العقد ده باطل يا أستاذ.. وأنا مش هبيع شقتي بالطريقة دي!”

جوزي وشه اتخطف، والابتسامة اختفت تماماً من على وشه، وبص للراجل بذهول وقال: “باطل ليه يا حاج؟ إحنا متفقين على السعر وكل حاجة!”

رد الراجل وهو بيشاور عليا:

“متفقين على السعر آه، بس مش متفقين إنك تشتري بفلوس مراتها وتكتب الشقة باسمك! الست دي اتكلمت معايا، وعرفت إن الفلوس دي ورث أبوها.. وأنا راجل عندي بنات، وميرضنيش إن حقها يتاكل قدام عيني.. الشقة دي يا تتكتب باسمها هي لوحدها، يا مفيش بيع، وفلوسكم معاكم وشقتي معايا!”

المكتب كله سكت.. السمسار بقا يبص في الأرض، وأنا قعدت مربعّة إيدي وباصة لجوزي اللي وشه بقا بيجيب ألوان.. من الصدمة، ومن الغضب، ومن الخزي اللي اtermى فيه قدام الغرب.

التفت ليا وعينه بتطلع شرار، وصوته كان بيترعش من كتر الغيظ وقال:

“بقى بتفق من ورايا مع الغريب؟ وبتشوهي صورتي قدام الناس؟”

وقفت بكل ثبات، وبصيت في عينه مباشرة وقلتله ببرود قاتل:

“أنا مشيت ورا كلامك يا ابن الناس.. مش إنت قلت الشقة أصل ثابت وهتفضل لينا وللولاد؟ أنا وافقت أشتري الشقة، بس باسمي.. اللي يخاف من حقي، يبقا مش بيدور على أماني.”

ساب المكتب وخرج وهو بيزعق ويخبط الأبواب ورايا. رجعت البيت وراه، وكنت عارفة إن المواجهة المرة دي هتوصل لطريق مسدود. أول ما دخلت، كان بيلم هدومه في الشنطة وهو منهار من العصبية:

“أنا سايبلك البيت ده كله.. وطالما مفيش ثقة، وطالما شفتيني طمعان فيكي وفي فلوسك، يبقا القعدة دي ملهاش لزمة.. والشقة دي مش هتشتريها، والفلوس دي هترجعيها البنك، وأنا مش عايز منك حاجة!”

بصيت لشنطته وهي بتتقفل، ولقيت نفسي قدام خيارين أصعب من بعض: يا إما أتنازل عن حقي وأشتري خاطره وخاطر بيتي اللي مكملش سنة، يا إما أتمسك بكلمة أبويا وأقف في وش العاصفة لوحدي..

**تفتكروا، إيه التصرف الصح اللي لازم أعمله في اللحظة دي؟ هل أوافق إنه يمشي وأحمي فلوسي، ولا أحاول أراضيه عشان المركب تسير؟**

قعدت على الكرسي وأنا ببص لشنطة هدومه اللي قفلها بعنف.. الدموع كانت متحجرة في عيني، بس عقلي كان صاحي بشكل مرعب. ملامحه وهو ملهوف يكتب الشقة باسمه، ونبرة صوته وهو بيكلم صاحبه في التليفون، والكسرة اللي حاول يداريها في مكتب السمسار.. كل دي حاجات كانت بتترسم قدامي زي فيلم سينما.

بصلي وهو ماسك الشنطة، ومستني الكلمة المعتادة من أي ست في الموقف ده: “أبوس إيدك متمشيش، متخربش البيت.” كان مستني اللحظة اللي هنهار فيها وأقوله: “خلاص اكتب الشقة باسمك بس متبعدش عني.”

لكني أخدت نفس طويل، وقمت وقفت بثبات، وقلتله بنبرة هادية صدمته:

“طالما شايف إن طالبي بحقي إهانة ليك، وطالما مش قادر تستوعب إن دي فلوس أبويا وتعب عمره.. فإنت حر يا ابن الناس، الباب يفوت جمل.”

العصبية اللي كانت على وشه اختفت فجأة، وحل مكانها ذهول تام. هو مكنش متوقع الرد ده.. كان فاكر إن التهديد بخراب البيت هيلوي دراعي. م نطقش ولا كلمة، أخد شنطته وخرج ورزع الباب وراه بكل قوته، رزعته هزت حيطان البيت.. وهزت قلبي معاها.

رميت نفسي على الكرسي وانفجرت في البكاء. بكيت على الأمان اللي كنت فاكرة إني لاميّاه في بيتي، بكيت على سنة كاملة عشتها مع بني آدم كنت فاكراه ضهري، وطلع أول ما شّم ريحة الفلوس اتغير. نمت ليلتها وأنا حاضنة نفسي، وصوت أبويا الله يرحمه مش بيفارقني: *”خلي معاكي حاجة تسندك يا بنتي.”*

مر أسبوع كامل.. تليفوني مرنش منه ولا رنة. مبعتش حتى رسالة يسأل عليا. وفي المقابل، أهله بدأوا يتدخلوا. حماتي كلمتني في التليفون، وبدل ما تطيب خاطري، لقيتها داخلة فيا حامية:

“بقى إنتِ يا بنت الأصول تكسري بكلمة ابن الراجل قدام الغرب؟ بقيتوا بتعملوا حساب للفلوس وتنسوا الأصول؟ ابن الناس زعلان وفي بيت أبوه، وإنتِ قاعدة ولا همك!”

رديت عليها بأدب بس بحسم: “يا طنط، أنا مكسرتش بكلمته، أنا طلبت حقي. الفلوس دي ورثي أنا، وأنا موافقة نشتري الشقة ونعيش فيها سوا، بس تتكتب باسم اللي دفع تمنها. هو اللي زعل عشان مقدرش ياخد حاجة مش بتاعته.”

قفلت معايا وهي بتدعي وتتحسبن، وعرفت إن الموضوع مش هيعدي بالساهل.

بعد يومين، لقيت جرس الباب بيرن. فتحت ولقيت جوزي واقف.. ملامحه كانت متغيرة، باهتة، ومفيش فيها العصبية بتاعة المرة اللي فاتت. دخل وقعد من غير ما يتكلم، وأنا قعدت قصاده مستنية أشوف آرت الأيام اللي فاتت جاب معاه إيه.

بص في الأرض وقال بصوت هادي:

“أنا فكرت في كل اللي حصل يا بنت الناس.. وعشان ننهي الخلاف ده، وعشان أثبتلك إنك ظلمتيني وإني مش طمعان فيكي، أنا عندي حل يرضي كل الأطراف.”

رفعت حاجبي وقلتله: “سامعاك.. إيه هو الحل؟”

طلع ورقة وقلم من جيبه وحطهم على الترابيزة وقال:

“الشقة تتكتب باسمنا إحنا الاتنين.. بالنص. النص باسمك عشان دي فلوسك، والنص باسمي عشان أنا الراجل وم ينفعش أعيش في شقة مراتي، وعشان الولاد يحسوا إن أبوهم ليه كلمة في البيت ده.. وبكده نبقى قسمنا البلد نصين ومحدش فينا زعل.. إيه رأيك؟”

بصيت للورقة والقلم، وبصيت لوشه اللي كان بيحاول يبان فيه الطيبة والعقلانية.. بس في اللحظة دي، افتكرت كلام صاحب الشقة في المكتب: *”الست دي اتكلمت معايا وعرفت إن الفلوس ورث أبوها.”* واكتشفت إن جوزي لسه بيلف ويدور.. لسه عايز ياخد 700 ألف جنيه من ورث أبويا من غير ما يدفع فيهم مليم واحد، وتحت مسمى “الرجولة والأصول”!

ضحكت ضحكة خفيفة فيها وجع، وقلتله:

“طب إيه رأيك بقى في الحل الأحسن من ده كله؟”

بصلي بلهفة وقال: “إيه هو؟”

وقفت وقلتله:

“أنا مش هشتري الشقة دي خالص.. أنا هروح بكرة الصبح أشتري بالمليون و400 ألف جنيه دول كلهم دهب، وأشيلهم في صندوق في البنك باسمي.. والبيت اللي إحنا مأجرينه ده هنفضل فيه، وإنت الراجل ومسؤول تدفع إيجاره ومصاريفه كاملة من جيبك وشقاك.. والشقة اللي كنت عايزني أشتريها بتعب أبويا عشان تضمن مستقبل الولاد، سيب مستقبل الولاد عليك بقى.. وريني شقاك إنت هيعملهم إيه!”

وشه اتقلب تاني، والشرار رجع في عينه، ووقف وهو بيزعق:

“يعني إنتِ بتلوي دراعي؟ بتعجزيني؟”

وفجأة، تليفونه رن.. بص في الشاشة وارتبك تاني، بس المرة دي أنا خطفت التليفون من إيده وشوفت الاسم المكتوب على الشاشة.. الاسم ده خلاني أفهم اللعبة كلها من أولها لآخرها، وحسيت إن السكينة اتغرست في ضهري بجد!

**تفتكروا مين اللي كان بيتصل بجوزي في اللحظة دي؟ وإيه السر اللي الاسم ده كشفهولي؟**

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *