حكايات اسما 3
الخطوات كانت تقيلة ومنتظمة، صوت جزمة جلد فخمة بتخبط على الأرض الرخام في الممر الفاضي. النور اللي قطع فجأة خلى المكتب غرقان في ضلمة كئيبة، مفيش غير ضوء خفيف جاي من شبابيك الشارع.
الباب اتفتح ببطء، وظهر خيال راجل طويل، ملامحه مش باينة، بس الهيبة اللي داخل بيها كانت كفيلة تخلي المحامية تنسحب ورايا وهي بتترعش. الراجل قرب لحد ما وقف قدام المكتب، وطلع ولاعة “ذهب” ولع بيها سيجار، وضؤ الولاعة كشف عن وش محفور فيه علامات الزمن والقسوة… وش “منصور السيوفي”.
المحامية شهقت: “منصور بيه؟ بس.. بس حضرتك ميت من ٢٠ سنة في حادثة المركب!”
منصور نفخ دخان السيجار في الهوا وهو بيبص لي بنظرة فيها تقدير ممزوج بمرارة:
— “الموت فكرة بتموت لما يكون عندك تار لازم تخلصه يا داليا. كريم أخويا كان فاكر إنه لما غرق المركب بيا وبأبويا، إنه ورث الإمبراطورية.. مكنش يعرف إن السيوفي الكبير لسه فيه الروح.”
قعد منصور على الكرسي اللي كانت سوزان قاعدة عليه من شوية، وحط إيده على المكتب:
— “برافو يا داليا. ٣ سنين بتلعبي بيهم كلهم، كنت بتابعك من بعيد ومستني اللحظة اللي تقعي فيها عشان أظهر. سوزان، نادين، ياسين.. كلهم مجرد فرافير في لعبة الكبار.”
سألته وصوتي ثابت رغم العاصفة اللي جوايا:
— “وأنت جاي دلوقتي ليه يا منصور؟ جاي تاخد نصيبك في الشركة اللي أنا كبرتها بدمي؟”
منصور ضحك ضحكة مكتومة:
— “الشركة دي مكتوبة باسمي في أوراق مفيش حد يعرف عنها حاجة غيري أنا وأبويا الله يرحمه. كريم كان بيدير “سراب”. بس أنا مش جاي أخد الشركة.. أنا جاي أعرض عليكي صفقة. سوزان مش بس حامل، سوزان معاها تسجيلات تدينك أنتي كمان في موضوع التلاعب بالحسابات اللي حصل من ١٠ سنين.. التسجيلات دي لو ظهرت، أنتي اللي هتلبسي البدلة الحمراء مكان نادين.”
قرب مني وهمس:
— “سوزان شغالة لحساب جهة تانية خالص يا داليا.. جهة عايزة تمحي اسم السيوفي من السوق تماماً. أنا عايز أحمي اسمي، وأنتي عايزة تحمي شركتك وأولادك.”
قلت له بحدة:
— “وإيه المقابل؟”
منصور قام وقف وطفى السيجار في الطفاية الكريستال:
— “المقابل إنك تديني ‘المفتاح’. المفتاح اللي كريم خفاه قبل ما يموت.. الهارد ديسك اللي عليه كل أسرار صفقات السلاح اللي كان بيديرها من وراكي بالتعاون مع جهات دولية. سوزان بتدور عليه، وياسين كان بيحاول يوصله.. وكريم أكيد سابه معاكي أنتي.”
بصيت له بذهول.. سلاح؟ كريم المتهور كان داخل في سكة زي دي؟
— “أنا معيش هاردات يا منصور. كريم مسبش حاجة غير الوجع.”
منصور بص لي بنظرة غامضة وهو ماشي ناحية الباب:
— “فكري كويس يا داليا. كريم كان بيحبك بطريقته المريضة، وأكيد شال أغلى حاجة عنده في أكتر مكان أنتي بتثقي فيه. قدامك ٦ ساعات.. قبل ما سوزان تروح النيابة بالتسجيلات، وقبل ما ‘الجهة التانية’ توصل لك.”
خرج منصور وسابني في الضلمة تاني. فجأة، افتكرت حاجة.. “الخزنة الصغيرة” اللي كريم صمم يركبها في أوضة نوم ولادي من سنتين، وقالي وقتها إنها عشان “شهادات ميلادهم ودهبهم”.
جريت على بره، ركبت عربيتي وسوقت بجنون ناحية البيت. وصلت، طلعت أوضة الأولاد، وبدأت أدور ورا اللوحة اللي مدارية الخزنة. فتحتها بالرقم السري اللي هو تاريخ ميلادي… وفعلاً، لقيت الهارد ديسك.
بس وأنا بمسكه، حسيت بحد ورايا.. لفيت بسرعة، كانت “الدادة” اللي بقالها معانا ١٥ سنة، واقفة وماسكة في إيدها “مسدس” كاتم للصوت، وقالت لي ببرود مرعب:
— “هاتي الهارد يا مدام داليا.. كريم بيه وصاني إن لو حد لمسه، نهايته تكون هنا.”
وقفت مكانى مذهولة، الدادة اللي كنت بعتبرها أمي التانية؟
— “حتى أنتي يا سعاد؟”
سعاد قربت والزناد على وشك يتسحب:
— “أنا مش سعاد يا داليا.. أنا اللي كنت بكتب التقارير لكريم عن كل نفس بتتنفسيه في البيت ده. هاتي الهارد.. وإلا أولادك اللي نايمين في الأوضة التانية مش هيشوفوا شمس بكرة.”
في اللحظة دي، الموبايل رن في جيبي.. رسالة من رقم كريم! مكتوب فيها:
“الهارد ده فخ.. اوعي تفتحيه.”
وقفت مكاني والمسدس متوجه لصدري، وعقلي بيحاول يربط الخيوط اللي اتعقدت فجأة. رسالة من تليفون كريم؟ كريم اللي المفروض ميت؟ والدادة سعاد اللي طلعت “عين” مزروعة في بيتي من سنين؟
بصيت لسعاد وقلت لها وصوتي ثابت:
— “كريم بعتلي دلوقتي يا سعاد.. بيقولي إن الهارد ده فخ. يعني لو أخدتيه ووديتيه للي مشغلك، أنتي اللي هتتنفخي.”
سعاد ضحكت ببرود، وعينيها كانت بتلمع بقسوة:
— “كريم مات يا داليا.. والرسالة دي أكيد ملعوب من ملاعيب منصور السيوفي عشان يشكك فيا. هاتي الهارد وإلا هخلص عليكي هنا والشرطة هتقيدها دفاع عن النفس وأنا بحمي بيت مخدومي من حرامية.”
قربت منها خطوة وأنا بمسك الهارد بقوة:
— “لو كريم مات فعلاً.. يبقى مين اللي باعت الرسالة؟ ومين اللي عارف مكاني دلوقتي؟”
في اللحظة دي، سمعنا صوت خبطة قوية تحت، وصوت فرملة عربيات كتير قدام الفيلا. سعاد ارتبكت وبصت ناحية الشباك، وفي ثانية، كنت هجمت عليها.. مسكت إيدها اللي فيها المسدس وحاولت أوجهه بعيد عني. الرصاصة طلعت وكتمها الصوت، بس خرمت اللوحة اللي ورايا.
وقعنا إحنا الاتنين على الأرض، والمسدس طار من إيدها. زقيتها وقمت جريت على أوضة الأولاد، لقيتهم لسه نايمين.. شلتهم برعب وحاولت أخرج من الباب الخلفي، بس فجأة النور اشتغل في البيت كله.
وقفت في نص الصالة، ولقيت “منصور السيوفي” داخل ومعاه رجالته، وبص لسعاد اللي كانت قايمة من الأرض بتعرج وقال لها:
— “كنت عارف إنك مش هتقدري عليها يا سعاد.. داليا دي تلميذتي.”
بصيت لمنصور بغل:
— “أنت اللي بعت الرسالة؟”
منصور ضحك وهو بيقرب مني:
كريم بص للجهاز، وبعدين بص لي.. النظرة اللي في عينيه ما كانتش نظرة حب، كانت نظرة “وحش” محاصر. رفع مسدسه في وشي وقال بجمود مرعب:
— “أنا آسف يا داليا.. بس أنتي ذكية زيادة عن اللزوم. مكنش ينفع تفتحي ملف سيف، ومكنش ينفع تغيري كلمة السر. قوليلي الكلمة فوراً.. وإلا هتحصلي سيف، والمرة دي مش هتبقى حقنة أنسولين.”
وقفت في نص الصالة، وفي إيدي نص الهارد المكسور، وبصيت لهم كلهم.. كريم، ويوسف، وسعاد. كلهم قتلة، وكلهم طمعانين في سر الـ 200 مليون دولار.
ابتسمت بمرارة وطلعت من جيبي “قداحة” (ولاعة) صغيرة:
— “كلمة السر كانت ‘أمان’. الكلمة اللي أنا عمري ما حستها معاكم. والـ 200 مليون دولار؟ أنا حولتهم من ساعة واحدة بس لحساب جمعية خيرية لمرضى السكر في مصر.. باسم سيف السيوفي. الحسابات اللي في سويسرا دلوقتي ‘صفر’ يا كريم.”
الجنون سيطر على كريم، وكان لسه هيسحب الزناد، بس فجأة.. النور قطع تاني، وسمعنا صوت انفجار عند بوابة الفيلا، وصوت مكبرات صوت بتهز الحيطان:
— “كريم السيوفي.. يوسف القاضي.. أنتم محاصرين! سلموا داليا السيوفي والولاد فوراً!”
يوسف حاول يهرب من الشباك، بس رصاصة مجهولة جات في رجله فوقع بيصرخ. كريم مسكني من شعري وحط المسدس في راسي وهو بيسحبني ناحية السلم:
— “لو هموت.. هتموتي معايا يا داليا!”
وفي قمة الدراما دي، سمعت صوت ابني الصغير “ياسين” وهو واقف فوق بيبكي وبيقول:
— “بابا؟ أنت ليه ماسك مامي كده؟”
كريم اتجمد مكانه.. اللحظة دي كانت الفاصلة بين الحياة والموت.
بصيت لكريم وقلت له بهمس:
— “هتقتل ابنك التاني يا كريم؟”
إيد كريم بدأت ترتعش، والمسدس بدأ ينزل ببطء.. وفجأة، سمعنا صوت ضرب نار كثيف، والباب اتكسر ودخلت قوة خاصة. بس اللي شفته في اللحظة دي مكنتش اتوقعه.. اللي داخل على رأس القوة مكنش ظابط شرطة.. كان “نادين”!
نادين لابسة لبس عسكري، وماسكة سلاح احترافي، وبصت لكريم ونادت بصوت عالي:
— “العملية انتهت يا كريم.. سيب داليا.”
نادين.. الموظفة، العشيقة، القنبلة الموقوتة.. طلعت “عميلة مخابرات” مزروعة وسطنا من 3 سنين عشان تجيب رقبة “يوسف القاضي” وعصابته الدولية!
كريم بص لها بذهول، وفي لحظة يأس أخيرة، وجه المسدس لنفسه..
دوت صرخة عالية، والكل هجم.. بس الحكاية لسه ما خلصتش، لأن فيه “سر أخير” نادين مخبياه، سر هيغير مصير “داليا السيوفي” للأبد في الجزء الأخير.
ساد الصمت في الصالة الكبيرة، الدخان بيملأ المكان، ورجال القوات الخاصة محاوطين الكل. كريم كان واقع على الأرض، المسدس بعيد عن إيده، وبينزف من كتفه بعد ما نادين أطلقت عليه رصاصة شلّت حركته قبل ما ينهي حياته بنفسه.
نادين قربت مني، نزلت سلاحها، وبصت لي بنظرة مختلفة تماماً.. نظرة فيها احترام، وحزن عميق.
— “مدام داليا.. أنا آسفة على كل لحظة ألم سببتها لك، بس كان لازم أكمل المهمة للآخر. يوسف القاضي وكريم كانوا تحت المراقبة الدولية من سنين، وأنتي كنتِ الخيط الوحيد اللي هيوصلنا لقلب المنظمة.”
بصيت لها وأنا لسه بضم ابني “ياسين” لحضني وبحاول أداري عينيه عن المنظر:
— “كنتي بتعملي شغلك يا نادين.. بس ابني “سيف”.. دمه هيروح هدر؟”
نادين شاورت لواحد من رجالها، وقدم لي ملف محكم الغلق:
— “دم سيف هو اللي فتح القضية من تاني. سعاد ويوسف وسوزان وكريم.. كلهم اتمسكوا بتهمة القتل العمد، والاعترافات متسجلة بالصوت والصورة. العدالة هتتحقق يا داليا.”
قمت وقفت، بصيت لكريم وهو بيتشال على النقالة.. كان بيبص لي بعينين مليانة ندم وخوف، بس قلبي تجاهه كان بقى حجر. مابقاش فيه مكان للحب ولا حتى للكره.. بقى فيه بس راحة إني خلصت من الكابوس.
نادين قربت مني وهمست في ودني بالسر الأخير:
— “داليا.. فيه حاجة لازم تعرفيها. شركة دبي اللي أنتي كنتِ فاكرة إن الأصول هربت ليها؟ أنا اللي كنت بديرها من وراهم لحساب “جهاز المعلومات”. الفلوس اللي حولتيها للجمعية الخيرية وصلت فعلاً، بس الأصول الحقيقية لشركتك في القاهرة لسه باسمك.. أنا كنت ببدل العقود الأصلية بعقود مزورة طول الـ 3 سنين اللي فاتوا عشان أحمي تعبك.”
ضحكت ودموعي نازلة.. يعني طول ما أنا كنت بخطط للانتقام، كان فيه “ملاك حارس” بيحمي ضهري من غير ما أعرف.
مرت شهور..
القاهرة كانت هادية في عيني لأول مرة. كريم ويوسف وسوزان وسعاد ورا القضبان، والمحاكمة كانت حديث الرأي العام. “شركة السيوفي” بقى اسمها “شركات داليا السيوفي”، وبقت واحدة من أكبر الكيانات اللي بتدعم الأطفال مرضى السكر في الشرق الأوسط.
في مكتب الصباح، وقفت قدام الشباك الكبير اللي بيبص على النيل. السكرتيرة خبطت ودخلت:
— “مدام داليا.. فيه ضيفة برا عايزة تقابل حضرتك.”
ابتسمت وأنا عارفة مين اللي برا. دخلت نادين، بس المرة دي لابسة لبس مدني شيك، ومعاها باقة ورد أبيض.
— “جيت أبارك لك على الفرع الجديد.. وأقولك إني استقلت من الخدمة، وقررت أفتح شركتي الخاصة.”
بصيت لها وقلت بامتنان:
— “العالم محتاج ناس زيك يا نادين.. بس تفتكري اللعبة خلصت فعلاً؟”
نادين بصت للنيل وقالت بهدوء:
— “اللعبة بتخلص لما بنقرر إحنا إننا نوقف لعب. وأنتي يا داليا.. بقيتي “الأستاذة” في اللعبة دي.”
خرجت نادين، وبقيت لوحدي. فتحت درج مكتبي، طلعت صورة سيف الصغير، بوستها وحطيتها في برواز وسط صور أخواته. النهاردة، ولأول مرة من 11 سنة، قدرت أنام وأنا عارفة إن مفيش حد هيناديني “يا مدام” وهو بيخفي وراه خنجر..
أنا داليا السيوفي.. الست اللي حولوها لآلة انتقام، بس هي اختارت في الآخر إنها تبقى “أم” لآلاف الأطفال.. والشركة؟ الشركة بقت مجرد وسيلة، عشان الحقيقة هي اللي دايمًا بتكسب في الآخر.
**تمت**
