صالونات حكايات رومانى مكرم 2

استمعت بتركيز، والصوت عبر الهاتف لم يكن غاضبًا ولا مستهزئًا كأصواتهم، بل كان صوت رجل وقور، بنبرة هادئة وتحمل الكثير من الأسف.

قال الطرف الآخر: “السلام عليكم يا بنتي.. أنا الحاج جمال، عم عماد.”

صمتُّ تمامًا ولم أرد، فتابع سريعًا وكأنه يخشى أن أغلق الهاتف: “أنا عرفت باللي حصل حالا من ابني اللي كان معاه.. أنا ماليش عين أكلم أبوكي الحج أحمد، بس جيت أعتذر لك نيابة عن عيلتنا كلها. اللي عماد عمله ده قلة أصل وما يرضيش ربنا، وأنا اتبرأت من تصرفه ده قدام العيلة كلها.”

تنحنح أبي مشيرًا إليّ بأن أفتح مكبر الصوت، ففعلت. تابع الحاج جمال بحزن: “يا بنتي، البيوت أسرار، وعماد للأسف مشي ورا كلام أمه، وأمه فاكرة إن الجواز معركة وسيطرة. ابني حكالي إنه دخل بيتكم بقلة أدب، وأنا جاي أقولك إنكم ناس أطهار، وبنت الأصول اللي زيك تتشال على الراس.. والدهب اللي خده ده حقك إنتِ تعويض عن الإهانة، وأنا بنفسي هجيبه لحد عندكم بكرة.”

نظر إليّ أبي وهز رأسه برفض قاطع لفكرة استعادة الذهب، وأشار بيده ليتحدث هو. أخذ أبي الهاتف من يدي وقال بنبرة قوية وهادئة: “يا حاج جمال، إنت راجل صاحب أصول وإحنا عارفينك، والاعتذار مقValid (مقبول) لشخصك الغالي. بس الدهب رجع لصاحبه، وإحنا ناس بنشتري بني آدمين وما بنبكيش على فلوس. الموضوع انتهى وكل حي يروح لحاله، وبنتي رب العباد كاتب لها الخير بعيد عنكم.”

دعا الحاج جمال لأبي بالصحة والعافية، وأقفل الخط وهو يشعر بالخزي من أفعال ابن أخيه.

تنغست بارتياح عميق، وشعرت أن كرامة أبي وكرامتي قد عادتا إلينا كاملتين أمام الجميع. نظرت إلى أبي وقلت: “الحمد لله يا بابا.. ربنا ظهر الحق في نفس اللحظة.”

ابتسم أبي وقال: “ربك عادل يا يارا، واللي بيتقي ربنا في أهله، ربنا ما بيكسروش أبدًا.”

مرت ثلاثة أيام على تلك الحادثة.. أيام هادئة، عدت فيها إلى عملي بكامل طاقتي، وشعرت بالحرية والدفء وسط زملائي، وبدأت نظرة الانكسار تختفي من عيني، وحل محلها فخر واعتزاز بنفسي وبأبي.

وفي صباح اليوم الرابع، وأنا أستعد للنزول إلى العمل، استوقفتني جارتنا أم محمد على السلم. نظرت إليّ بفضول وقالت بصوت منخفض: “يا يارا يا بنتي، سمعت إن خطوبتك انفسخت؟”

أجبتها بابتسامة ثقة: “حصل يا خالتو أم محمد، لعله خير.”

هزت رأسها وقالت بأسف: “خير طبعًا.. بس عماد وأمه مش سايبين في حقك كلمة في المنطقة، وعمالين يقولوا إنهم هما اللي سابوكي عشان مش عاجبهم وضعك!”

شعرت بوخزة خفيفة في قلبي، ليس لأجل عماد، بل لأن الناس يستمعون لمن يصرخ أولاً. لكنني تذكرت كلمات أبي: “الجواز الغلط هو اللي بيفضل ياكل في عمر البني آدم، والناس مش بتسيب حد في حاله.” فقلت لها ببرود: “الناس ليها الظاهر يا خالتو، ومين فينا الصح ومين الغلط.. ربنا هو اللي عالم بيه، والحمد لله إنها جت على قد كده.”

تركتها ونزلت، ودخلت شركتي وأنا مصممة ألا ألتفت وراء طالما أنني على حق.

أثناء جلوسي على مكتبي أراجع بعض التقارير، اقترب مني مدير القسم، الأستاذ ماجد. كان رجلاً في أوائل الثلاثينات، معروفًا بأخلاقه العالية وهدوئه الشديد، ولم أره يوماً يتجاوز حدوده مع أي موظف.

وقف أمام مكتبي وقال بنبرة مهذبة: “آنسة يارا.. لو وقتك يسمح، كنت حابب أتكلم معاكي في موضوع بره الشغل شوية.”

نظرت إليه باستغراب وقلق، وقلت: “اتفضل يا فندم، في حاجة؟”

نظر حوله ليتأكد أن المكاتب المجاورة غير منتبهة، ثم قال بهدوء: “أنا عرفت بالصدفة من الزملاء إن موضوع خطوبتك انتهى.. وأنا يشرفني إني أطلب إيدك من والدك الحج أحمد. أنا شفت فيكي البنت المكافحة، المحترمة، اللي بتشيل مسؤولية بيتها، وده اللي بجد يخليني أتمسك بيكي.. لو معندكيش مانع، أنا حابب أجي أقابل والدك النهاردة قبل بكرة.”

تسمرت في مكاني، وتلجم لساني تماماً، وجاءت في مخيلتي كلمات أخت عماد في رسالتها الصوتية: *”أخويا رضي بيكي علشان موظفة ومحترمة ماتكبريش نفسك أوي”*.. وجاءت كلمات عماد وهو يقول: *”وريني مين هيرضى بيكي”*.

نظرت إلى الأستاذ ماجد، ورأيت في عيونه احتراماً حقيقياً لم أره يوماً في عيون عماد. وقبل أن أرد عليه بكلمة واحدة، اهتز هاتفي على المكتب معلناً وصول رسالة نصية جديدة من رقم عماد نفسه!

فتحت الرسالة بسرعة، وكانت الصدمة…

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

كانت الرسالة من “عماد”، لكنها لم تكن تحمل شتائم هذه المرة. كانت صورة “سكرين شوت” لمحادثة بينه وبين شخص يبدو أنه يعرفني، كانت الصورة تظهر كلامًا يدعي فيه عماد أنني “منبوذة” وأن فسخ الخطبة كان بسببي وبسبب مشاكلي النفسية، وكان يختم رسالته لي بكلمة واحدة: **”بكرة هخليكي تندمي وتعرفي إن مفيش حد هيدخلك بيته بعد اللي عملتيه فينا.”**

شعرت ببرودة تسري في أطراف أصابعي. هل بدأ بالفعل في تنفيذ تهديده بتشويه سمعتي؟

نظرت إلى الأستاذ ماجد الذي كان لا يزال واقفًا بانتظار ردي، بدا عليه القلق من نظرة الرعب التي ظهرت في عيني فجأة. قلت بصوت يرتجف قليلًا: “أستاذ ماجد.. أنا مقدرة جدًا كلامك، بس حياتي الفترة اللي فاتت كانت صعبة، ومش عايزة أظلمك معايا في دوامة مشاكل أنا لسه طالعة منها.”

ابتسم ماجد بهدوء وقال: “يارا، أنا عارف إنك اتعرضت لضغوط، وعارف إن فيه ناس بتحاول تسيء لسمعتك، لكن أنا مش من النوع اللي بيصدق كلام القيل والقال. أنا مراقب شغلك وأخلاقك بقالي سنتين، ومش هسمح لشخص زي ده إنه يكسر ثقتك في نفسك أو في الناس.”

توقفت الكلمات في حلقي. كيف عرف بوجود “ناس” تسيء لسمعتي؟ هل وصلته أخبارهم؟

قبل أن أستفسر، رن تليفوني مرة أخرى.. كانت خالتو “أم محمد” جارتنا، ردت بلهفة وكأنها تبكي: “يارا.. الحقيني يا بنتي! أخو عماد ومراته واقفين قدام العمارة تحت ومعاهم حد غريب، وبيوزعوا كلام على الجيران، بيقولوا إنك.. إنك.. مش عايزة أقول إيه!”

لم أنتظر أن تكمل. أغلقت الخط، وبدون أن أشعر، وجدت دموعي تنهمر. كان عماد ينفذ وعيده بالفعل، يريد أن يحرق قلبي وسمعة أبي في المنطقة.

سألني ماجد بقلق: “في إيه يا يارا؟”

قلت وأنا أحاول لملمة أشيائي بسرعة: “لازم أروح.. أهلي بيتعرضوا لإهانة في بيتي.”

لم يتردد ماجد، قال بحزم: “هوصلك.. مش هسيبك تمشي لوحدك في الحالة دي.”

طوال الطريق، كنت أتخيل شكل أبي وهو يواجههم وحيداً. هل سيتعب قلبه؟ هل سيتأثر بكلماتهم الجارحة أمام الجيران؟

وصلنا أمام العمارة، وكانت المفاجأة أن المنطقة كانت متهيئة تماماً.. مجموعة من الناس يتجمعون، وصوت “أخت عماد” كان يعلو متهماً إياي بأبشع الأوصاف، ووالدتها تقف بجانبها تشد من أزرها، وعماد يقف في المنتصف يمثل دور الضحية.

أول ما لمحوني، بدأت أخت عماد تصرخ: “أهي اللي كانت بتصرف على أبوها وطلعت عينيها!”

أحسست بضعف شديد، لكن فجأة، وجدت يد أبي تمتد من خلفي، تمسك بكتفي بقوة لم أعهدها. كان قد نزل على السلم ووقف بجانبي، يرتدي جلبابه القديم، ونظرته كانت أقوى من أي وقت مضى.

لم يتحدث أبي في البداية، بل وقف يواجههم بصدر عارٍ من أي خوف. قال بصوت جهوري هز أرجاء الشارع: “بنتي طول عمرها شريفة، واللي بيطعن في شرف الناس وهو خسران، ده يبقى خسر دينه ودنياه.”

تقدم “عماد” خطوة، وقال بسخرية: “شرف؟ وهي كانت بتطلع تقابل مين في شغلها؟”

في هذه اللحظة، تقدم “الأستاذ ماجد” من خلفي، ووقف بجانب أبي، ونظر لعماد ببرود وقال: “أنا مديرها، وأنا اللي كنت بتابع كل حركاتها في الشركة، ومفيش حد في الدنيا يعرف عن يارا أكتر مني.. لو عندك دليل واحد على كلمة بتقولها، قدمه للنيابة، بدل ما تقف تشهر ببنت في الشارع.”

تراجع عماد خطوة للخلف، واصفر وجهه، لكن أخته تابعت بهجوم أعنف: “وإنت مين إنت عشان تتدخل؟ أكيد فيه بينهم حاجة!”

هنا، تقدم رجل مسن من وسط الجيران، كان “الحاج جمال” عم عماد. نظر إلى عماد وأمه بنظرة مقززة وقال: “كفاية فضايح.. كفاية قلة أصل!”

لم أتوقع أن يتطور الموقف هكذا، وفجأة، اقتربت سيارة شرطة من نهاية الشارع، ويبدو أن أحد الجيران الذين احترموا أبي قد اتصل بهم، وفي لحظة، تغير كل شيء.

توقفت سيارة الشرطة، وهبط منها ضابطان بعد أن تعالت الأصوات في الشارع. ساد الصمت فجأة، وابتلعت أخت عماد كلماتها، بينما تراجع عماد خطوات إلى الخلف وعلامات الارتباك تكسو وجهه.

تقدم الضابط وسأل بحزم: “في إيه هنا؟ ومين اللي عامل الشوشرة دي في الشارع؟”

قبل أن ينطق عماد أو أمه بكلمة تزيّف الحقيقة، تقدم الأستاذ ماجد بصفته الرسمية وأخرج بطاقته قائلاً بهدوء وثقة: “يا فندم، الناس دول جايين لحد بيت الآنسة يارا بهدف التشهير والسب والقذف في علن، ومحاولة الاعتداء على حرمة المسكن وإثارة الشغب، وبناءً على التهديدات الابتزازية اللي وصلت على تليفونها، إحنا بنطلب عمل محضر إثبات حالة حالا.”

التفت الضابط لعماد وسأله: “إنت إيه علاقتك بيهم؟ وجاي هنا تعمل إيه؟”

تمتم عماد بخوف: “دي.. دي كانت خطيبتي وكنت جاي أحل مشاكل.”

هنا تدخل الحاج جمال، عم عماد، ووقف أمام الضابط بكل وقار وقال: “يا فندم، أنا عم الشاب ده، وبشهد قدام ربنا وقدامك إنهم جايين يتبلوا على البنت وأبوها بعد ما الخطوبة انفسخت وأخدوا حقهم تالت ومتلت. الشاب ده وأمه هما اللي تسببوا في المشكلة دي كلها، وإحنا ناس بنخاف ربنا وما نرضاش بالظلم.”

نظر الضابط لعماد وأمه بصرامة وقال: “على البوكس.. إنت وأختك ووالدتك، وهناك في القسم نشوف حكاية الرسائل والتشهير دي.”

في تلك اللحظة، ارتمت أم عماد على يد أبي وهي تبكي وتصرخ: “سامحنا يا حج أحمد! الله يخليك بلاش حبس وفضايح، إحنا ولاد سوق والشيضان شاطر بينا، أبوس إيدك تنازل!”

تحول الشارع كله للنظر إلى أبي.. الرجل الطيب المنكسر الذي حاولوا جرح كبريائه، أصبح الآن هو صاحب القرار والكلمة الأخيرة.

نظر أبي إليها، ثم نظر لعماد الذي كان يرتجف خوفًا على مستقبله ووظيفته، ثم التفت إليّ. رأيت في عيني أبي حكمة السنين، ونقاء النفس الذي لا يلوثه حقد.

تنحنح أبي وقال للضابط بوقار: “يا فندم.. أنا راجل قعدت في الدنيا أكتر ما وقفت، والبيوت اللي اتأسست على الأصول ما بتعرفش الفجور في الخصومة. أنا مش هعمل محضر، ومسامح في حقي وحق بنتي لله.. بس بشرط.”

نظر إليه الضابط بإعجاب وقال: “إيه شرطك يا حاج أحمد؟”

قال أبي وهو ينظر لعماد مباشرة: “يمضوا على تعهد بعدم التعرض لبنتي لا بالقول ولا بالفصل، ولا في الشارع ولا في الشغل، ولو رجل حد فيهم عتبت الشارع ده تاني، المحضر القديم والجديد يتفتحوا.”

وافق الضابط فورًا، وتم اقتياد عماد وأسرته إلى سيارة الشرطة لتوقيع التعهد في القسم، وسط نظرات الخزي والاحتقار من جميع الجيران الذين عرفوا الآن من هم أهل الأصول ومن هم أهل الادعاء.

التفت الجيران حول أبي يباركون له شهامته وحسن تصرفه، ودخلنا إلى بيتنا يرافقنا الأستاذ ماجد والحاج جمال الذي أصر على الاعتذار لأبي وتقبيل رأسه قبل أن يغادر.

جلسنا في الصالة القديمة، وكان الهدوء الذي حل بالبيت دافئًا ومريحًا. نظر الأستاذ ماجد لأبي وقال بأدب جم: “يا حج أحمد، أنا طلبت إيد الآنسة يارا في وقت صعب، وبكرر طلبي قدامك دلوقتي.. أنا مش جاي أتجوز موظفة، أنا جاي أناسب راجل بمليون راجل، وأطلب إيد بنت أصول اتعلمت العزة والكرامة في بيتك.”

ابتسم أبي ابتسامته الصافية، ونظر إليّ وقال: “الشورى شورى البنت يا بني.. وإحنا بنشتري الراجل اللي بيصون مش اللي بيستقوى.”

نظرت لأبي، ثم للأستاذ ماجد، وشعرت لأول مرة منذ أشهر طويله بسلام داخلي حقيقي. أدركت حينها أن الله لا يغلق بابًا بالظلم إلا ليفتح بعده أبوابًا بالعدل والرحمة، وأن الشرف والمكافحة هما السند الحقيقي الذي لا ينحني أبدًا أمام عواصف الحياة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *