توأم حكايات رومانى مكرم 1

لما كنت حامل في توأم، فضّلت أصرخ وأترجّى جوزي “كريم” ياخدني المستشفى. بس حماته “نادية” وقفته عند الباب وقالت له ببرود: “مش هتروحوا في حتة قبل ما توديني أنا وأختك على المول.”

بعد ساعات، راجل غريب هو اللي خدني على الطوارئ… ولما كريم دخل المستشفى أخيرًا، الجملة اللي قالها خلت كل اللي في الأوضة يتجمّدوا من الصدمة.

الطلق بدأ مع أول ضوء للنهار.

في الأول افتكرت إنه تعب عادي من الحمل في التوأم، خصوصًا إني كنت في الأسبوع الـ35. بس بعد شوية، الألم بقى لا يُحتمل… كأن حد بيغرز سكاكين في بطني، لدرجة إني سندت على الحيطة وأنا بنهج.

صرخت: “كريم! بالله عليك ودّيني المستشفى… في حاجة غلط!”

دخل الأوضة مفزوع ولسه صاحي من النوم. “حاضر، حاضر… هجيب مفاتيح العربية—”

لكن قبل ما يفتح الباب، ظهرت أمه “نادية”، واقفة قدامه بإيديها متشابكة، كأنها حارس واقف يمنعنا.

قالت ببرود: “ولا رايح في حتة. إنت وعدتني توديني أنا ورانيا المول النهارده.”

كريم بص لها بتوتر: “يا ماما دي بتتألم، شكلها بتولد—”

قاطعته بسرعة: “يا ابني دي بتبالغ. ده طلق كدّاب وبتحب تلفت النظر.”

كنت بتلوى من الوجع والدموع مالية وشي: “لأ… المرة دي مختلفة… بالله عليكم!”

لكن نادية حتى ما بصّتش ناحيتي. قالت وهي بتعدل شنطتها: “هتقوم زي الفل بعد شوية. ماحدش بيموت من شوية وجع.”

بصراحة، ما كنتش مصدقة اللي بيحصل. جوزي… الإنسان اللي المفروض يكون سندي… واقف متردد بيني وبين أمه.

بصلي للحظة، وبعدين قال بصوت واطي: “يمكن فعلًا نستنى شوية.”

نستنى؟!

في نفس اللحظة، موجة ألم عنيفة ضربتني، وصرخت غصب عني.

نادية زفرت بضيق: “شايف؟ تمثيل ودلع كالعادة.”

الساعات عدّت ببطء قاتل. وجعي كان بيزيد، وجسمي كله عرق، وما بقيتش قادرة حتى أقف على رجلي.

ولما وقعت جنب باب الشقة، جارتنا “الحاجة سعاد” شافتني من البلكونة.

نزلت جري من غير حتى ما تستأذن. “يا ساتر يا رب! يا بنتي إنتِ بتولدي!”

كريم كان واقف متجمد مكانه، مش عارف يتصرف. أما الحاجة سعاد، فمسكت إيدي وقالت بحزم: “ما تخافيش، أنا هاخدك بنفسي.”

#الكاتب_رومانى_مكرم

سندتني لحد عربيتها، غطّتني ببطانية، وانطلقت بأقصى سرعة على مستشفى “الشفا التخصصي”.

أول ما دخلت الطوارئ، الدنيا كانت بتلف بيا. سمعت ممرضة بتصرخ: “في نزيف! حامل في توأم! جهّزوا العمليات حالًا!”

كل حاجة حواليّ بقت ضباب… أصوات أجهزة… دكاترة بتجري… نور أبيض قوي.

وآخر سؤال لفّ في دماغي قبل ما أفقد الوعي كان:

فين كريم؟…

الدكاترة كانوا بيجروا في كل حتة حوليا، وأنا حاسة إن روحي بتتسحب مني. الممرضة كانت بتطبطب على وشي وبتصرخ: “فوقي معانا يا مدام! دقيقة واحدة والبنچ هيشتغل!”

في اللحظة دي، النور الأبيض بدأ يختفي بالتدريج، وأخر حاجة شفتها كانت دموع الحاجة سعاد وهي واقفة ورا زجاج العمليات بتدعيلي وبتبكي بحرقة.

غبت عن الوعي تمامًا… ما عرفش عدى قد إيه، ساعة… ساعتين… ولا يوم كامل؟

بدأت أفوق على صوت “زنين” منتظم ومستمر، صوت أجهزة تانية خالص غير اللي كانت في العمليات. فتحت عيني ببطء شديد، الرؤية كانت مشوشة، والسقف كان أبيض. حاولت أتحرك، بس حسيت بوجع رهيب في بطني كأن في خناجر بتقطع فيا.

حطيت إيدي بتلقائية على بطني… لقيتها هبطت!

قلبي دق بسرعة جنونية، وبصيت حواليا برعب وأنا بندق بصوت مبحوح: “ولادي… ولادي فين؟!”

الستارة اتفتحت، ودخلت الممرضة بسرعة لما سمعت صوتي: “حمد الله على سلامتك يا مدام، أرجوكي ما تتحركيش عشان الجرح.”

مسكت في إيد الممرضة بكل قوتي والدموع نازلة من عيني: “ولادي جرالهم إيه؟ عايشين؟!”

الممرضة ابتسمت ابتسامة هادية عشان تطمني وقالت: “الحمد لله، لحقناهم في آخر لحظة. ولد وبنت زي القمر، بس لأنهم اتولدوا في الأسبوع الـ35 ونزلوا قبل ميعادهم، حالتهم كانت حرجة ومحتاجين رعاية، فدخلناهم الحضّانة حالًا… بس هما بخير، اطمني.”

نفسي رجعلي تاني، وغمضت عيني وأنا بقول: “الحمد لله… يا رب الحمد لله.”

في اللحظة دي، الباب اتفتح، ودخلت الحاجة سعاد، وشها كان باهت وتعبان، باين عليها إنها ما نامتش طول الليل. أول ما شافتني صاحية، جريت عليا وحضنتني وهي بتبكي: “ألف حمد الله على سلامتك يا بنتي! الرعب اللي عشته عليكي ما يتمناهوش كافر… الدكاترة قالوا لو كنتِ اتأخرتي ربع ساعة كمان، كان حصل انفجار في الرحم والنزيف كان ضيعك إنتِ والولاد!”

بصيت للحاجة سعاد بامتنان حقيقي، الست دي اللي مالهاش أي مصلحة معايا عملت اللي جوزي ما فكرش يعمله. سألتها بصوت مرتعش: “كريم فين يا حاجة سعاد؟ جه؟”

ملامح الحاجة سعاد اتقلبت تمامًا، وعينها لمعت بالشرار والغضب. لسه هتتكلم، الباب اتفتح بعنف.

دخل كريم…

هدومه كانت متبهدلة، ووشه أصفر ومخطوف، وعينه حمرا من كتر التوتر. أول ما شافني على السرير، مشي خطوتين ناحيتي وهو بيلهث، ووقف قدام السرير وهو بيبصلي بنظرة غريبة جدًا… نظرة خلت الدم يتجمد في عروقي.

الممرضة لسه هتقول له: “لو سمحت يا أستاذ، المدام لسه خارجة من البنج ومحتاجة راحة—”

قاطعها كريم بصوت عالي، جهوري، وناشف تمامًا من أي رحمة أو لهفة على مراته اللي كانت بتموت. بص في عيني وقال الجملة اللي صدمت كل اللي في الأوضة:

“بقى إنتِ بتتبلي على أمي وتخلي جارتنا تفضحنا في المنطقة وتلم علينا الناس؟ إنتِ عارفة أمي حالتها إيه دلوقتي بسببك؟! ضغطها عليّ وراقدة في السرير بتموت من الصدمة بسبب التمثيلية اللي عملتيها!”

الأوضة كلها سكتت. الحاجة سعاد بقها اتفتح من الصدمة، والممرضة برقت بعينها ومش مصدقة إن ده الزوج اللي مراته لسه راجعة من الموت.

أنا من كتر الصدمة، الوجع اللي في بطني اختفى، وحسيت إن قلبي هو اللي اتكسر ميت حتة. بصيت له ودموعي نازلة ببرود، وسألته بنبرة ميتة: “أمك؟… وطب وولادك اللي في الحضّانة؟ ما سألتش عليهم؟”

كريم زعق أكتر: “الولاد كويسين والدكاترة قالوا لي في الحضّانة وطالما بخير يبقى خلاص! إنما أمي اللي اتهانت بسبك، والناس بتقول عليها إنها معندهاش قلب… دي اللي مش هسكت عليها! إنتِ لازم تيجي معايا حالا وتعتذري لها، وإلا…”

#الكاتب_رومانى_مكرم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *