جوز اختى3

مرت الأيام السريعة والثقيلة في نفس الوقت، وجاء يوم الخميس.. يوم كتب الكتاب.

كانت الأجواء هادئة في البيت، يقتصر الحضور على المقربين فقط احترماً لذكرى الأخت الراحلة. رهف كانت قاعدة في غرفتها لابس فستان أبيض بسيط، بتبص لملامحها في المراية وهي مش مصدقة إنها في غضون أيام قليلة تحولت حياتها بالكامل، من خطيبة لزياد الهارب من العدالة الآن، لزوجة لطارق السيوفي.. الرجل الذي طالما ارتعدت خوفاً من هيبته وصوته.

سمعت صوت المأذون بالخارج وهو بيقول جملته الشهيرة: “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”. في اللحظة دي، حست رهف برعشة سرت في جسدها بالكامل؛ لقد أصبحت رسمياً على ذمة طارق.

بعد انتهاء المباركات، ودعت رهف والدها بالدموع، وأخذها طارق في سيارته الفارهة متوجهاً إلى فيلته الخاصة. الصمت كان حذراً وخانقاً طول الطريق، حتى وصلا ودخلا الفيلا التي كانت تتميز بالفخامة والأناقة، لكنها كانت باردة وساكنة.

طارق قفل الباب، ولف لرهف اللي كانت واقفة في نص الصالة وضامة إيديها لبعضها بتوتر واضح.

طارق بنبرة هادية بس صارمة: مبروك يا رهف.. نورتي بيتك.

رهف بصوت مرتعش: الله يبارك فيك.

طارق قعد على الكرسي وشاور لها تقعد قصاده: ودلوقتي، بما إننا بقينا في بيتنا، لازم نتكلم في الشروط اللي قولتلك عليها.. أنا راجل دغري وبحب كل حاجة تكون واضحة من الأول.

رهف قعدت على طرف الكرسي وبصت له بترقب.

طارق كمل: أولاً، الجواز ده قدام الناس وأبوكي هو جواز كامل، مفيش حد بره البيت ده لازم يعرف أو يحس إن في بينا أي فجوة.. ثانياً، خروج من البيت بدون إذني أو معرفتي مفيش، والي حصل زمان مع زياد يتنسي تماماً ومي تكررش تحت أي ظرف.. ثالثاً وده الأهم.. أنتي هنا ليكي كل الاحترام والتقدير، شيلتك لاسم طارق السيوفي بتفرض عليكي برستيج ومكانة معينة لازم تحافظي عليها.

رهف بلعت ريقها وسألته بجرأة ظهرت فجأة: وطبيعة علاقتنا إيه يا طارق؟ يعني.. إحنا هنعيش مع بعض إزاي؟

طارق بصلها بنظرة غامضة وعميقة، وقام وقف وقرب منها لحد ما بقى واقف قدامها بالظبط، وانحنى شوية وقال بصوت منخفض:

“علاقتنا هتحددها الأيام وتصرفاتك يا رهف.. أنا مش وحش زي ما كنتي فاكرة، بس أنا راجل مبحبش اللعب.. أوضتك هتكون الأوضة اللي في آخر الممر فوق، خدي وقتك ارتاحي وتأقلمي على المكان، ومن بكرة هتبدأ حياتنا الجد.”

سابها طارق وطلع على مكتبه، أما رهف فتنحهت الصعداء وطلعت على غرفتها، غيرت فستانها وقعدت على السرير وهي بتفكر في ملامحه ونبرة صوته.. اكتشفت إن الخوف اللي كان جواها تجاهه بدأ يتحول لحاجة تانية مش قادرة تفسرها، ربما هيبة أو فضول لمعرفة هذا الرجل الغامض.

في منتصف الليل..

حست رهف بالعطش، فقررت تنزل للمطبخ تشرب. الفيلا كانت ضلمة وهادية جداً، وهي نازلة على السلم بخطوات بطيئة، سمعت صوت جاي من مكتب طارق.. الصوت كان واطي بس مسموع.

قربت برعب وفضول، ولقت الباب موارب شوية.. بصت من فتحة الباب وصدمت من اللي شافته!

طارق كان قاعد على مكتبه، ماسك صورة لأختها الراحلة وعيونه مليانة دموع، وكان بيتكلم بصوت مخنوق من الوجع وهو بيبص للصورة:

“أنا نفذت وعدي ليكي يا حبيبتي وحميتها.. بس هي مش شيفاني غير السجان اللي بيعذبها.. أنا تعبان أوي من غيرك.. ومش عارف هقدر أكمل اللعبة دي لحد إمتى!”

رهف حطت إيدها على بوقها بصدمة، ودموعها نزلت وهي شيفة الجانب الخفي والضعيف من طارق السيوفي، الجانب اللي بيخفيه ورا قناع القسوة والقوة..

لكن فجأة، وهي بترجع لورا بخطوات مرتبكة، خبطت في فازة صغيرة كانت على تربيزة جمب الباب، ووقعت الفازة على الأرض وعملت صوت عالي في هدوء الليل!

في ثانية واحدة، الباب اتفتح بالكامل، وخرج منه طارق وعيونه الحمرا من أثر الدموع اتحولت فوراً لشرار وغضب أعمى لما شافها واقفة وبتتجسس عليه!

 

طارق حس إن الأرض بتلف بيه، ونبضات قلبه بقت زي طبول الحرب. أخد الحارس من إيده وخرجوا بره القاعة بسرعة من غير ما حد من الضيوف يلاحظ.

طارق بزعيق مكتوم: إزاي اختفت؟! أنت كنت فين والرجالة كانوا فين؟!

الحارس برعب: يا باشا والله الفيلا كلها متأمنة، بس في حد قطع سلك الكهرباء المغذي لكاميرات السور الخلفي من دقيقتين بالظبط، وأنا لسه جاي أبلغك!

طارق مسك مسدسه اللي مش بيفارقه، وجرى زي المجنون على السور الخلفي للفيلا، ووراه رجالته. الجو كان ضلمة وهسيس الشجر بيزود الرعب في القلوب. وفجأة، سمع صوت صرخة مكتومة جاية من ورا الشجر القريب من البوابة الخلفية.

طارق جرى بأقصى سرعة، وشاف المشهد اللي خلا الدم يتجمد في عروقه.. زياد كان واقف، ملامحه بقت مرعبة، شعره منكوش وهدومه متبهدلة بعد هروبه من السجن، وكان حاطط سكـ،ـينة على رقبة رهف اللي كانت بتعيط بهيستيريا وجسمها كله بيترعش بالفستان الأبيض.

زياد بضحكة جنونية مصحوبة بغل: أهلاً يا طارق يا سيوفي.. كنت فاكر إنك كسبت؟ كنت فاكر إنك هتاخدها مني وتعيشوا في تبات ونبات وأنا أخيس في السجن؟!

طارق وقف مكانه، ورفع مسدسه وثبته على دماغ زياد، وحاول يتكلم بنبرة هادية عشان ميخليهوش يتهور: سيبها يا زياد.. حسابك معايا أنا، البنت ملهاش ذنب.. أنت كده كده ميت، فمتضيعش نفسك بزيادة.

زياد بزعيق وهستيرية وهو بيضغط بالسكـ،ـينة أكتر على رقبة رهف لحد ما ظهر خط دم رفيع: لأ ليها ذنب! وافقت عليك ونسيتني في ثواني! أنا هحرق قلبك عليها زي ما حرقتوا عمري.. والنهاردة نهايتنا إحنا الاتنين!

رهف بصت لطارق من بين دموعها، ورغم الرعب اللي هي فيه، شافت في عيونه حب وخوف حقيقي مخلاهاش تخاف زي زمان.. بل بالعكس، حست بالقوة.

رهف بصوت باكي بس قوي: طارق.. أنا بحبك.. ومبقتش خايفة.

كلمة “بحبك” نزلت على قلب طارق زي الصاعقة، وفجأة، وبسرعة البرق، استغل طارق لحظة تشتت زياد بسبب الكلمة، وضغط على الزناد..

الرصاصة طلعت بدقة متناهية واستقرت في كتف زياد اللي شايل السكـ،ـينة. زياد صرخ ووقع على الأرض وهو بيتألم والسكـ،ـينة وقعت من إيده. في نفس اللحظة، هجموا رجالة طارق عليه وكتفوه تماماً، وصوت سرينات عربيات البوليس بدأ يظهر في المكان بعد ما الحراس بلغوا عن مكانه.

طارق مرمى المسدس من إيده وجرى على رهف، أخدها في حضنه وضمها بقوة لدرجة كان حاسس إن ضلوعها هتدخل في ضلوعه، وهو بيتنفس بسرعة ودموعه نزلت لأول مرة قدام حد.

طارق بصوت مرتعش: أنتي كويسة يا حبيبتي؟ عملك حاجة؟ أنا أسف.. أسف إني سيبتك للحظة واحدة.

رهف حطت إيدها على وشه وبمست بدموع فرحة: أنا كويسة طول ما أنا في حضنك يا طارق.. أنت حميتني تاني، وصنت الأمانة.

بعد مرور سنة..

داخل نفس الفيلا، بس المرة دي الأجواء كانت مليانة بضحك وفرحة حقيقية مش مصطنعة. الفيلا مبقتش باردة ولا ضلمة.

كانت رهف واقفة في الجنينة، لابس فستان رقيق، وماسكة في إيدها طفل صغير عمره شهور، ملامحه نسخة مصغرة من طارق. قرب طارق منها من ورا، وحضنها هي وابنه ولف دراعه حواليهم.

طارق وهو بيبوس رأس رهف: بتفكري في إيه يا أم سليم؟

رهف لفت وبصت في عيونه بابتسامة صافية: بفكر في تدابير ربنا يا طارق.. ازاي الجوازة اللي كنت بدموعي وبموت عشان أهرب منها، بقت هي طوق النجاة وهي أحلى حاجة حصلت في حياتي.. بفكر في أختي الله يرحمها، وإزاي سابتلي راجل بمليون راجل.

طارق ابتسم بحب وعم دفا في المكان وقال: وأنا بفكر إن الوصية انتهت من زمان يا رهف.. وبقى مكانها حب عمره ما هينتهي.. أنتي مش وصية، أنتي روحي اللي رجعتلي.

بكت رهف من كتر الفرحة وهي في حضن طارق، وحست لأول مرة في حياتها بمعنى الأمان الحقيقي؛ الأمان اللي كانت دايماً بتدور عليه في المكان الغلط، ولقتْه أخيراً مع الراجل اللي كانت بتخاف من نظرة عيونه.

بعد مرور سنة..

الفيلا الباردة والساكتة اتحولت لقطعة من الجنة، الضحكة مكنتش بتفارق جدرانها، وصوت الفرحة بقى هو سيد المكان.

كانت رهف واقفة في الجنينة الكبيرة، لابس فستان رقيق وبيبان عليها علامات الحمل في شهورها الأولى، وبتبص للسما بابتسامة صافية وبترحم على أختها الكبيرة. قرب طارق منها بخطواته الهادية اللي بقت دافية ومطمنة، وحضنها من ضهرها وحط إيده على بطنها بحنان.

طارق بابتسامة وعيونه مليانة حب: بتفكري في إيه يا قلب طارق؟

رهف لفت وشها وبصت في عيونه ولمست وشه بإيدها: بفكر في تدابير ربنا يا حبيبي.. إزاي الجوازة اللي كنت ببكي وبموت عشان أهرب منها، بقت هي طوق النجاة وهي أحلى وأجمل حاجة حصلت في حياتي كلها.. بفكر في أختي الله يرحمها، وإزاي سابتلي راجل صانني وحماني وشالني جوه عيونه.

طارق ابتسم بحب وضمها لقلبه أكتر وهو بيقول: وأنا بفكر إن الوصية انتهت من زمان يا رهف.. وبقى مكانها حب حقيقي عمره ما هينتهي.. أنتي مش وصية يا رهف، أنتي العوض، وأنتي روحي اللي رجعتلي ونورت دنيتي من جديد.

**تمت**

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *