مراته السابقة حكايات رومانى مكرم 2
## الجزء الثالث: جدران الروح
ساد الصمت أرجاء المكتب، صمتٌ ثقيل لم تكسره سوى حفيف أوراق التصاميم التي كانت ليلى تمسكها بيدين ارتعشتا لثانية واحدة قبل أن تستعيدا ثباتهما. كانت ترتدي قميصًا أبيضًا بسيطًا بنطالًا جينزيًا، وعليها آثار طفيفة من ألوان الإكريليك عند معصمها. مظهرٌ لم يكن ياسين ليسمح به أبدًا لو كانت لا تزال تحمل لقب “مدام الدمنهوري”.
كسر آدم الصمت وهو يتحرك بهدوء نحو ليلى، أخذ منها الأوراق ووضعها على الطاولة بجانبه، ثم التفت إلى ياسين قائلاً بنبرة مغلفة بالاحترام الحذر:
— ليلى شريكة أساسية في الرؤية الفنية للمشروع ده، هي اللي بتصمم الجداريات والورش الإبداعية للأطفال.
شعر ياسين وكأن الأرض تهتز تحت قدميه. نظر إلى ليلى وقال بصوت حاول جاهدًا أن يجعله متهكمًا ليخفي شرخه الداخلي:
— شريكة؟ بالسرعة دي؟ تلات شهور كانوا كفاية عشان تنسي “قوانين” حياتك القديمة وتبدأي حياة تانية خالص؟
خطت ليلى خطوة للأمام، لم تتراجع كما كانت تفعل في بيته بالزمالك. نظرت في عينيه مباشرة وقالت بصوت هادئ يحمل نبرة حاسمة:
— أنا مانسيتش يا ياسين، أنا افتكرت. افتكرت ليلى اللي كانت موجودة قبل ما أدخل بيتك. وآدم ما فرضش عليا قوانين عشان أنساها.. آدم سابني أتنفس بس.
التفتت إلى آدم وقالت بنبرة اعتذار:
— آدم، أنا هسبقك على موقع المعاينة في التجمع. مش حابة أضيع وقت.
أومأ آدم لها برأسه مطمئنًا:
— تمام يا ليلى، نص ساعة وأحصلك.
حين تحركت ليلى لتغادر، وجد ياسين نفسه يتحرك غريزيًا ليقطع طريقها عند الباب، تمامًا كما كان يفعل في نقاشاتهما القديمة حين كان يرفض أن ينتهي الحوار إلا بكلمته الأخيرة. لكنها توقفت قبل أن تلمسه، ونظرت إلى يده الممتدة بحسم جعلته يتراجع خطوة للخلف مجبرًا.
خرجت، وأغلق الباب وراءها، تاركةً خلفها فراغًا أصاب ياسين ب غصة حقيقية.
التفت ياسين إلى آدم وعيناه تشتعلان غضبًا:
— إنت فاكر نفسك مين عشان تدخل بيني وبين مراتي؟
آدم صحح له بهدوء شديد وهو يلم أوراقه:
— طليقتك يا ياسين بيه. وللمرة المليون، أنا مدخلتش بينكم. إنتوا سبتوا بعض من سنين، بس الورقة هي اللي اتمضت من تلات شهور.
ثم تابع آدم وهو ينظر في عيني إمبراطور المقاولات:
— مشروع حديقة الطفل هيبدأ الأسبوع الجاي. لو اسم الدمنهوري هينزل الأرض عشان تصفية حسابات شخصية، يبقى الانسحاب أكرم ليك ولينا. أنا بشتغل بقلبي، وإنت بتشتغل بفلوسك.. والحدائق مابتتبنيش بالخرسانة بس.
خرج ياسين من مكتب المعادي وهو يشعر باختناق لم يعهده من قبل. ركب سيارته الفارهة وطلب من السائق التحرك دون وجهة محددة. كان صوت ليلى يتردد في أذنيه: *”أحسن ما أعيش مع راجل شايف روحي هواية سخيفة”*.
في المساء، عاد ياسين إلى قصره في التجمع الخامس. القصر الذي بناه ليكون تحفة معمارية تتحدث عنها الصحف. دخل إلى جناح ليلى القديم؛ كان باردًا، مهجورًا، تفوح منه رائحة الفراغ. فتح خزانتها، لم يجد سوى فستانين قديمين بألوان باهتة تركتهم خلفها، وكأنها كانت تتخلص من جلدها القديم.
جلس على طرف السرير، وأخرج هاتفه. اتصل بميرنا فؤاد.
ردت ميرنا فورًا:
— أيوة يا ياسين، طمني.. المقابلة مشيت إزاي؟ هننسحب؟
صمت ياسين لثوانٍ، وهو ينظر إلى جدران الغرفة العالية، ثم قال بنبرة جافة وقاطعة:
— مش هننسحب يا ميرنا. وقعي العقود مع الوزارة ومع مكتب آدم السويسي.
ميرنا بتعجب:
— وافقت؟ بالسهولة دي؟
ياسين وعيناه تلمعان بتحدٍ مظلم:
— أنا مابنسحبش من معركة يا ميرنا. وآدم السويسي فاكر إن الطيبة والبساطة هيكسبوا قدام القوة. أنا هدخل المشروع ده، وهخلي ليلى تشوف بنفسها حجم الراجل اللي سابته.. وحجم الراجل اللي هي واقفة جنبه دلوقتي.
بعد مرور أسبوعين، بدأت الأعمال التمهيدية في موقع المشروع بالقاهرة الجديدة. كانت الأرض عبارة عن مساحة شاسعة من الرمال والأتربة، تحيط بها المعدات الثقيلة التابعة لشركات الدمنهوري.
وصل ياسين إلى الموقع ببدلته وحوله عدد من المهندسين ومساعديه. ومن بعيد، لمح ليلى. كانت تقف وسط الشمس، ترتدي قبعة قش بسيطة، وتتناقش مع عدد من العمال والرسامين الشباب حول جدارية ضخمة سيتم تنفيذها في مدخل الحديقة. كان آدم يقف بجانبها، يوجه اللودر الصغير لتمهيد التربة لزراعة الأشجار دون أن يفسد المكان المخصص للرسم.
تحرك ياسين باتجاههما بخطوات واثقة، لكن قبل أن يصل، حدث ما لم يكن في الحسبان.
تعالت صيحات فجائية من ناحية الحفر الأساسي؛ إحدى الرافعات الثقيلة التابعة لشركة ياسين فقدت توازنها بسبب عدم تثبيتها جيدًا على التربة الرملية الناعمة، وبدأت تميل ببطء نحو الجدار الذي كانت تقف أمامه ليلى ومجموعتها من الشباب.
انتبه آدم للصوت، ولم يفكر لثانية واحدة. صرخ بأعلى صوته:
— ليلى!!! ابعدوا!!!
وركض بأقصى سرعته نحوها، دافعًا إياها وجسده يغطيها بالكامل خلف كتلة خرسانية قريبة، بينما سقط ذراع الرافعة الحديدي الضخم ليحطم الجدار الخشبي المؤقت محدثًا دويًا هائلًا وسحابة كثيفة من الغبار والأتربة غطت المكان بالكامل.
تسمر ياسين في مكانه لكسر من الثانية، شعر وكأن قلبه توقف تمامًا عن النبض. الرعب شل أطرافه. صرخ باسمها لأول مرة منذ أشهر بنبرة خلت من أي كبرياء:
— ليلــــــــى!!!
وركض بجنون وسط الغبار، يتخبط في المهندسين والعمال الذين جرووا نحو موقع الحادث.
حين انقشع الغبار قليلاً، جثا ياسين على ركبتيه أمام الكتلة الخرسانية، وكان جسده يرتجف. رأى آدم وهو يستند على يده بصعوبة، ووجهه مغطى بالتراب، لكن عينه كانت تبحث بلهفة عن الست التي يحميها تحت جسده.
آدم بصوت يلهث وخائف:
— ليلى.. إنتِ كويسة؟ حصلك حاجة؟
رفعت ليلى رأسها من بين يديه، كانت تسعل جراء الغبار، وعيناها مليئتان بالدموع والرعب، لكنها نظرت إلى آدم وهزت رأسها بالنفي وهي تمسد على كتفه بذعر:
— أنا كويسة.. أنا كويسة يا آدم.. إنت اللي بتنزف!
كان هناك جرحٌ قطعي في ذراع آدم ينزف بغزارة جراء شظية حديدية طارت أثناء السقوط.
في تلك اللحظة، وصل ياسين. امتدت يده المرتعشة ليساعد ليلى على النهوض وهو يقول بصوت متحشرج وعينين متسعتين من الصدمة:
— ليلى.. تعالي.. اركبي عربيتي فورًا.. هوديكم المستشفى..
لكن ليلى، ودون أن تنظر حتى إلى وجه ياسين، دفعت يده الممتدة بعيدًا عنها بعفوية وقسوة لم يتوقعها. التفتت بالكامل نحو آدم، وسحبت شالها القطني من حول رقبتها وتبعت غريزتها لتضغط به على جرح آدم لتوقف النزيف، قائلةً بصوت باكٍ ومسموع للجميع:
— ساندني يا آدم.. اقف معايا.. متخافش أنا جنبك.
ظل ياسين واقفًا على ركبتيه في التراب، يده معلقة في الهواء، وبدلته الغالية تملأها الأتربة.
نظر إلى يد ليلى وهي تضغط على جرح آدم، ونظر إلى عينيها اللتين لم تريا في المكان كله سوى هذا الرجل. لم تلم ليلى ياسين على إهمال شركته، ولم تصرخ في وجهه، بل الأسوأ من ذلك.. أنها لم تلاحظ وجوده من الأساس. كان بالنسبة لها في تلك اللحظة.. مجرد هواء.
عرف ياسين حينها أن المعركة لم تكن أبدًا حول النفوذ أو المال أو المشاريع. المعركة كانت قد حُسمت منذ اللحظة التي تعلمت فيها ليلى كيف تخاف على شخص آخر.. غير “ياسين الدمنهوري”.
## الجزء الرابع: الرماد الأخير
انسحبت ليلى مع آدم بسيارة الإسعاف التي هرعت إلى الموقع، تاركةً خلفها ساحة المشروع تعج بالفوضى والتحقيقات، وتاركةً ياسين الدمنهوري واقفًا في منتصف الرماد.
لم تكن الأتربة التي غطت بدلته الغالية هي ما يثقله، بل كان ذلك الفراغ المرعب الذي شعر به حين دفعته ليلى بعيدًا. لأول مرة في حياته، لم يلتفت إليه أحد. العمال كانوا يتهامسون عن إهمال شركة الدمنهوري، والمهندسون يحاولون تبرير موقفهم، لكن ياسين لم يكن يسمع شيئًا. ركب سيارته وعاد إلى مكتبه في الدور الأربعين، المكتب الذي طالما رأى من خلاله القاهرة صغيرة وتحت سيطرته. اليوم، بدت له المدينة شاسعة، باردة، ومليئة بالناس الذين لا يعبأون بوجوده.
دخلت ميرنا فؤاد المكتب، وجهها كان يحمل علامات قلق لم تعهده فيها من قبل. وضعت حقيبتها بعصبية وقالت:
— ياسين، الحادثة دي هتبقى أزمة علاقات عامة ضخمة لو ما اتصرفناش. الصحافة بدأت تتكلم عن إن “الدمنهوري للمقاولات” بتهدد حياة العاملين في المشاريع الإنسانية. والوزارة طلبت تقرير رسمي فورًا.
لم يرد ياسين. كان ينظر إلى اللوحة الزرقاء المعلقة أمامه على الحائط.
تابعت ميرنا وهي تقترب من مكتبه:
— أنا كلمت المستشفى. جرح آدم السويسي احتاج غرز كتير، بس هو كويس. وليلى.. ليلى ما سابتش المستشفى ولحد دلوقتي قاعدة معاه. ياسين، إحنا لازم نطلع بيان رسمي نتحمل فيه تكاليف العلاج ونعتذر، ونحمل المسؤولية للمقاول الباطن. لازم ننقذ اسم الشركة.
التفت إليها ياسين ببطء، وعيناه خاويتان تمامًا من ذلك التحدي الذي كان يملأهما قبل أسابيع. وقال بصوت خافت:
— اعملي اللي إنتِ شايفاه صح يا ميرنا. سهم الشركة، البيان.. كل ده بتاعك.
نظرت إليه ميرنا بدهشة:
— ياسين؟ إنت كويس؟ مش دي الطريقة اللي بتدير بيها الأزمات.
— أنا مش بدير أزمة يا ميرنا… أنا بندثر.
مرت ثلاثة أيام قبل أن يقرر ياسين التحرك. لم يذهب إلى موقع المشروع، ولم يتصل بأحد. لكنه علم من رجاله أن آدم خرج من المستشفى وعاد إلى مكتبه في المعادي ليستكمل بعض الأعمال البسيطة من هناك، وأن ليلى متواجدة معه لمساعدته في إنهاء تصاميم المشروع بعد أن رفضت الوزارة إيقاف العمل.
في المساء، قاد ياسين سيارته بنفسه إلى المعادي. أوقف السيارة بعيدًا عن الفيلا الصغيرة وترجل بمفرده. لم يكن هناك حراس، ولا مظاهر نفوذ. فقط رجل يبحث عن إجابة أخيرة قبل أن يغلق كتابًا طالما رفض تصديق نهايته.
كانت أنوار المكتب الدافئة تنعكس على الأشجار المحيطة بالفيلا. اقترب من النافذة الزجاجية الكبيرة المطلة على الحديقة والملعب الصغير للمكتب.
رأى آدم جالسًا على مقعد خشبي، ذراعه ملفوفة بالشاش الأبيض، ويمسك بكوب من الشاي بيده الأخرى. وكانت ليلى تقف أمام لوحة خشبية عريضة، تثبت عليها خرائط الجدارية الجديدة. كانت تتحدث وتتحرك بخفة، ثم التفتت إلى آدم وقالت شيئًا أثار ضحكه.
توقف ياسين مكانه وهو يراقبها.
لم تكن الضحكة العالية الصاخبة التي رآها في الأوبرا. كانت ابتسامة دافئة، ممتدة، مليئة بالأمان. كانت تبدو أصغر بعشر سنوات. شعرها كان مربوطًا بشكل عشوائي، ووجهها خالٍ من مساحيق التجميل الثقيلة التي كان يصر عليها لتناسب الحفلات الرسمية. كانت ببساطة… حرة.
في تلك اللحظة، فهم ياسين الدرس الأقسى في حياته.
السيطرة التي كان يسميها حماية، والذهب الذي كان يظنه أمانًا، لم يكن سوى كفن لروحها. وآدم لم يعطها قصورًا، بل أعطاها المساحة لتكون نفسها دون خوف من النقد، أو السخرية، أو العتاب.
تحرك ياسين وخطا نحو الباب الخارجي. طرق الباب بهدوء.
انفتح الباب، وظهرت ليلى. عندما رأته، لم تتراجع، ولم يختفِ الأمان من عينيها هذه المرة. بدت هادئة تمامًا، هدوء شخص تجاوز الخوف وأصبح يرى الماضي كشريط سينمائي قديم لا يخصه.
نظرت إليه وقالت بنبرة عادية:
— ياسين.
نظر إليها طويلًا، وكأنه يحفظ ملامحها الجديدة في ذاكرته، ثم قال بصوت متحشرج:
— أنا مش جاي أعمل مشكلة يا ليلى. ولا جاي أتكلم في البزنس.
لمح آدم وهو يقف ببطء بالداخل ويسير نحو الباب ليكون بجانبها، لكن ياسين رفع يده بهدوء وكأنه يطلب منه البقاء في مكانه، وقال وهو ينظر لليلى مجددًا:
— أنا جاي أقولك.. إني أسف.
اتسعت عينا ليلى بقليل من الصدمة. كلمة “أسف” لم تكن موجودة في قاموس ياسين الدمنهوري طوال ست سنوات من الزواج. كان دائمًا على حق، ودائمًا فوق الجميع.
تابع ياسين والوجع يظهر في نبرة صوته بوضوح:
— أسف على العشا بتاع الزمالك.. وعلى كل مرة خليتك تحسي فيها إن روحك ورسمك مجرد شخبطة مالهاش قيمة. أنا ماكنتش شايفك يا ليلى.. كنت شايف نفسي بس. كنت فاكر إن وجودك جنبي بيكمل صورتي قدام الناس، ومافهمتش إن الصورة دي كانت بتخنقك.
دمعت عينا ليلى خفيفة، ليس حزنًا على عودته، بل لأن الاعتراف جاء متأخرًا جدًا، بعد أن رممت جدران روحها بنفسها. وقالت بصوت ناعم:
— أنا مسمحاك يا ياسين. مسمحاك من يوم ما مضيت ورقة الطلاق وخرجت من باب شركتك. أنا مش شايلة لك كره، بالعكس.. أنا بشكر التجربة دي لأنها عرفتني قيمتي الحقيقية لما خسرتها.
ساد صمت قصير، صمت لم يكن ثقيلًا هذه المرة، بل كان أشبه بنهاية عاصفة طويلة هدأ فيها كل شيء ولم يبقَ سوى الرماد.
نظر ياسين إلى آدم بالداخل، وأومأ له برأسه إيماءة احترام قصيرة، ثم التفت إلى ليلى وقال كلماته الأخيرة:
— أنا هسحب شركة الدمنهوري من المشروع بكره الصبح. الوزارة هتسند الشغل لشركة تانية بنفس الشروط والأسعار عشان مشاريعكم ما تتعطلش. مش هبقى موجود في مكان يضايقك تاني.
ابتسم ابتسامة باهتة ومكسورة:
— خدي بالك من نفسك.. ومن رسمك.
استدار ياسين ومشى في ممر الحديقة المظلم تحت الأشجار العتيقة بالمعادي. ولأول مرة، لم تكن خطواته سريعة أو واثقة. كان يمشي ببطء، حاملاً على كتفيه حقيقة أنه امتلك كل شيء في القاهرة، وخسر الست الوحيدة التي كانت مستعدة لتبادل العالم بابتسامة صادقة منه.
خلفه، أغلقت ليلى الباب بهدوء، وعادت لتجلس بجانب آدم، بينما واصل ياسين سيره نحو سيارته، تاركًا خلفه آخر فصول حياتهما معًا، ومستعدًا لمواجهة قصر التجمع الخامس البارد… وحيدًا كالعادة، ولكن هذه المرة، دون أي أوهام.
## الجزء الخامس والأخير: النوافذ المفتوحة
مرت ستة أشهر على ذلك المساء الهادئ في المعادي.
انسحبت مجموعة الدمنهوري تمامًا من مشروع حديقة الطفل الدولية، وبأوامر صارمة ومباشرة من ياسين، تم تسهيل كافة الإجراءات الإدارية والمالية لانتقال المشروع إلى شركة تطوير أخرى، دون أي تعقيدات أو شروط جزائية. بدا الأمر في الوسط العقاري وكأنه تنازل غير مفهوم من الحوت الأكبر، لكن بالنسبة لياسين، كان هذا هو الثمن الوحيد المتبقي ليدفعه ككفارة عن سنوات الصمت.
في مكتبه بالدور الأربعين، لم يتغير المشهد كثيرًا، الإزاز ما زال يكشف القاهرة كلها، والرخام الأسود ما زال يعكس أضواء المكاتب. لكن التغيير الحقيقي كان في الرجل الجالس وراء المكتب.
لم يعد ياسين يرتد صوته العالي في الممرات، وأصبحت قراراته أكثر هدوءًا وعقلانية. دخلت ميرنا فؤاد وهي تحمل جهازًا لوحيًا، وقالت بنبرة خلت من حدتها القديمة:
— ياسين، النهارده افتتاح حديقة الطفل في القاهرة الجديدة. التغطية الصحفية كبيرة جدًا، والوزير وصل الموقع من نص ساعة.
لم يرفع ياسين عينه عن الأوراق التي أمامه، لكنه قال بهدوء:
— الشغل طلع زي ما كانوا مخططين له؟
أومأت ميرنا برأسها، وعرضت على الشاشة مجموعة من الصور الحية للافتتاح:
— وأكتر.. المكان مبهج بشكل غريب يا ياسين. المساحات الخضراء واسعة، والوان جداريات الرسم خطفت عين كل الموجودين. الصحافة كلها بتتكلم عن الهوية الإنسانية للمشروع.
نظر ياسين إلى الشاشة لثوانٍ معدودة. لمح ليلى في إحدى الصور، كانت تقف وسط مجموعة من الأطفال، يديها ملوثة ببعض الألوان، وتضحك من قلبها وهي تشاهد طفلاً صغيرًا يضع بصمة كفه الملونة على الجدار. وبجانبها، كان آدم يقف مستندًا على جدار خرساني، يراقبها بنفس النظرة المحامية والدافئة.
ابتسم ياسين ابتسامة خفيفة، حقيقية، وخلت لأول مرة من أي مرارة. قال وميرنا تتأمله بنوع من الدهشة:
— مبروك ليهم.. يستاهلوا النجاح ده.
التفت ياسين بجسده نحو الحائط خلفه، حيث كانت اللوحة الزرقاء الدافئة لا تزال معلقة في مكانها البارز. نظر إلى الخطوط البيضاء التي تشبه النوافذ المفتوحة، وفهم أخيرًا ما تعنيه. ليلى لم تكن ترسم مجرد أشكال؛ كانت ترسم طريق خروجها إلى النور.
وفي نفس اللحظة، في القاهرة الجديدة، كانت أنغام الموسيقى وأصوات ضحكات الأطفال تملأ أرجاء الحديقة.
تنحت ليلى قليلًا عن الزحام، ممسكة بكوب من عصير الليمون الدافئ، ووقفت تتأمل الجدارية الرئيسية التي نفذتها بمساعدة الشباب. كانت عبارة عن طيور برية بألوان زاهية تطير خارجة من أقفاص ذهبية مفتوحة الأبواب، متجهة نحو أفق واسع من اللون الأزرق.
اقترب آدم منها، ومسح بقطعة قماش طرية بقعة لون صغيرة كانت قد استقرت على جبينها دون أن تنتبه. قال بنبرته الهادئة:
— مبروك يا ليلى.. اللوحات والحديقة طالعين من روحك بجد.
التفتت إليه ليلى، ونظرت في عينيه اللتين طالما منحتاها الأمان الذي بحثت عنه طويلاً. ابتسمت ابتسامتها الصافية، الابتسامة التي لم تعد بحاجة لحساب خطواتها أو خفض صوتها من أجلها، وقالت:
— مبروك لينا يا آدم.. إحنا تعبنا سوا في كل شبر هنا.
نظر آدم نحو الأفق وقال بعفوية:
— عارفة.. المحامي بتاع ياسين الدمنهوري كلمني الأسبوع اللي فات. طلب يشتري قطعتين أرض من مشاريع التنسيق البيئي الجديدة اللي بنعملها في الصعيد، عشان يحولهم لـ حدائق عامة مفتوحة للأطفال باسم مجهول.. بس أنا عرفت إنه هو.
صمتت ليلى للحظة، نظرت إلى الطيور المرسومة على الجدار، وشعرت براحة عميقة تغمر صدرها. لم يعد الماضي يؤلمها، ولم يعد الحاضر يهددها.
قالت وهي تضع يدها في يد آدم:
— ربنا يوفقه في حياته الجديدة يا آدم. كل واحد فينا في الآخر.. بيبني المكان اللي بيشبه روحه.
سارت ليلى جنبًا إلى جنب مع آدم وسط الحديقة، بخطوات خفيفة كالنسمة، تاركةً خلفها قفص الذهب والرخام الأسود، ومرحبةً بحياة جديدة بدأتها بألوانها الخاصة، وضحكتها الصادقة التي لم تعد تختفي أبدًا.
**تمت**
#الكاتب_رومانى_مكرم
