حكايات زهرة الربيع 5 الاخير
أمي ركبت العربية بجمود يحبس الأنفاس، وطلبت من هالة وهبة يركبوا ورا ويقفلوا الأبواب عليهم. بصت لي وقالت بلهجة مفيهاش تراجع:
**”يا أمنية، إسعاد عمرها ما كانت ضحية، هي دلوقتي بتنفذ أمر رشاد عشان تسحبنا للمخازن. هي عارفة إن نقطة ضعفي هي (الأصول)، وفاكرة إني هجري أنقذها.”**
قلت لها بخوف: “طب هنعمل إيه يا ماما؟ دي بتقول إنه هيق*تلها!”
أمي ضحكت بمرارة وهي بتشغل الموتور:
**”رشاد مبيق*تلش اللي بيخدمه يا بنتي، رشاد بيق*تل اللي بيعطله. إحنا مش هنروح المخازن اللي هو مستنينا فيها.. إحنا هنروح (بيت إسعاد) نفسه.”**
استغربت جداً، بس أمي كانت عارفة هي بتعمل إيه. وصلنا العمارة، الشقة اللي كانت “في الوش” طول 25 سنة. أمي طلعت مفتاح كان معاها من سنين (أتاريها كانت عاملة نسخة من مفتاح جارتها وضرتها من يوم ما سكنت). دخلنا الشقة، وكانت المفاجأة.. الشقة مكنتش فاضية، والذهب اللي إسعاد قالت إنها سرقته وهربت بيه، كان محطوط في “شنطة دبلوماسية” تحت السرير، ومعاها عقود “تنازل” فاضية وجاهزة للتوقيع.
أمي مسكت الشنطة وقالت:
**”إسعاد مبهربتش بالذهب، إسعاد كانت بتجهز الشنطة دي لـ (رشاد) كعربون محبة عشان يهربها بره البلد هي وبناتها ويسيبونا إحنا نتحرق مع عبد السميع. هي كانت بتلعب بينا كلنا.”**
فجأة، تليفون أمي رن تاني، وصوت رشاد المرة دي كان هادي ومرعب:
**”شاطرة يا هدى، وصلتي للشنطة. بس الشنطة دي فيها (جهاز تتبع)، وأنا دلوقتي واقف تحت العمارة.. ومعايا مراد المحامي، ومعانا قوة تنفيذية بقرار (حجز إداري) على كل ممتلكاتك بناءً على ديون وهمية مراد لبّسهالك في وسط الورق اللي مضيتي عليه وإنتي مش واخدة بالك.”**
أمي بصت من الشباك، لقت فعلاً عربيات البوليس (أو اللي شبه عربيات البوليس) محاوطة المكان، ومراد واقف بابتسامة نصر ومعاه ورق رسمي.
أمي متهزتش، فتحت الشنطة وطلعت منها “فلاشة” صغيرة كانت مخبية وسط الذهب، وبصت للكاميرا اللي كانت مزروعة في ركن الصالة وقالت:
**”يا رشاد.. إنت ومراد فاكرين إنكم أذكى من مدرسة لغة عربية قضت عمرها بتصحح (أخطاء) الناس؟ الفلاشة دي عليها تسجيلات كاميرات المحل اللي تحت بيت مراد، اللي بتصورك وإنت داخل وخارج معاه بقالك شهور بتخططوا لسرقة ورث خالي. والديون اللي مراد عملها، أنا سددتها الصبح بـ “شيك مقبول الدفع” من حساب (أمنية) اللي إنت مكنتش تعرف إنه فيه سيولة تغطي أي حجز.”**
رشاد صوته اتغير وبقى فيه غل: **”والأرض يا هدى؟ الأرض مش هتكون ليكي!”**
أمي بصت لهالة وهبة اللي كانوا بيترعشوا، وقالت بصوت مسموع في التليفون:
**”الأرض من اللحظة دي بقت (وقف خيري) باسم (بنات عبد السميع)، مفيش مخلوق يقدر يبيعها أو يشتريها، ولا حتى أنا ولا هما.. الأرض دي بقت سكن للأيتام، والقرار ده اتوثق في الشهر العقاري قبل ما نيجي هنا. يعني يا رشاد، إنت ومراد بتحاربوا على (سراب).”**
مراد تحت بدأ يزعق وينفعل، والناس بدأت تتجمع. أمي لفت للبنات وقالتلهم:
**”أنا حميتكم من رشاد، وحميتكم من طمع أمكم، وحققت وصية أبوكم إنه يأمنكم.. بس من النهاردة، مالكمش مكان في حياتي. عيشوا في الشقة دي، وصرفوا من الذهب ده، بس انسوا إن كان ليكم أب اسمه عبد السميع، لأن عبد السميع مات من يوم ما خان (الأمانة).”**
أمي أخدتني من إيدي وخرجنا من الشقة ومن العمارة، ومشينا وسط رشاد ومراد وهما زي المجانين، والشرطة الحقيقية بدأت توصل فعلاً بناءً على بلاغ “تزوير واحتجاز” أمي كانت قدماه من تليفونها وهي في الطريق.
ركبنا العربية، وأمي سندت راسها على الكرسي وغمضت عينها.
قلت لها: “خلصت يا ماما؟”
فتحت عينها وبصت لي بابتسامة فيها نصر بس ممزوج بكسرة قلب وقالت:
**”لسه يا أمنية.. فاضل (الحكاية الأخيرة).. لازم نروح للمستشفى، لأن عبد السميع طلب يشوفني للمرة الأخيرة، وعاوز يقولي السر اللي خلاه يستحمل إسعاد ورشاد 25 سنة.. السر اللي هيغير نظرتنا لكل اللي فات.”**
تابعو صفحه رومانى مكرم
دخلنا ممر المستشفى للمرة الأخيرة، وكان الهدوء فيه يختلف عن كل مرة؛ هدوء النهايات. أمي كانت بتمشي ببطء، وكأن كل خطوة بتشيل حمل سنين من فوق كتافها. وصلنا لغرفة العناية، الدكتور شاور لنا بالدخول وهو بيقول بصوت خافت: “شدوا حيلكم، الأجهزة بدأت تدي إنذارات، هو متمسك بالحياة بس عشان يكلمك يا ست هدى.”
أمي دخلت، ووقفت جنب سريره. عبد السميع فتح عينه بصعوبة، كانت نظرة ندم حقيقية، نظرة راجل عرف قيمتها لما بقى بينه وبين الموت خطوة. مسك إيدها بضعف ورعشة، وهمس بصوت متقطع:
**”سامحيني يا هدى.. أنا مكنتش خاين بس، أنا كنت (مجبور). إسعاد مكنتش جارة سكنت صدقة، إسعاد كانت ماسكة عليا ورق قديم من أيام ما كنت موظف صغير.. ورق يوديني ورا الشمس لو حد عرفه. رشاد أخوكي هو اللي بعتها ليا، وهددني يا إما أتجوزها وأصرف عليها وأنفذ طلباته، يا إما يهد حياتي ويدمر مستقبلك ومستقبل أمنية.”**
دمعة نزلت من عين أبويا وهو بيكمل:
**”الـ 25 سنة اللي فاتوا كنت بحارب عشان أبعدهم عنك وعن أمنية. كنت بظهر قدامك (خاين) عشان متكونيش (شريكة) في اللي رشاد بيعمله. الأرض اللي سجلتها باسم أمنية، كانت الطريقة الوحيدة اللي أكفر بيها عن ذنبي وأضمن إن رشاد مياخدش مليم من ورثكم. أنا كنت سجين يا هدى.. سجين في شقة إسعاد، وقلبي كان دايمًا في أوضتك المنفصلة.”**
أمي فضلت ساكتة، دموعها نزلت بصمت وهي بتسمع اعترافه الأخير. مكنتش صدمة، كانت “راحة” لأنها عرفت إن صبرها مكنش لواحد ميستحقش، لكنه كان لراجل ضحى بسمعته عشان يحمي بيته من شر أخوها.
أبويا ضغط على إيدها للمرة الأخيرة وقال:
**”دلوقتي أقدر أمشي.. السر طلع، والأمانة وصلت لأصحابها.. خلي بالك من أمنية.. ومن بنات إسعاد يا هدى.. هما غلابة وملهمش ذنب في وساخة رشاد.”**
وفي لحظة، الجهاز أطلق صفارة طويلة ومستمرة. أبويا مات وهو ماسك إيد الست اللي عاشت وماتت وهي بتصون “الأصول”.
بعد مرور سنة..
الحياة اتغيرت تماماً. “أمنية” بقت من أكبر المحامين في مصر، ومراد ورشاد ورا القضبان بتهم تزوير وكسب غير مشروع.
شقة إسعاد اتقفلت للأبد، والبنات (هالة وهبة) بقوا تحت رعاية أمي “الست هدى”، اللي أخدتهم في حضنها وعلمتهم إن الست بكرامتها وعقلها، مش باللي بتخطفه من غيرها.
أمي النهاردة قاعدة في بلكونتها، بتبص على الشقة اللي “في الوش” وهي فاضية، وبتمسك “الكوفية” الصوف اللي كانت فكتها ورجعت عملتها من جديد، بس المرة دي لفتها حوالين رقبتها هي، وقالتلي بحكمة تدرس:
> **”يا بنتي، الدنيا مش دايمًا أبيض وأسود. ساعات بنضطر نعيش دور الضحية عشان نحمي اللي بنحبهم، وساعات الصمت بيكون أقوى من الرصاص. الست اللي (نفسها طويل) مش اللي بتصرخ وقت الوجع، هي اللي بتستنى لحد ما الوجع يخلص عشان تبني فوق حطامه مملكة.”**
>
أمي علمتني إن **”الأصول”** مش كلمة بتتقال، دي فعل بيتعمل حتى مع اللي ميستاهلوش، عشان في الآخر، اللي بيعيش هو (الأثر الطيب) والذكاء اللي بيخليك تخرج من المعركة كسبان نفسك، قبل ما تكسب الأرض.
**تمت.**
