بعد ثلاثة أشهر اسما السيد، 2
## الجزء الثالث
عدت إلى بيتي الصغير والخطوات تثقل كاهلي، كأن السنوات الست التي حملت أثقالها وحدي قد تجمعت كلها في ساقي الآن. أغلقت الباب خلفي وجلست على أول مقعد قابلني. كان البيت هادئًا بشكل مرعب، وهي المرة الأولى منذ سنوات التي أجد فيها نفسي وحيدة تمامًا دون حركة آدم وشقاوته الصباحية.
نظرت إلى جدران الصالة المقشرة، إلى الكنبة البسيطة التي شهدت ليالي الحمى والبكاء الخفي خلف وسادتها حتى لا يسمعني الصغير. تذكرت كلام أدهم… تبريره… دموعه. هل ظن حقًا أن كلمة “ظلمتك” أو “مستعد أكتب له كل ما أملك” يمكنها أن تمحو ليلة واحدة وقفت فيها في طابور مستشفى عام والناس تنظر إلي بشفقة وريبة لأنني لا أحمل في يدي سوى ورقة تحاليل وبطاقتي الشخصية؟
مر اليوم ثقيلاً كأنه دهر. وفي الساعة الثانية ظهرًا، كنت أقف أمام باب المدرسة أنتظر خروج آدم. تفحصت الوجوه برعب، كنت أخشى أن أجد أدهم واقفًا هناك، يتربص بابني أو يحاول الحديث معه. لكنه لم يكن موجودًا. خرج آدم يركض نحو بحماس، يحمل في يده نجمة حمراء ورقتها له معلمته.
— ماما! شوفتي النجمة؟ أنا كنت أشطر واحد في الفصل اليوم!
احتنضته بقوة، شممت رائحته التي تعيد إلي توازني دائمًا، وقلت له:
— مبروك يا قلب ماما، أنا عارفة إنك دايما بطل.
عدنا إلى البيت، وبينما كان آدم يأكل طعامه، رن هاتفي. كان رقمًا غريبًا. ترددت كثيرًا قبل أن أجيب، لكن شيئًا ما في داخلي أخبرني بهوية المتصل.
— ألو؟
جاءني صوته، لكنه لم يكن باردًا هذه المرة، كان صوتًا باكيًا، مكسورًا، مجردًا من أي كبرياء:
— ياسمين… أرجوكي متقفيليش الخط. أنا تعبان… تعبان أوي.
لم أرد، تركت الصمت يتحدث نيابة عني. فتابع بلهفة:
— رانيا… مراتي… سابت البيت وأخدت بنتي وروحت بيت أهلها. طلبت الطلاق. واجهتني بكل حاجة، سألتني عن الشبه، ولما مقدرتش أنكر وضغطت عليا، اعترفت لها… قولت لها على اللي عملته معاكي زمان… هي مش قادرة تبص في وشي دلوقتي، بتقولي أنت إزاي قاسي كده؟ إزاي سبت ابنك ولحمك؟ بيتي بيتهد يا ياسمين.
قلت بنبرة خالية من أي مشاعر:
— وده المطلوب يا أدهم. العدالة مش دايما بتيجي في المحاكم، أوقات بتيجي على شكل مراية بتشوف فيها حقيقتك البشعة. بيتك بيتهد؟ أنا بيتي اتهد من ست سنين، ومحدش سأل عليا وأنا بجمع الحطام بتاعه لوحدي.
— أنا مش طالب منك تسامحيني أنا عارف إن ماليش عين… أنا بس عايز أشوف آدم، عايز أصلح غلطتي مع الولد. من حقي يعيش في مستوى أحسن، يدخل مدرسة أفضل، هجيب له شقة باسمه… هعوضه عن كل يوم عاشه في حرمان.
نظرت إلى آدم وهو يجلس على الأرض يركب مكعباته الصغيرة ويغني بصوت خفيض. كان يبدو مرتاحًا، سعيدًا، بريئًا من كل قسوة هذا العالم.
— آدم مش محروم من حاجة يا أدهم. آدم عنده أم بتحبه ومستعدة تموت عشانه، وده بالدنيا كلها. الفلوس اللي بتعرضها دي عشان تريح ضميرك أنت مش عشان تسعد آدم. والمدرسة اللي هو فيها أنا دافعة مصاريفها من شقايا وعرقي، ولقمته حلال ومفيش فيها منّة من حد.
— ياسمين… أنا أبوه! الدم اللي في عروقه ده دمي!
هنا، شعرت بنار الغضب تشتعل في صدري من جديد، فقلت بصوت حاد ومنخفض حتى لا يسمعني الصغير:
— الأبوة مش كلمة في شهادة ميلاد يا أدهم، ولا حيوان منوي في لحظة عابرة. الأبوة هي السهر، والتعب، والخوف، والمصاريف، والمسؤولية. الأبوة هي لما كان بيبكي من وجع سنانه بالليل وأنا بلف بيه الشوارع ومفيش معايا تمن الكشف. أنت كنت فين وقتها؟ كنت بتشتري ساعتك اللامعة وبدلتك الغالية؟ أنت مش أبوه… أنت مجرد غلطة في حياتي، وأنا صححتها لما قررت أربيه لوحدي.
وقبل أن ينطق بكلمة أخرى، قفلت الخط في وجهه. ولم أكتفِ بذلك، بل قمت بـ “بلوك” لرقم غيره، تمامًا كما فعل معي قبل ست سنوات. شعرت بانتصار صغير، لكنه انتصار مغلف بمرارة قديمة لا تزول.
في المساء، وبينما كنت أعد لآدم سريره، اقترب مني وجلس بجانبي، ونظر إلي بعينيه الواسعتين اللتين تشبهان أدهم بشكل صارخ، وقال ببراءة:
— ماما… هو بابا مسافر في بلد بعيدة أوي؟
توقف قلبي للحظة. مسحت على شعره الأسود الناعم وقلت بصوت مخنوق:
— آه يا حبيبي… بعيدة أوي.
— طب هو مش بيتوحشنا؟ مش نفسه يشوفني؟
ابتسمت بمرارة، وقبلت يده الصغيرة:
— هو في مكان ميعرفش يرجع منه يا آدم… بس أنا هنا معاك، ومش هسيبك أبدًا.
احتضنني الصغير ونام في أحضاني، بينما بقيت أنا ساهرة أنظر إلى السقف، أتساءل إن كانت هذه هي النهاية، أم أن عاصفة أدهم لم تنتهِ بعد…
## الجزء الرابع
مرت ثلاثة أسابيع على ذلك اللقاء العاصف أمام المدرسة. ثلاثة أسابيع وأنا أعيش في حالة من التأهب الدائم، ألتفت حولي في كل مكان، أراقب الوجوه والسيارات المارة، خوفًا من أن يظهر أدهم فجأة من خلف أي زاوية ليخطف ابني أو يحاول الحديث معه مجددًا. لكنه اختفى تمامًا، ولم يعد يتصل من أرقام غريبة، وظننت – لبعض الوقت – أن كبريائه منعه من العودة، أو أن انشغاله بانهيار بيته قد ألهاه عنا.
لكنني كنت مخطئة… فالرجل الذي يتملكه الذنب والخوف على صورته أمام نفسه لا يستسلم بسهولة.
في صباح يوم الخميس، وأثناء تواجدي في عملي الصغير بشركة الشحن البسيطة التي أعمل بها كمحاسبة، دخلت عليّ السكرتيرة بوجه شاحب وقالت بنبرة مرتبكة:
— أستاذة ياسمين… في واحد بره عايز حضرتك، ورفض يقعد في صالة الانتظار… شكله مهم أوي ومعاه شنطة دبلوماسية.
انقبض قلبي فورًا. وقفت وضبطت ملابسي وقلت لها بصوت حاولت جعله ثابتًا:
— خليه يدخل.
دلف إلى المكتب رجل في الخمسينيات من عمره، يرتدي بدلة رسمية أنيقة، ويحمل في ملامحه صرامة أهل القانون. تقدم نحوي بخطوات واثقة ومد يده:
— أستاذة ياسمين؟ أنا الأستاذ رفعت الشافعي، المحامي الخاص بالأستاذ أدهم الشامي.
شعرت برعشة خفيفة في أطرافي، لكنني لم أمد يدي لمصافحته، بل أشرت له إلى المقعد ببرود:
— اتفضل اقعد يا أستاذ رفعت. خير؟ أدهم باعك ليا ليه؟ مكنش قادر ييجي بنفسه؟
جلس المحامي وهندم وضعيته، ثم فتح حقيبته وأخرج منها ملفًا سميكًا وضعه على المكتب أمامي وقال بنبرة هادئة ومحايدة:
— الأستاذ أدهم يمر بظروف نفسية وعائلية معقدة جدًا في الوقت الحالي، وهو يعلم تمامًا حجم الخطأ الذي ارتكبه في حقك قبل ست سنوات. هو لا يريد مواجهات شخصية قد تزيد الأمور تعقيدًا… لذلك كلفني بإنهاء هذا الأمر بشكل قانوني يحفظ حقوق الجميع.
نظرت إلى الملف ولم ألمسه:
— حقوق مين بالظبط؟ آدم ملوش حقوق عند أدهم، وأدهم ملوش أي صفة في حياة آدم.
تنحنح المحامي وقال:
— أستاذة ياسمين، دعينا نتحدث بلغة العقل والمصلحة. هذا الملف يحتوي على إقرار رسمي بالبنوة موثق من الأستاذ أدهم، وطلب مقدم للمحكمة ومصلحة الأحوال المدنية لتعديل شهادة ميلاد الطفل “آدم” ليحمل اسم والده ثلاثيًا وفوريًا. بالإضافة إلى عقد ملكية لشقة سكنية فاخرة في كومباوند شهير مسجلة باسم آدم، ووديعة بنكية مغلقة بمبلغ ضخم لا يحق لأحد التصرف فيها إلا لآدم عند بلوغه السن القانوني، مع التكفل بكافة مصاريف دراسته في أرقى المدارس الدولية.
ضحكت بصوت مسموع، ضحكة مليئة بالتهكم والغضب:
— وايه المقابل يا سيادة المستشار؟ أدهم مش راجل كريم للدرجة دي عشان يدفع كل ده من غير ثمن. عايز إيه؟
هبط المحامي بنبرة صوته وقال بحذر:
— المقابل هو “حق الرؤية والاستضافة”. الأستاذ أدهم يريد أن يرى ابنه بانتظام، يومين في الأسبوع، وأن يقضي معه الإجازات الرسمية. هو يريد أن يعوضه… ويريد أن يكون له دور في تربيته.
شعرت بالدم يغلي في عروقي. وقفت من وراء مكتبي ونظرت إلى المحامي بعينين متسعتين من الغضب:
— يعوض مين؟! أدهم عايز يشتري بفلوسه حق الاستعراض قدام الناس إنه أب مثالي! عايز ياخد طفل أنا سهرت وتعبت ومرضت عشان أربيه، عشان يدخله في وسط حياته المكركبة ويفرجه لمراته اللي سابته عشان يثبت لها إنه مش عاقر؟! خد ورقك ده واطلع بره يا أستاذ.
لم يتحرك المحامي، بل ظل هادئًا بشكل مستفز، وقال وهو يغلق حقيبته ببطء:
— أستاذة ياسمين، أنا أنصحك بالتفكير بهدوء. الأستاذ أدهم مستعد للذهاب إلى أبعد مدى. إذا رفضتي هذا العرض الودي، فنحن سنلجأ للمحكمة. سنرفع دعوى “إثبات نسب” بناءً على الشبه الصارخ وبناءً على طلب تحليل الـ DNA الذي ستحكم به المحكمة فورًا عند رؤية الصبي. وعندما يثبت النسب قانونًا، سيكون له حق الرؤية بقوة القانون وبدون أي ميزات مادية لكِ أو لآدم. العرض الحالي هو الأفضل لمستقبل ابنك.
تجمدت في مكاني. الكلمة هزت كياني… “المحكمة… الـ DNA”.
هل يمكن للقانون أن يمنح أدهم حقًا في ابني بعد كل ما فعله؟ هل يمكن أن يُجبر آدم على الجلوس مع رجل غريب ويقال له “هذا أبوك الذي أنكرك يومًا”؟
قال المحامي وهو يقف ويتجه نحو الباب:
— هسيب لك المهلة دي للتفكير حتى يوم الأحد القادم يا فندم. فكري في مصلحة آدم، بلاش تخلي مشاعرك القديمة وضغينتك ضد أدهم تدمر مستقبله.
خرج المحامي وتركني واقفة وسط مكتبي، والملف اللعين مستقر أمامي كالقنبلة الموقوتة. شعرت فجأة أن الحوائط تضيق عليّ، وأن الماضي الذي ظننت أنني دفنته، قد عاد ليحفر قبرًا جديدًا لاستقراري أنا وابني.
في تمام الساعة الثالثة، ذهبت لإحضار آدم من المدرسة. كان يسير بجانبي ويمسك بيدي وهو يتحدث بحماس عن أصدقائه الجدد وعن لعبة كرة القدم التي لعبها اليوم، بينما كنت أنا في عالم آخر. كنت أنظر إليه وأتساءل: كيف سأحميك من هذه الحرب القادمة يا آدم؟
عندما وصلنا إلى مدخل عمارة بيتنا البسيطة، وجدت المفاجأة الصادمة التي جعلت قلبي يسقط بين قدمي.
كانت هناك امرأة تقف مستندة إلى سيارتها الفارهة، ترتدي نظارة سوداء وتضع يدها على خصرها بضيق. بمجرد أن رأتني، عدلت من وقفتها وتحركت نحونا بخطوات سريعة.
لم تكن سوى “رانيا”… زوجة أدهم.
