توأم حكايات رومانى مكرم 2
كريم كمل جملته وهو بيشاور بصباعه في وشي بتهديد: “وإلا قسمًا بالله يا سمر، لا هتكوني مراتي ولا هتشوفي العيال دول دقيقة واحدة! أمي خط أحمر، والبيت اللي تتهان فيه أمي، مالكيش قعاد فيه!”
في اللحظة دي، الحاجة سعاد ما قدرتش تمسك نفسها أكتر من كده. وقفت زي الأسد بيني وبينه، وزقته في صدره بكل قوتها وهي بتصرخ فيه: “إنت إيه يا أخي؟! جبلة؟! معندكش دم؟! مراتك كانت بتموت والنزيف كان هيضيعها هي وولادك، والدكاترة جوه شاهدين! بدل ما تبوس رجليها وتحمد ربنا إنه رجعهالك بالسلامة، جاي تتبجح وتدافع عن أمك الحرباية اللي سابتها تنزف عشان تروح المول؟! اخرج بره! بره مش عاوزين نشوف وشك هنا!”
كريم بص للحاجة سعاد بغل وقال: “إنتِ مالكيش دعوة يا حاجة سعاد، دي بيوت وعائلات، وما تتدخليش بيني وبين مراتي!”
الممرضة لقت الموضوع هيكبر، فجرت على التليفون وطلبت أمن المستشفى بسرعة: “أمن الطوارئ حالا! في مريض بيعمل شغب في غرف الرعاية وعايز يتهجم على مريضة لسه خارجة من عمليات!”
كريم لما سمع الممرضة بتطلب الأمن، خاف على برستيجه، بصلي بنظرة كلها توعد وقال بصوت واطي ومسمم: “ماشي يا سمر… خلي الست دي تنفعك. وحسابنا في البيت لما تخرجي… ده لو لقتي بيت يلمك أصلا.”
لف ضهره وخرج ورزع الباب وراه بكل قوته.
أنا كنت قاعدة على السرير، دموعي بتنزل في صمت من غير حتى ما أشهق. الصدمة كانت أكبر من إني أصرخ أو أرد. الراجل اللي اخترته وسيبت الدنيا عشانه، الراجل اللي شايلة أولاده في بطني تسع شهور، بيساومني على حياتي وحياة ولادي عشان يرضي كبرياء أمه الظالمة!
الحاجة سعاد قعدت جنبي وأخدتني في حضنها وهي بتطبطب عليا: “اهدي يا بنتي، اهدي يا حبيبتي.. حسبي الله ونعم الوكيل فيه وفي أمه، ربنا ينتقم منهم. ما تبكيش عشان الجرح ما يفتحش، إنتِ قوية ومعاكي ربنا.”
عدى يومين في المستشفى. الحاجة سعاد ما سابتنيش لحظة، كانت هي اللي بتأكلني وتساعدني أتحرك، وهي اللي كانت بتروح تطمن على الولاد في الحضّانة وتصورهم لي بالموبايل عشان أشوفهم. الولاد بدأوا يستقروا، بس الدكاترة قالوا لازم يفضلوا في الحضّانة كمان أسبوع على الأقل عشان يكتمل نموهم تمامًا.
كريم ما ظهرش خالص خلال اليومين دول، ولا حتى اتصل يطمن.
في اليوم الثالث، الدكتور دخل وقالي: “الحمد لله يا مدام سمر، تحاليلك بقت ممتازة والجرح بيقفل كويس، وتقدرى تخرجي النهارده.. بس الولاد هيفضلوا معانا زي ما اتفقنا.”
خرجت من المستشفى وأنا سانده على الحاجة سعاد. ركبنا عربيتها، وطول الطريق كنت ساكتة، ببص من الشباك وبفكر.. هروح فين؟ لو رجعت شقتي، نادية وكريم هيستفردوا بيا، وأنا لسه بجرحي وتعبانة. ولو رحت عند أهلي في المحافظة التانية، هسيب ولادي هنا في الحضّانة إزاي؟
الحاجة سعاد كأنها قرأت أفكاري، طبطبت على إيدي وقالت: “إنتِ هتنوري بيتي يا سمر. شقتي مفتوحالك، هتقعدي عندي الأسبوع ده لحد ما نطمن على العيال ويخرجوا بالسلامة، وبعدها نشوف هنعمل إيه مع جوزك.”
نزلت معاها ودخلت شقتها، وحسيت بأمان لأول مرة من يوم ما التعب بدأ عليا. غيرت هدومي ونمت من كتر الإرهاق.
ما فوقتش غير المغرب على صوت خبط ورزع عنيف جدًا على باب شقة الحاجة سعاد! الصوت كان عالي وكأن الباب هيكسر.
قمت مفزوعة وأنا بمسك بطني من الوجع، وخرجت للصالة.. لقيت الحاجة سعاد واقفة ورا الباب وبتسأل بخوف: “مين بيخبط كده؟!”
جاء الصوت من بره، ما كانش صوت كريم.. ده كان صوت حماتي “نادية”، وصوتها كله غل وشماتة وهي بتزعق:
“افتحي يا سعاد! افتحي وخلي الهانم اللي مستخبية عندك تطلع! قسماً بالله لو ما فتحتوا الباب، لألم عليكم الشارع كله وأفضحكم! افتحي يا خطافة الرجالة يا اللي مخبية ست هربانة من بيت جوزها!”
الحاجة سعاد فتحت الباب بعصبية: “جرى إيه يا نادية؟! إنتِ جاية تتبلطجي على بيتي؟! وكمان ليكي عين تيجي لحد هنا بعد اللي عملتوه في البنت؟!”
نادية زقت الباب ودخلت الصالة بكل برود، وبصتلي من فوق لتحت وهي بتضحك بامتناص: “أهلاً يا هانم.. من المستشفى على هنا علطول؟ مش عيب تسيبى بيت جوزك وتقعدي في بيوت الناس؟”
أنا وقفت وبصيت لها بكل القوة اللي باقيالي وقلت: “أنا ما سيبتش بيت جوزي.. ابنگ هو اللي طردني وهددني وأنا بتموت في المستشفى!”
نادية حطت إيدها في وسطها وقالت بنبرة خبيثة هزت كياني كله:
“ابني ما طردكيش.. ابني بعتلك ورقتك على بيت أهلك عشان تعرفي تشتكي وتعملي حكايات كويس! وإنتِ مالكيش حتة هنا خلاص.. والولاد اللي في المستشفى دول؟ كريم راح حالاً عشان يمضى إقرار ويخرجهم، وهيجيبهم ليا أنا أربيهم بمعرفتي، وإنتِ مالكيش ضافر فيهم!”
#الكاتب_رومانى_مكرم
الدنيا لفت بيا، وحسيت الأرض بتهتز تحت رجلي. “يخرجهم؟! يخرجهم إزاي وهما لسه في الحضّانة محتاجين رعاية؟!” صرخت فيها وأنا بجري عليها وبمسك في هدومها من كتر الرعب: “ولادي هيموتوا يا نادية! حرام عليكم! اتقوا الله!”
نادية زقتني بكل قسوة لدرجة إني صرخت من وجع الجرح وسندت على الكنبة. قالت ببرود وهي بتعدل هدومها: “ابني حر في أولاده، يوديهم حتة تانية، يجيبهم البيت، إنتِ خلاص مابقاش ليكي صفة تسألي عليهم.. إنتِ طالق!”
الحاجة سعاد جريت عليا وسندتني وهي بتدعي عليها: “حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا شيخة! ربنا ينتقم منك ومن ابنك! اخرجي بره بيتي حالا قبل ما اطلبلك البوليس!”
نادية مشيت خطوتين ناحية الباب، ولفّت وبصتلي بابتسامة نصر صفرا: “البوليس؟ أعلى ما في خيلكم اركبوه.. العيال زمانهم خارجين مع أبوهم، والبيت بيتي، والمنطقة منطقتنا.. وريني بقى هتعملي إيه يا سمر يا مطلقة.” وخرجت ورزعت الباب وراها.
دموعي نشفت فجأة، وحالة الرعب اتحولت لطاقة جنونية. بصيت للحاجة سعاد وقلت بصوت قاطع: “أنا لازم أروح المستشفى حالا.. كريم هيقتل ولادي عشان يعاندني!”
الحاجة سعاد ما ترددتش ثانية: “يلا يا بنتي، عربيتي تحت.”
نزلت السلم وأنا مش حاسة بوجع جرح القيصرية، الخوف على ضنايا كان أقوى من أي مسكن في الدنيا. ركبنا العربية والحاجة سعاد كانت بتسوق بأقصى سرعة وهي بتدعي في سرها. وطول الطريق كنت بكلم نفسي: “يا رب احميهم.. يا رب ماليش غيرك.”
أول ما وصلنا مستشفى الشفا، نزلت تجري قبل ما العربية تقف تمامًا. دخلت الطوارئ ومنها على الدور اللي فيه الحضّانات. المكان كان هادي، بس أول ما قربت من مكتب طبيب الأطفال المسؤول، سمعت صوت زعاق وزيطة.
قلبي انقبض.. ده صوت كريم!
جريت ووقفت قدام باب المكتب، لقيت كريم واقف وبيتخانق مع الدكتور المسؤول وأمن المستشفى واقف حواليه. كريم كان بيزعق ويقول: “أنا أبوهم! ومن حقي أستلمهم حالا وأوديهم مستشفى تانية على حسابي! إنتوا حاجزين عيالي هنا عشان تاخدوا فلوس وخلاص!”
الدكتور كان بيتكلم بحزم وغضب شديد: “يا أستاذ اتقي الله! العيال في الأسبوع الـ35، البنت عندها قصور في التنفس والولد لسه وزنه ما كملش كيلو ونص! خروجهم من الحضّانة دلوقتي معناه حكم بالإعدام عليهم! لو نقلتهم في عربية عادية من غير حضّانة متنقلة هيموتوا قبل ما توصل أول الشارع!”
كريم زعق وعينه طق منها الشرار: “مالكش دعوة! هيموتوا يغوروا! أنا حر فيهم! امضيني على الإقرار ده خليني أخلص وأمشي!”
في اللحظة دي، دخلت الأوضة زي الإعصار، وصوتي زلزل المكان كله: “مش هتمضي على حاجة يا كريم!”
كلهم لفّوا وبصوا لي. كريم برّق عينه بصدمة: “إنتِ إيه اللي جابك هنا؟ ومش خايفة وأنا رامي ليكي ورقتك؟”
قربت منه بكل ثبات، وبصيت في عينه بكل غل وقرف، وقلت له بصوت سمعه كل اللي واقفين: “الورقة دي تبّلها وتشرب ميتها.. والعيال دول لو لمست شعرة منهم، مش هرحمك. أنا بلغت محامي العائلة وهو جاي في السكة، وهيتم عمل محضر إثبات حالة حالا بإنك بتعرض حياة أطفال مبتسرين للخطر العمد، والدكتور هنا هيشهد!”
ككتور الأطفال وقف معايا بسرعة وقال: “طبعًا هشهد! ده شروع في قتل! وأنا مش هسمح بالمهزلة دي!”
كريم وشه جاب ألوان، وبدأ يتراجع لورا وهو بيبص لأفراد الأمن اللي بدأوا يقربوا منه ويحاصروه. بصلي بغيظ شديد وقال: “فاكرة نفسك كسبتي يا سمر؟ طب وحياة أمي لأخليكي تلفي حوالين نفسك، والعيال دول لو خرجوا عايشين، مش هتشوفيهم تاني، وهحرمك منهم العمر كله!”
كريم لف عشان يهرب ويخرج من المستشفى قبل ما المحامي والشرطة يوصلوا، لكن وهو بيفتح الباب عشان يخرج.. كانت المفاجأة الكبيرة مستنياه ورا الباب مباشرة.
حاجة حصلت خلّت كريم يتسمّر مكانه، والدم يهرب من وشه تمامًا، وأنا نفسي حطيت إيدي على بوقي من كتر الذهول!
#الكاتب_رومانى_مكرم
ورا الباب مباشرة، كان واقف راجل ببدلة رسمية هادية، وملامحه كلها وقار وصرامة، وجنبه اتنين عساكر من الشرطة والمحامي بتاعي.
الراجل ده ما كانش غريب عليا… ده كان المستشار “رأفت”، الراجل الغريب اللي شافني وأنا بنزف في مدخل العمارة يوم ولادتي، ولما لقى كريم واقف متجمد وسعاد بتصرخ، ما استنّاش، وشالني بنفسه في عربيتها وساعدها لحد ما وصلنا المستشفى، وتابع حالتي من بعيد لبعيد بحكم واجبه الإنساني.
المستشار رأفت بص لكريم من فوق لتحت بنظرة هزت كيانه، وقال بصوت جهوري هز الممر: “على فين يا أستاذ كريم؟ البلاغ اللي اتقدم حالاً من دكتور المستشفى ومن طليقتك والشهود مش هيخليك تخرج من هنا غير على النيابة بتهمة تعريض حياة أطفال مبتسرين للخطر العمد والشروع في قتل.”
كريم بدأ يترعش وصوته يتهز: “يا فندم دي حكاية عائلية، وأنا أبوهم ودي مراتي—”
المستشار قاطعه بحسم وقوة: “كانت مراتك! وإنت رميت عليها يمين الطلاق وطردتها وهي بين الحيا والموت، والشرع والقانون اللي إنت فاكر إنك بتلعب بيهم، هما أول حبل هيتلف حوالين رقبتك. العساكر يا ابني.. خلوه يتفضل معانا على القسم لغاية ما المحضر يكمل.”
كريم بصلي بنظرة رجاء أخيرة، النظرة اللي كان المفروض يبصها لأمه وهو بيترجاها تنقذني، بس خلاص.. وقت الرجاء فات. العساكر مسكوه وخدوه وسط ذهوله وكسرته، والصوت اللي كان بيزعق ويهدد، اختفى وبقى مجرد همس خايف.
عدى شهر كامل.. شهر كان بمثابة ولادة جديدة ليا أنا وولادي.
المستشار رأفت والمحامي بتاعي ما سابونيش، وبحكم القانون وبالمستندات والتقارير الطبية للمستشفى، اتمكنت من رفع قضية حضانة مستعجلة، وأخدت قرار بتمكيني من شقتي ومنع كريم أو أمه من التعرض ليا أو لأولادي، ده غير قضية النفقة ومصاريف الحضّانات اللي ارفعت عليه وشلت حيلته وحيلة أمه.
نادية لما عرفت إن ابنها مهدد بالسجن، وضغط القضايا والمصاريف نزل فوق دماغهم، جاتلي لحد باب الشقة وهي بتعيط وتتباكى عشان أتنازل، بس المرة دي أنا اللي وقفت قدام الباب، وبصيت لها بنفس البرود اللي بصتلي بيه وأنا بنزف، وقفلت الباب في وشها من غير ما أقول كلمة واحدة.. لأن الكلام مع اللي معندهمش قلب، خسارة.
في يوم خروج أولادي “يوسف” و”فريدة” من المستشفى، الشقة كانت مليانة بنور ربنا، والحاجة سعاد واقفة جنبي بتزغرد وبتساعدني فيهم كأنها أمي اللي خلفتني.
شلت أولادي في حضني، وبصيت لوشوشهم الملائكية الصافية، وحسيت بالحكمة الحقيقية اللي خرجت بيها من الأزمة دي..
البيوت مش جدران وعقد جواز بس، البيوت أمان.. والراجل اللي ما يكونش سـند لمراته في لحظة ضعفها، ويقدم رضا المخلوق على حياة ضناه وعرضه، ما يستاهلش يكون أب ولا زوج. ربنا ما بيضيعش حق المظلوم، والوجع اللي بيقرص على قلبك في الأول، بيكون هو الإشارة اللي بتصحيك عشان تبدأ حياتك صح، وبكرامة مفيش مخلوق يقدر يكسرها.
سجدت سجود شكر لله، وأنا عارفة إن اللي جاي أفضل.. طالما معايا ربي، وولادي في حضني.
#الكاتب_رومانى_مكرم